الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الخوف من الاخر

احمد شحيمط
كاتب في مجالات عدة كالفلسفة والاداب وعلم الاجتماع

(Ahmed Chhimat)

2022 / 1 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


كيف تخشى فرنسا العلمانية مثلا على التركيبة السكانية من وجود الآخر؟ ، وكيف تصاب أمريكا بالرهاب من الآخر العابر للحدود، وهي في الأصل بلد الهجرة والحالمين والناقمين والراغبين في ولادة جديدة على أرض الأحلام؟ هل الأزمات التي تعصف بالغرب وتعلن عن بداية تآكله سببا في تزايد الخوف من الآخر؟ إنها بالفعل مجموعة من الأسئلة التي نعاين صداها على مستوى الواقع من خلال فكرة "الاستبدال الكبير" التي بدأت تخترق الغرب بصفة عامة، من فرنسا نحو ألمانيا وهولندا والبلدان الاسكندينافية، وفي اتجاه أمريكا الشمالية واستراليا . لم يعتقد الفرنسي "رونو كامو" أن حمولة الفكرة وقوة انتشارها ومدى استيعابها يمكن أن يصل إلى هذا المدى، إنها فكرة بسيطة، تخترق العقول والنفوس، تخرج المكبوت التاريخي والثقافي للواجهة، في صراع جديد بين الشرق والغرب، وبين الأنا والآخر. تصبح الفكرة مادة دسمة للإعلام وللحملات الانتخابية من قبل اليمين المتطرف في فرنسا، والتنظيمات القومية، والأحزاب التي تقدم نفسها بديلا في حل أزمات المجتمعات الغربية من خلال الحد من الهجرة والعودة للأصل، إنها مواقف استئصالية من قبل الأحزاب الرافعة لفكرة الهوية وصفاء العرق، فكرة السكان الأصليون من الكاثوليك والبروتستانت، والسكان الأصليون الذين شيدوا أولى المستعمرات في أمريكا. من أولئك الذين صنعوا مجد فرنسا والغرب عموما، فأصبحوا الآن يعانون من تدفق المهاجرين، وخصوصا من جنوب الصحراء والدول المغاربية. جينات هؤلاء المهاجرين لا تهوى الاندماج الثقافي، ولا ترغب في الذوبان، بل يجري ما يسميه البعض "أسلمة" المجتمعات الغربية، علما أن 82% من مسلمي فرنسا مهاجرون من الدول المغاربية ، والنسبة الكبيرة في الدول الأخرى من البلدان الإسلامية التي لا يرغب أهلها في الانصهار الكلي داخل الثقافة الغربية، وبذلك يعتبر الإسلام نقيضا للمبادئ الجمهورية وللقيم العلمانية، ومن هنا ازداد الهجوم عليه خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر، وكلما اشتدت الأزمات الاقتصادية والسياسية في الغرب إلا وتفاقمت موجات الغضب والكراهية ضد الآخر. فمن أجل تهذيب الخطاب، وتلطيف الأجواء، وتهدئة الخواطر من الطرفين غالبا ما يشار الاتهام للإسلام السياسي وللحركات الراديكالية.

