الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أسطورة سيزيف لكامو

محمد زكريا توفيق

2022 / 2 / 3
الادب والفن


من هو ألبيرت كامو:

ولد ألبرت كامو في 7 نوفمبر 1913، في مدينة الذرعان (موندوفي) بالجزائر. والده، لوسيان كامو، كان قد استقر هو وعائلته في الجزائر عام 1871. عمل في حقول الكروم. وبالتالي، كان جزءا أساسيا من طبقة الفلاحين، وكان تعليمه ذاتيا.

بعد عام من ولادة ألبرت، أصيب والده بجروح قاتلة في معركة مارن خلال الحرب العالمية الأولى، كاثرين سينتس، والدة ألبرت، امرأة أمية ذات جذور إسبانية، كانت تعمل عاملة نظافة. تسكن في شقة والدتها في حي بلوزداد (بلكور) للطبقة العاملة في الجزائر.

نشأ كامو عندما كان نظام التعليم الفرنسي في ذروته. لقد كان متقدما في دروسه، واثقا وفخورا بجنسيته الفرنسية. طفولته، كانت قاسية وفقيرة، لكنه كان يستمتع بلعب كرة القدم، والسباحة.

كانت طفولة كامو قاسية وفقيرة، لكنه كان يستمتع بلعب كرة القدم، وقضاء بعض الوقت على الشاطئ لامتصاص شمس البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، أصيب بالسل في سن السابعة عشرة، مما أزعجه بقية حياته.

بالرغم من مرضه، استمر يعيش في الهواء الطلق. كان نشيطا ووسيما، وساحر نساء. منعه مرضه من أن يصبح معلما، وأبعده أيضا عن الجيش. في نواح كثيرة، كان مثل أصدقائه، جان بول ساتر، آرثر كوستلر، ورومان جاري. فقد كانوا يطاردون النساء، ويشربون الخمر ويدخنون بإفراط.

بين عامي 1924-1930، كان كامو طالب منحة دراسية في جامعة الجزائر العاصمة. بعد ظهور مرض السل، أخذ كامو إجازة من المدرسة. ثم استأنف دراسته في وقت لاحق عام 1930.

كان يشق طريقه من خلال العمل في وظائف مختلفة، مثل: مدرس، وبائع لقطع غيار السيارات، وعامل في مكتب الأرصاد الجوية. كان يعيش في منزل عمه غوستاف أكولت، حيث بدأ استكشاف الأدب الحديث.

خلال هذه السنوات، التقى أيضا بجان غرينييه، الرجل الذي قدم كامو إلى أعمال مفكرين مثل نيتشه وبيرغسون. حصل كامو في جامعة الجزائر على شهادة في الآداب، ودرجة الماجستير في الفلسفة. كان متزوجا من سيمون هي، ابنة طبيب عيون ثري.

انضم كامو إلى الحزب الشيوعي عام 1934، ردا على صعود الفاشية في أوروبا. عهد إليه بالعمل الدعائي بين المسلمين. ومع ذلك، لم يدم انتماءه إلى الحزب الشيوعي مدة طويلة.

لقد صب طاقته في المسرح. مسرح دو ترافالي، حيث كان يعمل كممثل ومخرج وكاتب مسرحي. لقد صاغ فلسفة أخلاقية أدت إلى أفكاره عن العبث، وهي قضايا يفترض أنها لا توجد إلا مع إنكار وجود الله.

سرعان ما غادر كامو الجزائر العاصمة، إلى أوروبا الوسطى. زواجه من سيمون انتهى بانفصال بسبب إدمانها الخطير للمخدرات. كان لا يزال قادرا على الانتهاء من مسرحيته "الثورة في أستورياس" في ذلك العام.

في 1937، أكمل كامو كتاب، "وفاة سعيدة"، الذي لم ينشر في حياته. لكنه قام بنشر مجموعة مقالات بعنوان "الجانب الخطأ والجانب الصواب". كما أنه قام بتأييد تشريع "بلوم – فيوليت"، الخاص بالتخفيف من حدة المشاكل الاجتماعية في الجزائر.

ثم تم طرده من الحزب الشيوعي. بعد ذلك، استمر في إدارة أعماله المسرحية وأنتج العديد من المسرحيات لكتاب مشهورين، مثل مالرو، جيد، سينجي، ودوستويفسكي.

في عام 1938، أصبح كامو صحفيا في "الجير ريبوبليكان"، والتقى ب باسكال بيا، الذي علمه حرفة الصحافة. أثار تقريره عن الحالة التعيسة لمسلمي منطقة القبائل دعم الحكومة الجزائرية، ولفت انتباه الجمهور إليه.

