الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


30 يناير 1948 يوم اغتيال - أبى - فى نسخته الهندية

منى نوال حلمى

2022 / 1 / 30
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


30 يناير 1948 .. يوم اغتيال " أبى " فى نسخته الهندية
-----------------------------------
د . شريف حتاتة ، أبى الذى لا يعوض فى ندرة حنانه ، ونبل أخلاقه ، الطبيب والكاتب والمناضل السياسى ، 13 سبتمبر 1923 – 22 مايو 2017 ، له روايات وكتب عديدة ، التهمتها بنهم ، وفخر ، ودهشة .
وعندما أعيد قرائتها ، أشعر بطزاجة فريدة ، وأشعر بالسطور تشدو على أوتار متجددة المعانى،
والأفكار والمشاعر . لديه قدرة عجيبة نادرة ، لشحن الطاقة الايجابية فى النفوس ، وتبديد اليأس الممتزج بالهواء . يمنح القوة ، يشجع الدأب والمثابرة ، لا يتخلى عن مبادئه صعبة الفهم والتحقق .
فى وسط الحصار ، يتأمل الطبيعة الموحية بالأسرار ، تختزن الجمال والتنوع ، تصافح السمو الانسانى فى كافة أشكاله ، تدعمه فى أزماته ، ومراراته .
من أجمل كتب د . شريف ، أبى ، كتاب " طريق الملح والحب " الصادر عن دار المستقبل العربى 1983 ، وهو يحكى عن رحلته الى الهند ، فى منتصف سبعينيات القرن الماضى ،
والتى امتدت لأربع سنوات .
بعد استقراره فى العاصمة " نيودلهى " ، سافرت اليه ، ومكثت ثلاث شهور ، فى الهند ، أتنقل بين ولاياتها المختلفة ، وسحرهاالتاريخى الفريد العريق ، أنهل من حضارتها القديمة الثرية بالحكمة ، والشِعر ، أتنفس عبير الأصالة ، والتفاعل الحى المتجدد مع الحياة .
أنا ، وأبى شريف ، وقعنا فى غرام " الهند " ، بكل عجائبها ، وتناقضاتها ، وموسيقاها تأسر القلوب ، وتنوعها الهائل فى اللغات والأديان والطوائف والمذاهب .
وكانت هذه هى بداية تعرفى ، على المهاتما غاندى ، الذى من أجله ، ومن أجل حب الهند ،
كتب شريف ، أبى ، كتابه " طريق الملح والحب " ، الذى فتح لى مغارة الهند ، وكشف أسرارها
المحيرة ، وتاريخها وصراعاتها ونضالها . وكان " غاندى " بالطبع ، هو محور أساسى للكتاب ، حتى العنوان " طريق الملح والحب " ، يشير الى مسيرة الملح الشهيرة التى قادها " غاندى " ، فى 12 مارس 1930 ، أو مسيرة العصيان المدنى ، التى استمرت 25 يوما ، سيرا على الأقدام ، بآلاف الهنود .
ومع مرور الوقت ، كانت " الهند " تزداد رسوخا فى عقلى ، ووجدانى ، وكان " غاندى " قد تحول عندى الى بطل للانسانية ، قلما يتكرم به الوجود .
وكم كانت سعادتى ودهشتى ، أننى اكتشف كل يوم ، كيف أن أبى ، شريف حتاتة ، يشبه كثيرا " غاندى " فى تواضعه ، ومثابرته على الكفاح ، وتشبثه بالانسانية الهادئة ، ودأبه الذى لا يكل ولا ييأس ، وايمانه بقضيته التى تخلى كثيرون عنها ، وقدرته على المرح فى أصعب الظروف .