بدأ يلوح في الأفق حالة من التفكك والتفاوت بين الدول الغربية، نلمس ذلك في مجال الأزمات الاقتصادية والاستقطاب السياسي، وبداية تشكيل تحالفات صغيرة. هناك مصالح وتقارب في الرؤى والثقافة، بداية انتشار الغيرية المصطنعة أو المزيفة التي لا تحمل الخير للجميع ولا تعمل بالإنسانية، ما يحمله الخطاب السياسي من رسائل ملغمة ومبالغ فيها عن الآخر المخالف. نظرة الغرب للحياة مادية، والحداثة بمفهومها الشامل تغلغلت في الحياة الفردية والاجتماعية ، منطقها الأساسي الحرية الفردية ومبدأ الربح واللذة، والمنفعة الخاصة. فالغرب الذي نقل الثقافة للآخر، أرغم المجتمعات الأخرى على تبني الاختيارات السياسية والثقافية والاقتصادية من قبيل: التهليل للديمقراطية وفلسفة حقوق الإنسان، ومحاولة تعميم الفكر الليبرالي في التجارة والاقتصاد، يخشى الآن من تدفق المهاجرين، ويعتبرهم غزاة يشكلون تهديدا للحضارة الغربية، يرفعون شعارات، ويبالغون في القول بفكرة الاستبدال المحتمل للعنصر الأبيض وللقيم المسيحية، يبدون المخاوف من اختلال في التركيبية السكانية، وينددون بصيحة عالية: لن نعطي أرضنا للغزاة، لا نريد العيش تحت نير الأصولية الإسلامية، ولن يحل المهاجرون محلنا. اليمين المتطرف في فرنسا وحركة"بيغيدا" في ألمانيا، وحزب الوسط الديمقراطي في سويسرا، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب الشعب القومي البريطاني، وحزب من أجل الحرية في هولندا والنازيون الجدد وغيرها من الأحزاب والمنظمات المتطرفة الناقمة على الآخر، من الأفارقة والمسلمين واليهود والأسيويون. فالحضارة الغربية وليدة الحضارتين الرومانية واليونانية، وينسى الناس هناك أن الحضارات تفاعلت، والانتقال النوعي للحضارة الإنسانية من الشرق في مهدها الأصلي نحو الغرب كانت بالفعل نقلة نوعية في الالتقاء والاحتكاك، أما فكرة الاستبدال فهي قديمة في حلة جديدة، تتماهى مع أطروحة النازية والفاشية والحركات القومية الراديكالية، وتأخذ نصيبا من الاستشراق المدجج بالعداء والحقد الأعمى للشرق وثقافته، والخوف على الهوية في سياق التناقض الذي يرفعه الغرب عن الحداثة، والخوف على المسيحية والعرق الأبيض، ما يفسره تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا والخوف من الآخر الذي يتزايد باستمرار، وتنتقل الأفكار بسرعة مما يعزز من المواقف المعادية للمهاجرين، كما يلعب الإعلام المرئي على وتر ذلك، ويشعل الصراع الفكري والجدال في الساحة الفكرية الغربية، بحيث يفتح هذا الإعلام المجال للأصوات الداعية إلى عودة المهاجرين لأوطانهم أو ما يسميه رونو كامو بالعودة العكسية . تلك الفكرة التي تجذب اليمين المتطرف في فرنسا، والأحزاب القومية العنصرية في أوروبا، من قمة هرم السلطة يخرج علينا رئيس معين من ايطاليا والسويد أو هنغاريا لاتهام المهاجرين بالغزاة. تغلغلت فكرة الاستبدال والاستسلام معا في المخيال الاجتماعي والعقل السياسي الغربي، فما يخيف العالم أن تتحول هذه الأفكار إلى قوة داعمة لمثل هذه الحركات في مجال الحكم .