مع بدء الحرب العالمية الثانية، نشر مجموعة مقالات بعنوان "الأعراس"، وتزوج "فرانسين فور" عام 1940. ووجد وظيفة تدريس في وهران. خلال هذا الوقت، كان من دعاة السلام.

في مارس/آذار من ذلك العام، نصح بمغادرة الجزائر، لأنه أصبح "خطرا على الأمن القومي". في العام نفسه، تم حظر صحيفة "الجير ريبوبليكان". انتقل كامو بعد ذلك إلى باريس، وعمل في "باريس سوار". ومع ذلك، في عام 1941، ترك منصبه في الجريدة وعاد إلى وهران بالجزائر، حيث كتب أسطورة سيزيف.

في 1942, أجبره المرض على العودة إلى فرنسا للنقاهة في منطقة ماسيف الوسطى، حيث نشر رواية الغريب. وبقي في جنوب فرنسا بسبب غزو الحلفاء لشمال أفريقيا، وانفصل عن زوجته في الجزائر إلى ما بعد تحرير فرنسا عام 1944.

في غضون ذلك، انتقل كامو إلى باريس حيث كان يعمل محررا في دار النشر غاليمار. خلال عام 1943، انضم إلى المقاومة الفرنسية وأصبح صحفيا في صحيفة المقاومة، "القتال".

كما كتب سلسلة من الرسائل إلى صديق ألماني. ومع تحرير البلاد في عام 1944، تواصل كامو مع العديد من الشخصيات التي شكلت فلسفته الأخلاقية: جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، وآرثر كوستلر، وماريا كاساريس، التي أصبحت أيضا حبيبته. في عام 1944، رفض الشيوعية رفضا كاملا.

بعد الحرب، كبرت عائلة كامو مع ولادة التوأم، جان وكاثرين. وزار الجزائر وكتب مقالات تهاجم السياسة الفرنسية هناك. ثم تم العرض الأول لمسرحية كاليجولا. كما قام كامو بجولة في الولايات المتحدة، ونشر عدة مقالات عن المقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية بعنوان "لا للضحايا ولا للجلادين".

في 1947, ترك كامو جريدة المقاومة "القتال"، وقام بنشر رواية "الطاعون". وتم نشر رواية "حالة حصار" في العام التالي. ثم استأنف كامو علاقة الحب مع ماريا كاساريس، التي بدأت خلال الحرب، إلى أن أجبرته نوبة أخرى من السل على النقاهة في غراس عام 1950.

نشر "المتمردون" عام 1951. خلال العامين التاليين، كان كامو مكتئبا وغير قادر على الكتابة. ومع ذلك، ظل ناشطا سياسيا، وعارض قمع ثورة العمال في برلين الشرقية، واحتج على التونسيين السبعة المحكوم عليهم بالإعدام بسبب نشاطهم السياسي.

في عام 1956، دعا إلى هدنة في الجزائر وناشد الإفراج عن بعض الليبراليين والقوميين الجزائريين الذين اعتقلوا. بعد فترة وجيزة، انفصل كامو عن زوجته، وبدأ يعاني مرة أخرى من المرض والاكتئاب. تم نشر "الخريف" بعد ذلك بفترة وجيزة.

في عام 1957، أعاد نشر "كاليجولا"، وقام بنشر “المنفى والمملكة" و"تأملات في المقصلة". ثم فاز بجائزة نوبل للأدب. بعد حصوله على جائزة نوبل، أعاد كامو نشر "الجانب الخطأ والجانب الأيمن" بمقدمة جديدة.

اشترى كامو منزلا في لورمايرين جنوب فرنسا، ورفض عرضا بالرقابة الفنية على الكوميديا الفرنسية. بدلا من ذلك، قام عام 1959 بإخراج عملا مقتبسا من رواية "الممسوس" لدوستويفسكي، كمرحلة تجريبية. كما عمل بشكل دائم على رواية "الرجل الأول".

في الرابع من يناير من نفس العام، قتل كامو في حادث سيارة في فيلبفين. ثم نشرت روايتي "وفاة سعيدة" و"الرجل الأول" بعد وفاته بعقود. لقد قطع الموت المفاجئ حياة فيلسوف وكاتب فرنسي عظيم من كتاب القرن العشرين.

الأسطورة الأصلية:

في الأسطورة الأصلية، عندما غضب كبير الآلهة زيوس على سيزيف، بسبب إفشائه لأسرار زيوس الغرامية، طلب من أخيه هاديس(بلوتو)، إله العالم السفلي، بالقبض على سيزيف، وتوقيع أشد عقوبة عليه.

