الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الصراع حول الأرض في السودان (4)

تاج السر عثمان

2022 / 1 / 14
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


رابعا :
الأرض في سلطنة دارفور (1445- 1874م)
1
معلوم أن سلطنة دارفور نشأت في الجزء الغربي من السودان الشرقي كتطور اشمل وأوسع بعد قيام الممالك السابقة مثل : الداجو والتنجر، الخ، رغم الغموض والشح في المعلومات عن تاريخ الممالك القديمة ، وما يواجه الباحث في التاريخ الاجتماعي لمنطقة دارفور من صعوبات ، الا أنه من وثائق الأرض والفور التي نشرها د. محمد إبراهيم ابوسليم 1975 ، نلاحظ أن الأرض كانت ركيزة العمل الأساسي في الإنتاج الزراعي والرعوي ، اذ اعتمد النشاط الاقتصادي في السلطنة علي الزراعة والرعي والصيد ، فكانوا يزرعون: السمسم الدخن والذرة والفول والقطن والصمغ والتنباك. الخ ، كما استخدموا أدوات إنتاج زراعي كتلك المستخدمة في مناطق السودان الأخرى، كما عرفت السلطنة رعي الأبل في الشمال ، والبقار في الجنوب.
كما نظم سلاطين الفور ملكية الأرض ، فقد اعتبر السلطان كل أراضي السلطنة ملكا خاصا يقسمها في حواكير لاتباعه يحدد الخراج أو الاعفاء منه في كل حالة علي حدة ، استنادا علي الشريعة الإسلامية والعرف.
اضافة للنشاط التجاري مع مصر وغيرها، والصناعات الحرفية التي كانت مزدهرة في السلطنة.
للمزيد من التفاصيل راجع : تاج السر عثمان الحاج : تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي ، مكتبة الشريف الأكاديمية 2005م).
2
ملكية الأرض في سلطنة دارفور :
نبدأ بركيزة العمل الأساسية في عملية الإنتاج الزراعي والرعوي وهى الأرض ، ومن ثم دراسة علائق الملكية والتوزيع .
معلوم إن السلطان موسى بن السلطان سليمان سولونج هو أول سلطان من سلاطين دار فور يضع سياسة شاملة إزاء الأرض ، وقد اعتبر كل أراضى السلطنة ملكا خاصا له ، يقول شقير ً وقد عمل السلطان موسى بالنظام المشهور في الشرق فيما يتعلق بملكية الأراضي ، فجعل البلاد كلها ملكا للسلطان ، وقسّم بلاد الحضر إلى حوا كير أو اقطاعات ، وزعها على أهله واخصائه وكبار قومه بحجج مختومة بختمه ، فعاشوا بريعها هم واهلها المزارعون ، وكذلك قسّم البادية وخص كل قبيلة بأمير من أبناء السلاطين ، أو بعين من الأعيان يجبى زكاتها ، وجمع السلطان نصيبه من الزكاة والفطرة والعشور حسبما يفرضه الشرع الإسلامي .
وكان المقاديم يجمعون الزكاة من البادية وملوك الجباه يجمعون الفطرة والعشور من الحضر وربما تنازل السلطان عن نصيبه في الحاكورة أو القبيلة فاعفى صاحبها حجه بالجاه ، فلا يقربه أحد من الجباه أو المقاديم ، وقد جرى على هذا النظام جميع السلاطين الذين أتوا بعد السلطان موسى إلى انقضاء السلطنة
(نعوم شقير ، تاريخ السودان، تحقيق د. ابو سليم،، بيروت دار الجيل 1981، ص 162- 164).
كما نفهم مما أورده د . أبو سليم في كتابه ( الفور والأرض ) أن السلطان موسى هذا هو نفسه الذي ألغي نظام النواب من أهل البلاد وقد عين موسى أربعة مقاديم من اخصائه في أقاليم السلطنة الأربعة وجرد النواب من السلطنة ، أي انه جرّد هذه البقية الباقية من القوى المحلية من السلطة الإدارية ، كما جردها من القوى الاقتصادية بجعل ملكية الأرض والتصرف فيها في يده بعد أن كانت في يد هؤلاء ، فالتجريد الإداري واكبه تجريد اقتصادي