ينتقل الخوف من اللاشعور نحو الشعور ويصبح واقعيا لا نستطيع مقاومته، رسومات "شارلي إيبدو" الساخرة من الإسلام ورموزه، وقضية الطعن في الأديان باسم الحرية الفردية، والإساءة في معاملة المسلمين والتضييق عليهم، وتدنيس مقابرهم، والهجوم على المساجد، وقتل المصلين كما وقع في نيوزيلندا من قبل السفاح "برنتون تارانت". فمن سياسة الاحتواء إلى سياسة الهجوم، من الإدماج إلى العداء والكراهية، ولو قمنا بدراسة حالة الغرب في المرحلة الراهنة لوجدنا بوادر الأزمات التي تقسم الغرب إلى كيانات متنافرة، مجتمعات منقسمة على ذاتها بتوجهات ومصالح مختلفة. فرنسا التي نعتقد أنها بارعة في الدبلوماسية وتسويق الحريات والحقوق، ونحت الكلمات والمفاهيم تعاني من التشرذم والتصدع الذي يزيد مخاوفها وهواجسها عندما تلقي باللوم على المهاجرين، وتنسى بالفعل أنها جزء من مشاكلهم التاريخية، فعندما يسمح الغرب بتقوية الشعبوية، ويقلل من بناء الإنسان، ويهتم أكثر بالجانب الاقتصادية والنخب المهيمنة، هذا الأمر يترك فراغا حيث تتسلل القوى الراديكالية والأحزاب الشعبوية التي تزيد في جرعة الاحتقان من خلال اللعب على الهوية والمشاعر القومية والقيم المستهدفة من خلال الاستبدال .
تخاف فرنسا أن يصبح رئيس الجمهورية مسلما، يرفع شعارات من قبيل الأسلمة للدولة والمجتمع بالتدريج، أن يتحول الاستبدال الكبير للقيم العلمانية، ويدفع ذلك الفرنسيين إلى مغادرة أوطانهم أو اعتناق الإسلام . الحل كما يراه هؤلاء القوميون في استرداد فرنسا، والحرب هنا تبدأ من الفكرة التي تسندها وسائل الإعلام للبحث عن السبق الإعلامي والزيادة في نسبة المشاهدة والمتابعة، وما فتئ هذا النوع من الإعلام يولي أهمية للقضايا المثيرة كالحجاب وبناء المساجد والإرهاب وتعدد الزواج وختان البنات والعنف ضد المرأة . فالتحول الكبير يمس التركيبة السكانية، ويقلل من السكان الأصليون، ويزيد في نسبة المسلمين من شمال إفريقيا ومن جنوب الصحراء، وقد تبين بالدليل أن هؤلاء المهاجرين لا يرغبون في الانخراط الفعلي والاندماج الكامل في الثقافة الغربية، إنهم في الغالب يسعون إلى بناء المساجد، واستبدال القيم العلمانية بقيم إسلامية، والحكومات الغربية الليبرالية تشجع على ذلك تحت أسباب سياسية واقتصادية، وتغض الطرف عن التكاثر الملحوظ، كما تشجع هجرة العائلات، وتسمح باللجوء السياسي، وتوفر الملاذ الآمن لهم. فاليمين المتطرف يلقي اللوم كذلك على الديمقراطية، والنخب الليبرالية التي تؤمن بالمساواة والحقوق والحريات للجميع، تقدم ما هو اقتصادي على ما هو ثقافي وقيمي. فالثقافة المستوردة والعابرة نحو الغرب لا تتلاءم مع القيم الغربية، فرنسا لم تقل كلمتها كما قال إريك زمور الفرنسي من أصل جزائري، إنها تعيش مرحلة من التدهور والانحطاط، صراع الهويات قائم بين الأعراق المختلفة على أرض أوروبا وأمريكا، أما الذين حملوا مشعل الثقافة وأرسوا دعائم المجتمعات الجديدة على القيم المسيحية، الكاثوليكية منها والبروتستانتية، أصبحوا يعانون من تدفق المهاجرين. لا بديل عن العودة أو بناء الجدران العالية، وإقامة المتاريس والأسلاك الشائكة. الغرب ليس بديلا عن الوطن الأم للمهاجرين، أزمة المهاجرين في بيلاروسيا والجدل الذي صاحب ذلك في العديد من التصريحات، ذلك الرفض الصريح والمعلن لاستقبالهم، انتقاء المهاجر المناسب من المهاجر غير المناسب، صورة قاتمة عن الخوف المزدوج الذي بدأ يتزايد في صفوف الغربيين، وفي صفوف المهاجرين من صعود التيارات القومية الراديكالية، ومن الخوف على المصير، والعيش بدون ذوبان كلي سوى ما تمليه القوانين الوضعية في احترام شعارات الدولة العلمانية في الغرب. فماذا يعني أن يكون على سدة الحكم في فرنسا رجل مسلم ويحكم بالقيم العلمانية ؟

ميشيل ولبيك وروايته" استسلام" وفوز محمد بن عباس كرئيس لفرنسا، مخاوف واعية للمفكر الفرنسي الخائف على الهوية والقيم العلمانية، استسلام أمام المد الأصولي والنمو الديمغرافي السريع للمهاجرين من أصول إسلامية، الخوف من استبدال قيم الثورة الفرنسية والأنوار والإرث الروماني- اليوناني بالقيم الإسلامية، والمسلمون يشكلون نسبة 8.8% من السكان. خيال المثقفين والكتاب ليس بمنأى عن التفكير اليومي والتأملات في الماضي والمستقبل، ولو أن الرؤية مبنية على السرد والحبكة فإن الحكاية تستدعي تحليلا وانتباها لما تحمله الأعماق من أفكار وهواجس . دهشة المؤلف وخوفه في نفس الوقت من الصعود المدوي للإسلام، ما يوازيه من فشل القيم العلمانية والروح الفرنسية التي عاش عليها الملايين من الناس بدون مركب نقص، ولعل ما يخيف الغرب، كل ما نسج عن الآخر وصعوبة ذوبانه في المجتمع، وما يقلق المهاجرين كذلك فكرة الاختلاف التي لا تعني ما تحمله من حمولة ثقافية واجتماعية دون إرغام أو إكراه سوى الاعتراف بالتمايز الفكري والأخلاقي والعمل بالقوانين . سرعة انتشار الأفكار المضادة للآخر تعني بالأساس ما كان يخشاه المستشرقون من عدم فهم الشرق معرفيا وكيفية تغييره حتى يعود الشرق إلى ماضيه ويتماهى مع الحداثة الغربية، ويكف هذا الشرق عن إغراء الغرب بتغيير قيمه الضاربة جذورها في التاريخ . فالفكرة المهيمنة على الكتاب الغربيون ورجال السياسة تعني الاستدراج التدريجي نحو الأسلمة الشاملة وبالتالي يسري التحول القيمي في المجتمع الغربي، تتبدل معالمه الأساسية، يبدأ ذلك من المرأة والأسرة ونظام الحكم والتعليم وشبكة العلاقات الاجتماعية، ومن ثمة فسح المجال للثقافة الإسلامية التي تهيمن وتسيطر على الثقافة الأصل. إريك زمور ومارين لوبين وفيلدرز، والقوميون الجدد في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، تعبير مضاعف للهواجس من الاستبدال والاستسلام معا، من تبديل الهوية والقوانين الوضعية، يرفعون لواء العنصرية لأغراض دعائية وسياسية، إنهم يرغبون في مكانة اجتماعية عندما يلتف الجمهور حولهم، يقتنصون الفرص، ويلعبون على الوتر العرقي والثقافي، وكل الأوهام المزيفة في عالم ينشد التعدد والاختلاف. إريك زمور الذي يدعو الفرنسيين للقتال على كل الجبهات من أجل السيادة، وإيقاف فرنسا على قدمها، والحد من تدفق المهاجرين بسن سياسة صارمة في قانون الهجرة، ما جعل المجلس الدستوري الفرنسي يقر قانون مبادئ احترام قيم الجمهورية، الذي يصب في مصلحة اليمين المتطرف، ومن مصلحة أنصار فكرة الاستبدال الكبير .