ذهب هاديس إلى سيزيف لقبض روحه، فقام الأخير بخداع إله الموت وسجنه مع الكلاب الضالة. وعندما وجد إله الحرب آريس (مارس)، أن المعارك الحربية لا ينتج عنها وفاة، وبالتالي لا فائدة ترجى من إضرامها، ذهب إلى سيزيف وهدده بالخنق إن لم يطلق سراح هاديس.

لم يجد سيزيف بدا من إطلاق سراح هاديس، والذهاب معه إلى العالم السفلي. هناك قابل زوجة هاديس، بيرسيفون، وأخبرها بأن طريقة أخذه للعالم السفلي غير عادله، لأنه لم يدفن بطريقة سليمة. لذلك يجب على هاديس أن يضعه في مكان لا يعاقب فيه.

سمح لسيزيف بالعودة لكي يموت ويدفن بطريقة سليمة، على أن يأتي إلى العالم السفلي بعد يوم واحد. لكن لم يعد سيزيف في اليوم التالي كما وعد. لقد وجد أن الحياة جميلة والشمس ساطعة والقمر يتلألأ في كبد السماء والخضرة والماء والزهور تبهج النفس. لماذا يعود إلى الظلام والموت والعالم السفلي؟

هنا، حكم قضاة العالم السفلي على سيزيف ظلما بالعقاب الأبدي في تارتاروس. عليه أن يحمل صخرة كبيرة. يرفعها بكل جهده إلى أعلى التل، فتهوي من نفسها إلى أسفل، لكي يعيد رفعها من جديد. وهكذا دواليك!

خلفية أسطورة سيزيف لكامو:

نشر ألبرت كامو أسطورة سيزيف عام 1942 باللغة الفرنسية، وترجمت لأول مرة إلى اللغة الإنجليزية عام 1955. الكتاب هو مقال فلسفي في أربعة أجزاء، "المنطق العبثي"، "الرجل العبثي"، "خلق عبثي"، و "أسطورة سيزيف".

كتابات كامو في الأساس وجودية. تتعامل مع معنى الحياة في سياق نظرة عدمية أو إلحادية. يقول بأن الحياة ليس لها هدف. لكن، بالرغم من تلك الحقيقة، الإنسان يمكنه أن يحيا حياة شجاعة ومجزية. الإنسان الذي يحيا بشجاعة، بالرغم من حالة اليأس التي تعتريه، هو ما يعرفه كامو بالبطل العبثي.

لقد تم العثور على الأسطورة اليونانية "سيزيف" في أشعار هوميروس وغيره من الكتاب القدماء. لكن كامو يروي الأسطورة في ضوء سرد معين. إنه يرويها بطريقة تدعم حجته وفلسفته.

إنه يؤطر النضال الرئيسي لسيزيف ليكون ضد اليأس من وضعه البائس. فهو محكوم عليه، بسبب غضب الآلهة، بدفع حجر كبير إلى أعلى التل، فقط لكي يدعه يسقط مرة أخرى. يفعل هذا كل يوم في ظلام العالم السفلي، وهو عالم منفصل عن العالم الطبيعي الذي وفر له الراحة والأمان.

من خلال هذه الرمزية، يثير كامو تساؤلات حول الحب والدين والعمل وجوهر الأشياء ومعناها والغرض من الوجود، إلخ. كل ذلك في أطر قاتمة للإنسان. فهو ينتقد فرانز كافكا، وهو كاتب آخر وجودي. لأنه يسمح ببصيص من الأمل، بالتسلل من خلال ثقوب قصصه القصيرة.

بسبب حججه القوية، يعتلي كامو عرش الحداثة، كأب للعبثية، ومدافع لامع عن الوجودية. بطله العبثي هو حالة خاصة من "الرجل السوبرمان" لنيتشه. يبين لنا كامو معنى الشجاعة والمرونة، حتى في اليأس الكئيب للوجود البشري.

تعتبر أسطورة سيزيف مقدمة ل "المسرح العبثي" لمثل هذا النوع من الأدب. فقضية العبث تظهر بشكل رئيسي في عقاب سيزيف، حيث يطلب منه دفع صخرة عظيمة إلى قمة تل، لكي تتدحرج وتعود بفعل الجاذبية إلى الأرض.

يقوم سيزيف بهذا العمل إلى مالانهاية. هو عمل لا فائدة ترجى منه، ولا يؤتي ثماره. من ثم، هي مهمة عبثية سخيفة لا معنى لها.

يبدأ المقال بمقدمة للأساطير. لقد وجدت الآلهة القديمة، في أسطورة سيزيف، عقابا مروعا فريدا له. العمل العقيم الأبدي، هو أشد عقوبة يمكن أن نوقعها على الإنسان.

