الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نكوص الرأسمالية إلى العبودية والإقطاع

مصعب قاسم عزاوي
طبيب و كاتب

(Mousab Kassem Azzawi)

2022 / 2 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


حوار أجراه فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع في لندن مع مصعب قاسم عزاوي.

فريق دار الأكاديمية: أشرت في محاضرة سابقة إلى أن الرأسمالية المعاصرة رأسمالية نكوصية تنكست إلى نهوج سابقة لها إقطاعية وعبودية. فهل يمكن لك أن تشرح وجهة نظرك بذلك الصدد؟

مصعب قاسم عزاوي: بشكل مبدئي الرأسمالية التقليدية وفق الشكل الذي رسمه آدم سميث في كتابه ثروة الأمم الصادر في العام 1776، هي نمط إنتاج واقتصاد انقلب على النظم الإنتاجية السابقة له إقطاعية كانت أو عبودية عبر تغيير نمط ملكية وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج في تلك النظم ناقلة إياها إلى نمط مستحدث هو الرأسمالية بشكلها البازغ في مرحلة بواكير تمظهرها كنسق اقتصادي متكامل في مطلع القرن التاسع عشر. ولكن الواقع العولمي الاحتكاري المتوحش الذي وصلت إليه الرأسمالية بشكلها المعاصر، والذي تضمن في تكوينه المستحدث ليس فقط تحكماً بوسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج والثروة، وإنما أيضاً تحكماً شبه مطلق بكل مصادر السلطة والإعلام عبر تحويل كيان الدولة البيروقراطي وأدواتها الترويضية للمجتمعات إلى ملكية شبه حصرية لذلك النمط المتطفر من الرأسمالية العولمية المتوحشة وكياناتها العابرة للقارات التي أصبحت صاحبة الحل والعقد على شكل حكومة كونية غير معلنة يلتقي أباطرتها في لقاءات سنوية كذلك الذي يجرى سنوياً في دافوس في سويسرا، لاتخاذ القرارات والتوجهات التي لا بد للعالم وشعوبه من اتباع حذوها سواء بإرادتهم أو بقوة الترهيب والتهديد بالحصار والويل والثبور أو حتى الحديد والنار-إن اقتضت الحاجة بقوة الآلة الحربية الشمشونية التي تمتلكها دول الأقوياء، و التي تقوم نفس الشركات العابرة للقارات السالفة الذكر بتصنيع وإدارة الأشخاص المنتخبين كممثلين سياسيين عن شعوب تلك الدول عبر تمويل حملاتهم الانتخابية، وتلميع صورتهم الإعلامية، وإيهام الناخبين المقهورين بأن ذلك السياسي المصنع أو ذاك هو مخلصهم المنتظر من كل الشرور التي يعانونها في حيواتهم، بينما هو في واقع الأمر وكيل مفوض بإدارة مصالح أولياء نعمته والحفاظ على كرسيه في أحسن الأحوال.
وذاك الواقع الأشوه أدى بالرأسمالية إلى شعور شمقي بالقوة المنفلتة من كل عقال مثل المقدمة لتراجعها عن كل مبادئ الرأسمالية التقليدية المرتبطة بالحريات الأساسية التي مثلت المرتكزات التي استند إليها الرأسماليون الأوائل في تبرير أحقية حلولهم محل النظم الاقتصادية السالفة للرأسمالية مشخصاً بالزلزال الذي أفرزته الثورة الفرنسية، وما تبعها من ثورات لم تتوقف في القارة الأوربية كان أوجها في الربيع الأوربي الذي انطلق في العام 1848 و أفضى بنتيجته التراكمية إلى تثبيت معايير سيادة القانون، والحريات الأساسية، وحق الاقتراع، وحرية التعبير بدلاً من معايير الأفضلية الاجتماعية المبنية على الميراث الأرستقراطي والثروات المقاسة بعدد البشر المستعبدين الذين يمتلكهم ذلك الثري أو ذاك.
وتمثل تراجع الرأسمالية المعاصر في نهوج عديدة، بعد أن ارتأت تلك الرأسمالية بشكلها العولمي الاحتكاري المتوحش بأنه لا ضير من استنهاض الكثير من تلك النهوج من قبورها المندثرة مع نظم اقتصادية آفلة حلت الرأسمالية محلها، لما لها من قدرات استثنائية في تعزيز سبل مراكمة الثروة، وهو ما تجلى أساساً في ظاهرة النكوص إلى استثمارات رأس المال المالي بالمضاربات التكهنية بالأسواق والسندات التي تمثل راهناً ما يقارب 90% من مجمل قيمة الاستثمارات الكونية، بينما الاستثمارات الإنتاجية بأشكالها الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية تمثل الجزء الباقي من قيمة رأس المال المتدفق في عروق الرأسمالية المعاصرة. وهو واقع نكوصي أشوه لا يختلف كثيراً عن ذلك الذي كان قائماً في حالة النظم الإقطاعية السالفة التي كان للأرستقراطي فيها حصة الأسد من الناتج الزراعي لأرضه التي لا يعمل بها مقابل امتلاكه للأرض التي حصل عليها أساساً عن طريق الاستيلاء عليها بالقوة وعسف النظم الملكية السائدة آنذاك، ولما تكن جائزته لأنه كان أول من قام باستصلاحها وزرعها وحصد ثمارها. وهو النموذج الذي استنسخ نفسه في حالة الرأسمالية الاحتكارية المعولمة المتوحشة المعاصرة بنموذج يقوم على أن المال ينتج ويلد أكداساً مهولة من الأموال عبر المضاربات والاستثمار في أسواق الأسهم والسندات، وهي جميعها أنشطة غير إنتاجية لا تختلف كثيراً في نهجها عن نهج الإقطاعي الذي كان يحصد خراج أرضه دون أن يعمل بها.
وتمظهرات النكوص إلى نظام أقرب لما كانت العبودية عليه ظاهرة بشكل يفقأ عين كل من يحاول التعامي عن ذلك الواقع المزري الذي يفصح عن وجهه القبيح البغيض في غير موضع من أرجاء الكرة الأرضية، قد يكون أحد أكثر مظاهره بشاعة ذلك الذي تمارسه السلطات الصينية بحق مئات الآلاف من المقهورين من أبناء تركستان الشرقية الذين يتم احتجازهم في معسكرات للإعداد العقائدي، والذي يعني عملياً غسيل دماغ ممنهج على شاكلة الذي كان متبعاً إبان حملة الثورة الثقافية التي تلت استيلاء ماو تسي تونغ على زمام الحكم في الصين، وتحويلها إلى دولة شمولية أمنية بامتياز بلبوس شعبوي شيوعي لا يغير من جوهرها الاقتصادي القائم على رأسمالية الدولة وهيمنة البيروقراطيات الفاسدة فيها على مفاصل المجتمع وجميع الحريات الأساسية للمواطنين التي ليس لها من معنى في قواميس النظم الشمولية. والحقيقة المرة هو عمل أولئك الملايين من المقهورين في معسكرات للاعتقال الجماعي تدعوها السلطات الصينية مجمعات و مدارس للتثقيف العقائدي، بشكل لا يختلف عن الكدح الذي كان يقوم به العبيد في عصور سالفة سوى في أن مالك العبد آنذاك كان لا بد له من السعي للحفاظ على حياة ذاك العبد لاستدامة قدرته على الإنتاج، بينما في الحالة الصينية فإن الهدف الأساسي من استعباد البشر هو إرغامهم على العمل المجاني في معامل عملاقة مشادة داخل معسكرات الاعتقال الجماعي التي يتم نقل المعتقلين إليها يومياً للعمل فيها دون أي إجازة ولعدد ساعات يصل إلى أكثر من 70 ساعة أسبوعياً، وبشكل مجاني كجزء من تعبير المعتقلين على «قناعتهم ويقينهم» بمبادئ الثورة وفكر «القائد المعلم ماو تسي تونغ»، وخليفته في قيادة دفة «الديموقراطية الشعبية» على الطريقة الشمولية التي لا يعلو صوت فيها على صوت القائد الملهم المنزه والمعصوم عن الخطل والزلل.
والمثال المؤلم الذي يسري بتواز مع بؤس المثال الصيني هو نظام العبودية المقونن في الولايات المتحدة تجاه المظلومين من ذوي البشرة الداكنة، وخاصة أولئك أحفاد المقهورين الذين تم استئصالهم من مجتمعاتهم في القارة السمراء، وإرغامهم للعمل عبيداً لخدمة الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم أحفادها في الولايات المتحدة حاملة «مشعل الحرية» الانتقائي الذي لا يطل نوره على أولئك المظلومين، إذ أن 70% من ذوي البشرة الداكنة في الولايات المتحدة بين عمر 18 و36 سنة هم في عداد السجناء راهناً، أو المخلى سبيلهم شرطياً في الوقت الراهن، أو بعد انقضاء أمد حبسهم من قبل منضمين لفيالق أصحاب السوابق الجرمية فيما يفاخر السادة البيض بتسميته «أرض الأحرار». و هو الحال السائد على امتداد خارطة الولايات المتحدة من شرقها إلى غربها دون استثناء، و الذي يتم فيه إرغام المساجين، و خاصة من ذوي البشرة الداكنة على العمل بكل الأحياز الإنتاجية المنهكة سواء في صناعة المفروشات، أو صناعة المشروبات الكحولية، أو صناعات البناء والتعمير، أو حتى في أكثر المهن