يعكس القانون مخاوف السياسة الفرنسية من صعود ما تسميه دائما الإسلام السياسي والجماعات الراديكالية، ومعلوم أن فرنسا بارعة بالفعل في صناعة المصطلحات في مجال السياسة والدبلوماسية، زعيمة أوروبا لما تدعيه من فهم عقلية الآخر، وما تراكم لديها من معطيات تاريخية وانية عن مستعمراتها السابقة، تقدم نفسها حامية للقيم الغربية، وبالنيابة عن أوروبا تزرع المخاوف، وتزيد من الهواجس اتجاه الآخر الذي أصبح جزء من ثقافتها بالمولد والانتماء، خاصة الجيل الثاني والثالث من المهاجرين. واقع فرنسا عندما تشتد أزماتها ويرتقي وعي الشعوب الأخرى بتعرية سياستها الاستعمارية، ووجودها العسكري والاقتصادي في أفريقيا. فرنسا التي تتناقض وسياستها الداعمة للاختلاف والغيرية والشراكة الاقتصادية، لا تقوى أن تعترف بسياستها الخاطئة في أفريقيا، ولا تتوانى في إصدار أحكامها على الآخر، إنها جزء كبير من مشاكل القارة، وعليها أن تقبل الآخر بدون ذوبان كلي، وإن كانت السياسة الفرنسية عادلة ومنصفة، عليها استيعاب المهاجرين، ومنحهم كامل الحقوق دون هواجس أو مخاوف من مكوناتها، هؤلاء العابرون قدموا تضحيات جسام في حق فرنسا من الإنتاج والعمل في القطاع الفلاحي والصناعي، وفي الدفاع عن فرنسا ضد الاحتلال النازي، فلازالت أفريقيا تدفع من خيراتها ومواردها، أما الولايات المتحدة الأمريكية، وما تثيره بعض الكتابات عن قدرة أمريكا في الحفاظ على هويتها الأصلية وسلامتها من صراع الهويات القاتلة من جراء التهديد المادي للحضارات كما يدعي "صمويل هنتغتون " يعتبر أمرا مبالغا فيه، ينم عن نزعة مركزية عنصرية خاصة بالرجل الأبيض، مردها كذلك للأزمات التي تعصف بالمجتمع، في جوهرها أزمات مالية، وأخرى تتعلق بالتفاعل والتماسك داخل النسق العام، والتصدع في العمل السياسي من صعود الشعبوية، ونقص في سياسة الاحتواء للقوى الراديكالية . فما دمنا نشترك في عالم واحد يجب أن يكون هناك التقاء بين الأنا والآخر على قاعدة المصالح المشتركة والاختلاف .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ضجة في الأردن بعد انتحار شاب سوري من أعلى جسر عبدون


.. هدف تاريخي للاعب أشرف حكيمي يتصدر منصات التواصل عالميا


.. السلفادور تعرض الفرص الاستثمارية في قطاعات حيوية| #إكسبو2020




.. واشنطن: العواقب ستكون وخيمة في حال رفضت موسكو الحوار


.. العراق.. 6 صواريخ تستهدف الجناح الأميركي في قاعدة فكتوريا