عصيان الآلهة، وكذلك العقوبة الغريبة التي حكمت بها، هما اللذان جعلا سيزيف بطلا عبثيا في عمل كامو. كانت حياة سيزيف قصة احتقار دائم للآلهة، وعدم فهم لحكمها بالموت على البشر.

وصف كامو ذلك الجهد العقيم، لدفع تلك الصخرة بلغة شعرية، عملت على تحويل ما كان يقصد به أن يكون عملا عبثيا، إلى عمل من أعمال التعالي الوجودي.

النقطة التي يحدث فيها التعالي الوجودي، هي لحظة قصيرة متكررة من الزمن. حينما يحقق سيزيف هدفه كل مرة، وقبل أن تبدأ الصخرة في الهبوط إلى أسفل ثانية. ما يتم تجاهله في كثير من الأحيان في قصة سيزيف، هو أنه يعاقب من أجل تحطيم روحه المعنوية. لكنه في الواقع، قد تغلب على ذلك، وحقق النجاح، بمقدرته على رفع الصخرة إلى أعلى المنحدر.

ليس هناك أدنى أمل لكي تستقر الصخرة على قمة التل. وعليه أن يهبط في كل مرة إلى أسفل التل ليبدأ من جديد. لكن أثناء المحاولة، هناك لحظة أمل مشرقة قصيرة، وهي شيء مختلف عما أرادته الآلهة.

يمكننا مقارنة عمل سيزيف بالعمل اليومي لأعداد هائلة من سكان العالم الحديث. يتوجه العمال بالمليارات إلى وظائفهم كل يوم. وهي وظائف، لا تقل عبثية وملل عن دفع الصخرة إلى أعلى التل. إنهم يستيقظون كل يوم، ويفعلوا نفس الشيء دون أي تقدم.

الغرض من العقاب، يكمن في تلك اللحظة من الوعي بالملل وبالخلود العبثي الذي يواجهه الإنسان. لكن هي أيضا اللحظة التي يهزم فيها سيزيف الآلهة أخيرا.

ثم ينتقل كامو إلى شخصية أخرى مأساوية من الأساطير القديمة. شخصية أوديب. فالحكمة لا تأتي إلا عن طريق التجربة. ولا يمكن للمرء أن يصبح بطلا في مواجهة العبث إلا بتلك الحكمة المكتسبة من الخبرة.

في رأي كامو، يمكن من العبث، وعدم معقولية الحياة، أن نحقق السعادة. أي يمكن أن نعمل من الفسيخ شربات. السعادة التي يتم اكتشافها في عالم العبث هي المفتاح العاطفي الذي يفتح أبواب القدر. هي اللحظة التي يتم فيها سرقة المصير، وإعادته للبشر.

في تلك اللحظة القصيرة بين وضع الصخرة أعلى التل وسقوطها إلى أسفل، يجد سيزيف السعادة في كده وتعبه وإكمال عمله. هذه البهجة هي التي تؤدي إلى استعادة السيطرة على مصيره.

عندما ينزل سيزيف إلى أسفل الهاوية إلى حيث تستقر الصخرة في انتظاره، يتأمل في جميع الأحداث التي مر بها في حياته، والتي صنعت مصيره ووضعته في هذا المكان.

قراراته الخاصة لم تكن من صنع الآلهة. وبالتالي، كان مصيره دائما من صنعه. أخيرا، أثبت سيزيف أنه اللص الذي يتحدى الآلهة، وهي لا تستطيع فعل شيء حيال ذلك.

رغبة الإنسان في المعرفة:

تبدأ رواية كامو بصراع بين بطل الرواية والآلهة، لأنه كان يسرق أسرارهم بسبب تعطشه للمعرفة. إنهم يجدونه متغطرسا يشكل خطرا عليهم، لذا قرروا معاقبته.

هذا الصراع مثير للاهتمام. الحياة بطبيعتها لا معنى لها وهي عبثية. من ثم، لا جدوى من طلب المعرفة خلالها، هي في هذه الحالة عمل عقيم. لكن يقول كامو، إن المعرفة جزء لا يتجزأ من مقاومة الإنسان النبيلة لعدم معقولية الحياة وسخافتها.

تصبح المعرفة حينئذ، نوعا من الشجاعة. الخوف يمنع الناس من رؤية مصيرهم الذي ينتهي بالموت. لكن البطل في الحياة العبثية، يدرك وينشط في مقاومة هذه الحقيقة.