كنت أعيش مع " غاندى " المصرى ، النسخة المصرية للمهاتما الهندى . وهذا ترك أثره العميق الراسخ على شخصيتى ، وعلاقتى بالحياة كلها . " غاندى " واحد ، كاف جدا ، لأن يغير الانسان ، ويبدل اختياراته واقناعاته . فما بال أن أكون على صلة قوية ، باثنين من دم " غاندى "؟.
كان يوم ٢ أكتوبر ١٨٦٩ يوم ميلاد " غاندى " ، نذير شؤم لكل آكلى لحوم البشر أحياء، ومغتصبى الأرض والكرامة . وكان بشارة خير ونور للمقهورين الفقراء والمعدمين، حملت به أمه آلاف السنوات، وليس تسعة أشهر . لكنه اختار اليوم الثانى من الشهر العاشر سنة ١٨٦٩، لينهى تأملاته وأحلامه وأمنياته فى الرحم، ويبدأ تحقيقها فى الهند «الرحم الأكبر»، وطنه ورسالة حياته.
هل شعرت أم غاندى بأنها بهذا الحمل الفريد ، قد جعلت التاريخ البشرى مدينًا لها وممتنًا لعطائها النادر؟ .هل كانت أم غاندى تحس بقلب الأم الذى لا يخطئ بأنها تسير وفى أحشائها نبوءة وثورة؟ .ربما لهذا السبب جاءت ولادتها دون ألم، دون استشارة أطباء النساء والتوليد ، ودون قطع الحبل السُرى الذى يربطها إلى الأبد بالشعب الهندى وحضارته العريقة وإمكانياته اللانهائية .
أما يوم 30 يناير 1948 ، كان يوما حزينا ، مأساويا ، فى حياة الشعب الهندى ، وفى
حياة الشعوب المناضلة من أجل السلام ، واللاعنف ، والسيطرة الأجنبية ، والعدل ،
والحرية .
" غاندى " ، الروح العظيم ، زعيم الثورة الهندية ، ملهم الهند للعصيان المدنى الشامل ،
دون قطرة دماء ، ونبذ العنف ، والتعصبات الدينية التى تفرق وتضعف ، منصف طبقة
" المنبوذين " ، المؤمن بالعدالة بين النساء والرجال ، المحارب ضد زواج الأطفال ، الذى أحيا الصناعات الحرفية الهندية القديمة ، كالنول اليدوى ، وجعلها أداة سياسية واقتصادية للتحرر . طالب بمقاطعة البضائع الانجليزية ، دون استخدام السلاح ، أو العنف .
أكثر ما يبهرنى فى سيرة غاندى، ما سُمى بمسيرة الملح فى 12 مارس 1930، فى ذلك اليوم خرج غاندى من مدينته أحمد أباد، فى ولاية غوجارت سائرًا على القدمين إلى قرية داندى فى مقاطعة سوارت وقد قطع عهدًا ألا يعود إلا بعد تحرير الهند، بدأ السير مع تسعة وسبعين من أتباعه وحين وصل إلى محيط العرب فى سوارت كان قد مشى يومًا كاملًا قاطعًا خمسمائة كيلو متر، وعلى طول الطريق تحول الجمع الصغير المؤمن باللاعنف أو العصيان المدنى إلى الآلاف من الهنود .وفى القرى
عند الشاطىء توقف غاندى وتوقف معه الزحف الهندى الضخم، توجه إلى تلال الملح القريبة، رفع بعض الملح إلى أعلى ثم تركه يتساقط مصاحبًا بالهتافات الرعدية، فقد فهم الهنود رسالة غاندى .
أدرك غاندى أنه أفضل توحيد للخمسمائة وخمسين مليونا من الهنود، فأفقر الفقراء الذى لا يتناول إلا قطعة من الخبز، يحتاج إلى بعض من الملح ، وليس هناك جسم يستطيع الاستغناء عن الملح .
وكان «غاندى» محقاً.. فالملح تاريخياً كان سلعة ثمينة . وكان فى بعض البلاد، يُستبدل به الذهب . وفى الصين ، اعتادوا على استخدام عملات ، مصنوعة من الملح . وفى عدة دول كما حدث فى الهند ، فُرضت عليه ضرائب باهظة وتم احتكاره لصالح الملوك، والأمراء. ولم يتم إلغاء احتكار الملح ، الا ب ثورات الشعوب .أو ما أطٌلق عليها ، " ثورات الملح ".
