الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


البرلمانات العربية، واكذوبة تمثيل الشعب

عزالدين معزة
كاتب

(Maza Azzeddine)

2022 / 2 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


يعتبر " مونتيسكيو" أحد أبرز المنظرين لنظرية الفصل بين سلطات الدولة الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وقد أشار إلى أن كل شخص يدير أي سلطة من تلك السلطات يجب أن يكون مختلفا عن الشخص الآخر، فلو اجتمعت سلطتا التنفيذ والتشريع في يد شخص واحد لأدى ذلك إلى الاستبداد، وإذا اجتمعت سلطتا القضاء والتشريع لأدى الأمر إلى تضييق الحريات ، أما إذا اجتمعت سلطتا القضاء والتنفيذ لأدى ذلك إلى انتهاك العدالة ، في اوطاننا العربية من المحيط إلى الخليج ، السلطات كلها بيد السلطة التنفيذية ، وأما السلطة التشريعية والسلطة القضائية فهما زوجتا السلطة التنفيذية ، ومن المعروف أن الإسلام يبيح تعدد الزوجات .
مرت عقود عديدة على تأسيس البرلمانات العربية التي يفترض أن تكون وظيفتها الأساسية هي التشريع والمحاسبة والرقابة على السلطة التنفيذية، فكيف هو حال الحياة البرلمانية في العالم العربي؟ وما شكل العلاقة بين البرلمانات وشعوبها؟
يوجد في كل الدول العربية برلمانات متنوعة، وكلها استمدت وجودها من الاخر وليس من ثقافتنا ـ السياسية العربية، او من موروثنا التاريخي، منها ما هو مستمد من الدولة الفرنسية كما في شمال افريقيا ولبنان ، ومنها ما هو مستمد من الإنكليز كما هو في مصر والسوادان واليمن والأردن والعراق ، ومنها ما هو مستمد من الولايات المتحدة الامريكية كما في دول الخليج العربي ، والعلاقة بين البرلمانات العربية والسلطة التنفيذية تتميز بالتداخل والتشابك ، عكس تماما تلك الدول الديمقراطية التي استوردوا منها الدساتير والبرلمانات ، الفرق شاسع بين البرلمانات العربية وبرلمانات الدول الديمقراطية ، فهذه الأخيرة تشرع قوانين معبرة عن إرادة المجتمع ورغباته وتطلعاته نحن حياة افضل للجميع ، أما البرلمانات العربية فمن الاحسن اعتبارها برلمانات السلطة التنفيذية فهي تشرع لها فقط ، أما الشعب مجرد كتل بشريو تتحرك فوق الأرض مثلها مثل الكائنات الحية الأخرى .
أحد أبرز عيوب السياسة الداخلية في العديد من الدول، يتمثل في الخطاب البرلماني السياسي والرقابي والتشريعي، الذي يتسم بالضعف في مقاربة المشكلات السياسية والقانونية، على نحو يؤدي إلى تفاقم الاحتقانات، وتراجع شعبية السلطة التشريعية في العديد من الدول، وعدم ثقة الشعوب فيها وفي أعضائها لدى قطاعات اجتماعية واسعة، وليس النخب السياسية والثقافية في البلاد، ومن ثم، إلى تآكل شرعيته، وهو أمر يحتاج في هذه الدول إلى وقفة للمراجعة والتبصر وإعادة النظر في الأداء البرلماني.
التركيز على دعم الحكومة، وذلك دون مناقشات نقدية حول السياسات العامة والاجتماعية، من حيث جدواها ونفقاتها السياسية والنفسية على العلاقة بين المواطنين والدولة، والتوازن بين «الطبقات» الاجتماعية، لا سيما الفئات الأكثر عسراً، والتي تعاني في محاولاتها وقف سقوطها الاجتماعي.
الدعم المستمر للسلطة التنفيذية بفرعيها – الرئاسة والحكومة - بمقولة حماية الدولة، وهو دمج غير سائغ بين الدولة ككيان معنوي كلي ورمزي، وبين السلطة التنفيذية، وهو ما يشكل خطأ في فهم معني الدولة، وبين سلطاتها كافة، وهو اتجاه يكرس سياسة اللاسياسية، ويؤدي إلى ضعف في أداء البرلمان لوظائفه الرقابية والتشريعية، لا سيما أن الأغلبية الساحقة من التشريعات، تتقدم بها الحكومة إلى البرلمان لمناقشاتها وإقرارها، وتراجع الدور التشريعي لأعضاء البرلمان، ما يؤدي إلى إضعاف فعلي وواقعي لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي يعتمد على التمايز الوظيفي بين بعضها بعضاً، في إطار التعاون، ولأن جوهره قائم على الرقابات المتبادلة بين السلطات بعضها بعضاً.
وما حقيقة علاقة العالم العربي قديما وحديثا بهذه السلطة التشريعية العليا التي تقرها غالبية دساتير العالم؟ ما علاقة العالم العربي بالحياة البرلمانية؟ وكيف يمكن تشخيصها وسط هوامش ضيقة للحريات وسيطرة واضحة لسلطة الدولة الممسكة تقريبا بجميع السلطات والمؤسسات؟ هل البرلمانات العربية منابر لتمثيل الشعوب أم مسارح للتمثيل عليها؟