يمزج كامو بين تعطش سيزيف للحكمة، ومهنته المزعومة كلص. فلا يرى كامو أي تناقض في هذا الأمر. لأن كامو يعتبر أن الحكمة تأتي عن طريق السرقة. بالطبع، معرفة شيء، لا تنقص من الشخص الذي أخذت منه المعرفة. فالمعرفة هي الشيء الوحيد، الذي كلما أخذت منه، زاد ولم ينقص. معلومات المدرس لا تنقص بالتدريس لتلاميذه.


عدم جدوى الوجود البشري:

عندما رأى سيزيف مرة أخرى البحر والشمس والزهور والشجر، لم يعد يريد العودة إلى ظلام العالم السفلي. قد يبدو حب سيزيف للطبيعة متناقض مع وعيه بعدم جدوى مصيره، ومع ذلك يحرص كامو على الإشارة إلى أن سيزيف لا يزال محبا للطبيعة والحياة.

هذه حجة مهمة في الوجودية، لأنها تدحض فكرة أن الوعي بعدم جدوى الحياة يجب أن يؤدي إلى اليأس والحقد والانتحار. لكن من خلال أسطورة سيزيف، يبين كامو، لماذا هذا ليس صحيحا. الحياة لا تزال غنية بالخبرة، بالرغم من أنها تفتقر إلى المعنى والمعقولية.

بينما نرى سيزيف يكدح من أجل لا شيء في ظلام العالم السفلي، نرى أيضا أن الحياة يمكن أن تعاش بأكثر نبلا، عندما نواجه تفاهتها، ونختار مواصلة الحياة بدلا من إنهائها.

يقول كامو، إن سيزيف بطل عبثي. عواطفه وأسلوب تعذيبه تدلان على ذلك. إنه يمثل الرغبة وعدم الجدوى. هو يعتقد أن بطولة سيزيف تنبع في المقام الأول من فهمه أن حياته ليس لها أي هدف أو جوهر، لكنه لا يزال يجد السلام في حالته، ولا يزال يرغب في أن يعيش.

يقول كامو هذا في الفقرة الأخيرة من المقال من خلال التأكيد على أن "المرء يجد دائما الحياة عبء ثقيل. لكن أسطورة سيزيف تعلمنا كيفية التغلب على الرتابة وظلم الآلهة.

يقول كامو إن التفسير الديني لمعقولة الحياة غير مقنع ولا يمكن الجزم بصحته. كما أنه يعتقد بأن الدين غير ضروري وربما غير مفيد. الإنسان يجب أن يفهم معنى العدم وعد جدواه. المقال يعتبر حجة ضد أولئك الذين يستخدمون الإيمان الديني بدلا من المعرفة الموضوعية.


الإنسان والحب:

كلام كامو عن الرومانسية قليل ولكنه ثاقب. هو يعيد صياغة جزء من الأسطورة هكذا: "يقال إن سيزيف، وهو على وشك الموت، أراد أن يختبر حب زوجته له. فأمرها أن تلقي بجسده الذي لم يدفن بعد، في وسط الساحة العامة.

استيقظ سيزيف في العالم السفلي وهو منزعج من طاعة زوجته لطلبه، وهو أمر يدل على عدم حبها له. فحصل من إله العالم السفلي هاديس، على إذن بالعودة للأرض لمعاقبة زوجته".

هذا المقطع هو بيت القصيد. لأنه ينطوي على مأساة الرومانسية البشرية. فهو يظهر الزوجة وهي تحترم طلب سيزيف، على عكس رغبات سيزيف الحقيقية. هذا انعكاس مؤثر للتعقيد الذي يقوم عليه الحب. إن ما نطلبه وما نريده مختلف. وفقا لرد فعل سيزيف، نفترض أنه يشعر بالإهانة من عدم سعيها لبذل قصارى جهدها من أجله، بالرغم من توجيهاته الصريحة.

ولعل أبرز تفاصيل إحباط سيزيف، هو أنه لا يوجد إخلاص أو مصداقية لعلاقته بزوجته. لذلك، نجده يقضي بعض الوقت على الشاطئ، ليستمتع بجمال وسحر الطبيعة. الحب، مثل الدين، لا يقدم حلا سهلا لمشكلة الوجود.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنانون إيرانيون يتضامنون مع غضب شعبهم ولكن بطريقتهم


.. الفنانة فلة الجزائرية في ضيافة كافيه شو


.. محسن جابر: هانى شاكر دخل عش الدبابير وشيرين ممكن تبقى زى أم




.. التعليم العالى تعلن نتيجة تنسيق الدبلومات الفنية وفتح باب تق


.. صباح العربية | لقاء خاص مع أندرو محسن مدير المكتب الفني لمهر