(د. محمد إبراهيم ابو سليم ، الفور والأرض، وثائق تمليك ، معهد الدراسات الآفرو- آسيوية ، جامعة الخرطوم 1975، ص 75 ) .
هكذا نصل إلى بعض سمات * النظام المشهور في الشرق فيما يتعلق بملكية الأراضي على حد تعبير شقير ، ويمكن أن نحدد هذه السمات في الآتي :
ا _ أصبحت الأراضي كلها تابعة للسلطان ( ملكية الدولة - الملك ) والسلطان هو الذي يتصرف فيها وقسمها إلى حوا كير أو اقطاعات بشروط معينة كما تم ذكرها أعلاه .
ب _ استندت الضرائب على الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية المستمدة من التقاليد السابقة للسلطنة .
ج _ نفهم مما أورده شقير ود . أبو سليم انه قبل قيام السلطنة الإسلامية كان النواب هم الذين يتصرفون في الأراضي ، وبقيام السلطنة تحول هذا الحق إلى السلطان ، أي أن التجريد السياسي واكبه تجريد اقتصادي .
التاريخ السابق للاسلام في دار فور ، أي التاريخ الاجتماعي لقبائل وشعوب دار فور البدائية غامض وغير واضح بشكل كامل والروايات الوطنية أو الشفهية متضاربة ، ولكن من تلك الروايات يمكن أن نرسم لوحة عامة لذلك التطور قياسا على التطور الذي حدث للقبائل البدائية التي بدأت حياتها اعتمادا على الصيد والتقاط الثمار ، ثم اكتشفت الزراعة والرعى بعد تطور تاريخي طويل ، بعد تفكك نمط الإنتاج البدائي ، وظهور أول انقسام طبقي الذي تطور وأدى إلى ظهور الدولة والجيش والسلالات الحاكمة التي تركزت عندها فوائض الإنتاج الزراعي والرعوي ، واصبحت هي المالكة للاراضى من الناحية النظرية .
وفى الرواية الشفهية التي أوردها آدم الزين في كتابه "التراث الشعبي لقبيلة المسبعات" والتي قارنها احمد عبد الرحيم نصر مع روايات إبراهيم إسحاق وعبد الله آدم خاطر وعلى بحر الدين وماكمايكل وشقير ودى كاليفان ويوسف فضل وسلاطين باشا واوفاهى وخلص إلى أنها نموذج مكتمل بالنسبة إلى الروايات الأخرى
(آدم الزين ، التراث الشعبي لقبيلة المسبعات "شرق الفاشر" ، سلسلة دراسات في التراث السوداني "10" الخرطوم ، شعبة أبحاث السودان كلية الآداب جامعة الخرطوم مارس 1970 ، ص 12- 18، في د. أحمد عبد الرحيم نصر: رصد دراسة لبعض جوانب السيرة الهلالية في السودان ، في مجلة الدراسات السودانية ، معهد الدراسات الآفرو- آسيوية، عدد 1 ، 2 مزدوج المجلد الثاني ،اكتوبر 1988م ، ص 102 ) .
وسوف نعتمد على هذه الرواية والتي ما يهمنا منها انه جاء فيها أن القبائل الأصلية التي كانت موجودة في دار فور هي التنجر والدا جو والفور قبل دخول العرب ، وان هذه القبائل كانت تعتمد على الصيد في معيشتها ، وكان الفائض من لحم الصيد ُيقطع ويٌجفف ( ٌيشرمط ) ، ونسبة لعدم وجود العملة فقد كانوا يقايضون اللحم المجفف ( الشرموط )بالعيش أو بالشطة ، كما يرد في الرواية إن بعض القبائل مثل البديات كان يعيش على نهب وسلب القبائل الأخرى.