لا تكاد بلاد عربية يخلو برلمانها أو مجلسها التمثيلي من وجوه أقل ما توصف به أنها تهريجية وكأنها تؤدي دورا في مسرحية من النوع الكوميدي الرخيص والممجوج. فإلى متى تستمر هذه المهازل؟ وما الطرق الناجعة لمعالجتها؟
تابعت جزءا من الندوة الصحفية التي نشطها ممثل عن اللجنة البرلمانية الاستعلامية في الجزائر، في ندرة مادة زيت المائدة. المعلومات التي ساقها، أحد البرلمانيين الجزائريين، لا تختلف في مضمونها ولا طبيعتها عن تلك المعلومات التي ظلت متداولة في الشارع: رفض التجار لنظام الفوترة، رفض بعض المنتجين زيادة الإنتاج، ضعف هامش الربح الذي جعل العمل في حد ذاته غير محفز...الخ. وبطبيعة الحال كل هذه المعلومات كنا نسمعها في المقاهي وفي المساحات التجارية، وهو ما يعني في المحصلة: أن عمل اللجنة البرلمانية كان سطحيا ولم يأت بأي جديد، وهذا ايضا كان متوقعا من برلمان أو (أغلبيته) تخلى طواعية عن صلاحياته الدستورية في مراقبة عمل الحكومة ومساءلتها، واختار ايضا، طواعية وبكل حرية، رفع الأيدي لمشاريع الحكومة حتى ولو كانت الحكومة تنتظر منه التوجيه والتنبيه، وما قانون المالية عنا ببعيد. فهل يرجى من البرلمان الذي صادق على مشروع قانون المالية بما يحمله من أعباء تثقل كاهل المواطن المهمش وتكبح عجلة التنمية، أن يأتي بنتائج حقيقية عن أزمة الزيت؟ وما تعانيه الفئات المهمشة.
البرلمان هذا، أو (أغلبيته)، لا يرجى منه شيء، فهو اختار أن يكون ممثل الحكومة عند الشعب، رغم أن الحكومة بحاجة إلى برلمان يمثل الشعب حتى تستقيم الأمور ويعتدل الحكم.
الدستور، أعطى للبرلمان حق ممارسة المعارضة، مساءلة الحكومة، مراقبة أعمالها، اقتراح مشاريع القوانين، لكن كل هذا لا يهم الأغلبية البرلمانية ولا يستهويها، فالأهم والمهم قد يكونان بعيدا عن نص الدستور.
وصف أحد السياسيين العرب المعارض البرلمانات العربية بقوله: " ما هي إلا بيوت الراحة تقضي فيها السلطة التنفيذية حاجتها البيولوجية " وفي الجزائر يصف الناس قبة البرلمان ب " قبة الثرثرة " ويطلقون عليهم كذلك اسم النائمين بدل البرلمانيين أما الغرفة الأولى فيه والتي تسمى " مجلس الأمة " فيطلق عليها عامتنا " مجلس الغمة "
البرلمانات العربية كلها تتصف بالغرابة والشذوذ والممارسات والسلوكيات التي تدعو إلى السخرية من أصحابها.
أمر آخر لا يتعلق بهوامش الحريات المعطاة لممثلي الشعب داخل البرلمانات فحسب، بل بذهنية النائب نفسه ومدى تشبعه بالثقافة البرلمانية المبنية على المسؤولية والأمانة والثقة والنزاهة، ولماذا يعتقد النائب العربي في مجمل حالاته أن الفوز بمقعد في البرلمان هو حقيقة “فوز” من حيث هو مكسب شخصي وامتياز مادي وليس مسؤولية الفرد في خدمة الشعب والدولة كلها؟
ألم يكن مجلس القبيلة أكبر مدافع عن مصالح القبيلة؟
القوانين لا تستورد وكذلك الدساتير، وإنما تنبع من ثقافة الشعب ومساره التاريخي، لم تكن دولنا العربية الحديثة ودساتيرها ونظمها الإدارية قد ولدت ولادة طبيعية، وإنما هي لقيطة مستوردة من الدول الاستعمارية،
في النصوص الدستورية، اعتراف نظري واضح بالفصل بين السلطات، لكن ذلك هو خلاف ما يجري واقعياً، فالقضاء ما زال يناضل من أجل نيل استقلاليته، والحكومات لا تزال محدودة السلطات وأشبه ما تكون ببلديات كبرى، أما المجالس النيابية، فقد خرج أكثرها من رحم وزارة الداخلية، ناهيك عن محدودية سلطة التشريع لديها، والأنكى والأمرّ أن السلطات تتركز في مركز واحد من الدولة ولدى نخبة ضيقة تزداد ضيقاً، وإذ تتهمش المؤسسات المدنية على ما يعتريها من عيوب وعاهات داخلية وتترك لأداء دور طقوسي صوري مثير للسخرية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تيكي تاكا مع مي حلمي | محمد بسيوني محترف مصري في النمسا يكشف


.. العملات المشفرة .. رحلة مجهولة نهايتها | #ريل_توك


.. تونس..مقتل عناصر إرهابية وجرح عسكريين اثنين في القصرين




.. ترامب: التقارير بشأن تفتيش منزلي في فلوريدا بسبب وثائق نووية


.. تعرض الروائي سلمان رشدي للطعن في العنق في ولاية نيويورك