هذا الرجل ،لم يكد يفرح ، ويحتفل بانجازه ، ويحصد ثمرة كفاحه ، باعلان
استقلال وطنه فى 15 أغسطس 1947 ، حتى قتلته ثلاث رصاصات غادرة ،
من شاب هندوسى متعصب .
ضُرب " غاندى " بالنار ، وهو الرجل نحيل الجسد ، الذى أشعل النار فى بريطانيا ،
الامبراطورية التى لم تكن تغيب عنها الشمس . راحت الامبراطورية العظمى ، وراح الشاب
الهندوسى المتعصب القاتل ، وبقى " غاندى " ، وبقيت " الهند " . درس بسيط ، تكرره
صفحات التاريخ ، قديما ، وحديثا ، هنا ، وهناك . لكن حلم الامبراطوريات المستعمرة
لا يروح ، والقتلة المتعصبون دينيا لا يروحون . وسواء كان حلم استعادة امبراطورية سياسية ،
واقتصادية ، وعسكرية ، أو حلم خلافة اسلامية ، فهى ولو بعد ألف عام ، ستصبح ذكرى من تراب
بفضل الملايين من النساء والرجال ، الذين يؤمنون أن " الحرية " هى الأصل ، " الحرية " مثل
الموت ، قدر محتوم ، كأس من حق الجميع أن يعرف مذاقها .
العالم كله ، وأوله منْ هاجموه ، وحاربوه ، وسجنوه ، وعذبوه ، وشوهوا نضاله ،
يتذكر " غاندى " اليوم ، وهو ملقى على الأرض ، غارقا فى دمائه النبيلة النقية . تلك الدماء
التى كانت نذير شؤم ، لكل آكلى لحوم البشر أحياء ، ومغتصبى الأرض ، والكرامة . وكان بشارة خير ونور ، للمقهورين ، الفقراء ، والمعدمين ، والنساء المقهورات .
تم اختيار 2 أكتوبر ، مولد " غاندى " ، ليكون اليوم العالمى لنبذ العنف ، تكريما له ،
وتدعيما لسياسة اللاعنف ، والعصيان المدنى ، والمقاومة السلبية .
وفى 14 مارس 2015 ، فى لندن ، فى ميدان البرلمان ، أزيح الستار عن تمثال " غاندى " ،
وهذا التاريخ ، يوافق مائة عام ، حينما عاد " غاندى " الى الهند ، من جنوب أفريقيا حيث كان يعمل بالمحاماة ، لكى يتفرغ للنضال لتحرير بلاده ، وكان يبلغ من العمر 46 عاما .

من مقولات " غاندى " :
------------------
- أيها الهنود لا تعاملونى كاله .
- لا تحل محل الناس . دعهم يكتشفون قدراتهم بأنفسهم .
- الفقر موجود لأننا نأخذ أكثر من احتياجنا .
- لولا المرح والسخرية لانهزمت فى أول معركة .
- لا تيأس .. فالبحر لا يتسخ من قطرة .
- نحن موجودون بسبب النساء فلا تسيئوا معاملتهن
- فى البداية يتجاهلونك ثم يطاردونك ثم يحاربونك ثم يساومونك
ثم تنتصر فى النهاية
--------------------------------------------------








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حماس: تلقينا رد إسرائيل على موقفنا حول وقف إطلاق النار وسندر


.. كارثة غزة بالأرقام.. ورفع الأنقاض سيستغرق 14 عاما | #سوشال_س




.. قوات النيتو تنفذ مناورات عسكرية متعددة الجنسيات في سلوفاكيا


.. طلاب جامعة كاليفورنيا الأمريكية يقيمون مخيم اعتصام داخل حرم




.. رئيس سابق للموساد: حماس متمسكة بمطالبها ومواقفها ?نها تحررت