ونفهم من الرواية انه كانت توجد قبائل أخرى اكتشفت الزراعة أو لها إنتاج زراعي فائض من الذرة والشطة وغيرها والتي تقايضها باللحم المجفف ، ونفهم أيضا من هذه الرواية أن حرفة الرعى ظهرت بشكل واسع مع دخول القبائل العربية الرعوية ( البقارة والابالة ) ، هذا إضافة للقبائل النيلية مثل الهبانية والرزيقات وبنى هلبة والتعايشة والمسيرية والحمر والحوازمة. الخ ، واستقر الابالة في شمال دار فور والبقارة في جنوب دار فور . مع تطور حرفة الزراعة والرعى ، بدأت تظهر السلالات الحاكمة ، فنسمع عن ممالك الداجو والتنجر حول جبل مرة وغير ذلك .
وبظهور هذه الممالك ، بدأ نمط الإنتاج البدائي الذي كان قائما على التعاون ( نفير ، فزعه ) يتفكك تدريجيا ، واصبحت السلالات الحاكمة هي المالك الفعلي للأرض ، واصبحت فوائض الإنتاج الزراعي والحيواني تتركز عندها عن طريق الضرائب حسب الأعراف المحلية والتي أطلق عليها السبل بأنواعها المختلفة .
ومع تطور حرفة الزراعة والرعى ازدادت أهمية الأرض باعتبارها ركيزة العمل الأساسية ، وربما تعايش وجود هذه الممالك ( الداجو التنجر. الخ) مع نمط الإنتاج القريب من المشاعة البدائية .
وفى حالة غرب إفريقيا كما يقول د. سمير أمين ً تتشكل الدولة في الأصل من مجموعة الحكام وبلاطه ، ومثل هذه الطبقة الحاكمة لا تخضع للمواصفات الكلاسيكية للعبودية أو الإقطاع ، ورغم أن العبودية لم تكن مجهولة في ظل الدولة الجنينية تلك ، الاانها لم تكن قد أصبحت بعد نمط الإنتاج السائد ، وإذا كان العبيد وهم عادة أسرى حرب يعملون خدما في المنازل لدى الملك ورجال البلاط والإداريين والعساكر ، ولذا لم تكن وظيفتهم في المجتمع وظيفة اجتماعية" (سمير أمين ، الصراع الطبقي في أفريقيا ، مجلة الفكر المعاصر ، مايو 1979 ، ص 12 ، ترجمة بيومي قنديل).
ومعلوم أيضا انه في دولة كهذه ، فان الفائض في الإنتاج الزراعي ( السبل العادية ) أو الشطر الأكبر يذهب لرجال الدولة ( عساكر موظفين ، خدم ، رجال الدين.الخ ) .
هكذا أو يشكل افضل منه ، يمكن تصور الملامح العامة للوضع قبل قيام سلطنة دارفور ، والتي شكلت حلقة أرقى واوسع في مسار تطور الدولة في دار فور ، كما حدث تطور جديد في نظام ملكية الأرض والتي كان النواب من البلاد يملكون أراضى البلاد التي كانوا يديرونها ويتصرفون فيها ، وعندما اعتبر السلطان موسى كل أراضي السلطنة ملكا خاصا ، وكما لاحظ د. أبو سليم فان ً التجريد الإداري واكبه تجريد اقتصادي ً. وهذا هو التطور الجديد الذي ظهر مع بداية نشؤ سلطنة دار فور الإسلامية ٌ. وهكذا اصبح السلطان من الناحية النظرية يمتلك كافة أراضى السلطنة ملكية مطلقة ، بل واعتبر السكان عبيدا له ، وهذه الملكية تم دعمها بالإضافة للعنف والقهر بمبررات استندت إلى الشريعة الإسلامية والأعراف والموروثان المحلية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق: آلاف المتظاهرين يتجمعون في شوارع بغداد إحياء للذكرى


.. تغطية خاصة لتظاهرات الذكرى السنوية الثالثة لانتفاضة تشرين


.. مواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين في طهران




.. الجيش العراقي يوزع قوارير المياه على المتظاهرين في المنطقة ا


.. اختناقات بين المتظاهرين من الغاز المسيل للدموع قرب جسر الجمه