خطورة في الولايات المتحدة ألا وهي إطفاء حرائق الغابات، والتي يمثل المساجين نسبة تتجاوز 70% من عمال الإطفاء العاملين بها في أي لحظة زمنية، بينما لا يتجاوز عائد أي عامل من أولئك المظلومين يومياً أكثر من دولار واحد كان لا بد أن يتلقى عشرة أضعافه بالحد الأدنى إن لم يتم تحويله إلى عبد بقوة الحديد والنار والقوانين الجائرة التي تستهدف أساساً المواطنين من غير البيض، والذين يتم زج الغالبية العظمى منهم لسنين طويلة في السجون لجرائم هامشية تتعلق أساساً بحيازة وتعاطي الحشيش الذي أضراره الجسدية صفرية مقارنة بالتدخين مثلاً، وليس هناك إدمان جسدي عليه كما هو الحال في التدخين نفسه أو حتى الكحول وأصناف المواد المخدرة الأخرى؛ ودون الأخذ بعين الاعتبار أن تعاطي الحشيش إن كان جرماً فهو جرم بحق الذات لم يقم «الجاني الافتراضي» فيه بإيذاء أي شخص آخر، وهو في هذه الحالة لا يستحق السحق والويل والثبور والإلقاء في لج السجون لسنين طويلة لا بد فيها أن يتعلم كل فنون الإجرام من زملائه عتاة المجرمين، الذي ليس له من سبيل إلا السعي في نهجهم بعد الخروج من السجن في قابل الأيام إذ سوف ينظر إليه المجتمع على أنه من «المجرمين أصحاب السوابق» الذين لا مكان طبيعياً لهم في اقتصاد النور، ولا خيار له إلا بالنكوص إلى اقتصاد الظلام الإجرامي كوسيلة وحيدة للبقاء على قيد الحياة، بانتظار أن يتم القذف به مرة أخرى مجرماً حقيقياً إلى لج السجون، ليقوم بدوره حينئذٍ «بتهذيب وتأديب» المستجدين القادمين من مجرمي «تعاطي الحشيش» بانتظار تخرجهم لاحقاً منها مجرمين أفذاذاً، وانخراطهم في تلك الحلقة الشيطانية المهولة في وحشيتها وإجحافها بحق كل القيم الإنسانية البديهية.
وفي غير موضع من خارطة الدول المنهوبة التي تبنت خيارات اقتصاد السوق الوحشية، دون ما يستتبعها من ديموقراطية شكلية ظلت حكراً على مجتمعات دول الأقوياء في الشمال الغني، يمكن أيضاً تلمس مظاهر نكوص الرأسمالية الاحتكارية المعولمة إلى أشكال من العبودية المقنعة كما هو الحال في نظام كفالة العمال المؤقتين والخدم المنزليين الذين يتم ممارسة كل موبقات وآثام العبودية البربرية عليهم دون منحهم أي من الحقوق الطبيعية والبديهية المتفق عليها دولياً في تشريعات منظمة العمل الدولية، وخاصة فيما يتعلق بشرط منح حق التقدم للحصول على جنسية البلد الذي عمل فيه العامل، وساهم في تنمية اقتصاده الوطني عبر سداده لما هو مستحق عليه من ضرائب، بعد خمس سنوات من الإقامة المنتظمة في ذلك البلد، وهو ما يتم التغول عليه ظلماً وتعسفاً بحرمان أي من أولئك العمال من ذلك الحق حتى بعد مرور عقود على إقامته المنتظمة في ذلك البلد، في مأساة أخلاقية وتهافت قانوني يمثل تمسخاً لفكرة الرأسمالية التقليدية، وما ارتبط بها من مبادئ ليبرالية تحررية على نهج المنظرين الأوائل لفكر الرأسمالية من قبيل آدم سميث، وجيرمي بنثام، وجون ستيوارت ميل، إلى نموذج متهالك من نظام اجتماعي يجمع في تكوينه أسوأ ما في النظم الاقتصادية سواء كانت عبودية أو إقطاعية أو رأسمالية في تكوينه المتطفر، ويقدم نفسه أنه بدعة استثنائية في التاريخ المعاصر، بينما هو لا يتجاوز أن يكون نكوصاً اجتماعياً و اقتصادياً مخزياً لا بد لكل عاقل يحترم نفسه من إدانته والعمل المجتهد لتصحيح مفاعيله الظالمة التي لا زالت تطحن وتدمر حيوات الكثير من المظلومين الذي يعانون شرورها في حيواتهم وأحلامهم ومستقبل أبنائهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بوتين: روسيا مهددة من جديد بدبابات ألمانية • فرانس 24


.. تقارير إسرائيلية تتحدث عن احتمال انضمام السودان إلى الاتفاقي




.. ياسر العظمة: مسلسل -باب الحارة- زيَّف تاريخ الشام | #فكر_وفن


.. تصاعد حدة الخلاف بين الرئيس التونسي واتحاد الشغل | #النافذة_




.. اتصالات متبادلة بين واشنطن والجزائر لتنسيق المواقف | #النافذ