الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جحا والحمار وظلم الإنسان

محمد زكريا توفيق

2022 / 2 / 20
كتابات ساخرة


جحا: عجبتني قوي حكاية الحمير المنتظرة المخلص. أنت تقصد بالطبع، المظلومين الصابرين على الظلم في انتظار من يخلصهم مما هم فيه. بدلا من الثورة وأخذ حقوقهم بأيديهم.

الحمار: قصدك بحوافرهم. الحمير، يا عم جحا ما لهاش إيدين وأصابع زي البني آدميين، يقدروا يمسكوا بيها السيف، ليدافعوا به عن أنفسهم. أو القلم، لكي يكتبوا به شكواهم. وكمان ما لهاش لسان يقدروا يعبروا به عن آلامهم وأوجاعهم. هم فقط حمير، يقدروا يحرنوا ويقمصوا وينهقوا ويتمرغوا في التراب والطين، وأن يرفصوا بالأرجل الخلفية وبس. حتى أكلهم، التبن والفول الناشف والكسبة، أصبح في المواسم والأعياد.

جحا: يمكن الحمير تكون أسعد حالا في الحياة الأخرى. يعني بعد ما تموت وأرواحها تصعد إلى السماء.

الحمار: يا عم جحا أنتم بس اللي لكم أرواح تصعد للسماء وتحيا حياة أخرى وتتمتع بالحور العين. أما نحن، معشر الحمير، فنحن في الباي باي. دي آخر محطة للقطار. يعني بعد الموت، كل سنة وأنت طيب وتعود عليكم الأيام بخير.

جحا: يعنى لما تموتوا، خلاص، ما فيش حاجة. بح يعني.

الحمار: بح دي كلمة فرعونية صحيحة. ده اللي ب تقولوه. تفتكر البراغيث، سوف تبعث من جديد؟ طب ليه، وعشان إيه؟ هل هي آمنت بالرسل واستمعت لرجال الدين عشان تبعث وتحاسب؟ الإنسان بس.

جحا: يا ابني دي عوالم أخرى. فيها أنبياء ومبعوثين، ويمكن يكون لديها بعث وحساب. إيش عرفك؟ وما أوتيتم من العلم إلا قليل.

الحمار: يا عم جحا، أنا لم أخبر بأي نبي جاء للحمير. الواحد لما يهلوس ويتهيأ له حاجات، يبقى مجنون ونوديه مستشفى المجانين. لكن لما الناس كلها تهلوس وتخرف ويتهيأ ليها حاجات ومحتاجات، يبقى ده دين. ومدام ما فيش بعث وجنة ونار للحمير، يبق دعني أفضفض وأقول اللي في قلبي.

جحا: فضفض آدينا بنتسلى. بس خللي بالك، يمكن تنحبس بسبب أفكارك دي بقانون ازدراء الأديان. وسأثبت لك أنك على خطأ، وح تروح في ستين داهية.

الحمار: أنا ما ليش دعوة بأديانكم دية، ومبروكة عليكم. أنا مشكلتي هنا على الأرض. نحن معشر الحمير، عاملين زي سيزييف في الأساطير اليونانية القديمة. نرفع الصخرة لقمة الجبل، فتسقط من عل، لكي نكرر هذا العمل الممل بدون أمل في الخلاص، إلى أن نموت. قمة المأساة. انس كل ما كتبه شيكسبير، وانظر في حالة الحمير، وانت تعرف معنى المأساة. أنظر إلى الحمار اللي جارر عربية كارو وطالع مطلع، كيف يعامله صاحبه العربجي، وأنت تعرف يعني إيه ظلم. بس شاطر تسمى رفع الحكومة للضرائب ظلم. ما يحدث لعالم الحمير وباقي الحيوانات من قتل وسخرة وظلم وإبادة جماعية، هو الظلم الحقيقي؟

جحا: ياه. ده أنت قلبك أسود ومليان حقد. يا ابني، ألا تعرف أن البغال والحمير قد خلقت لكي نركبها؟ فهل انت تعترض على المشيئة الإلهية؟

الحمار: عارف. وكمان السمك عشان تأكلوه لحما طريا، والشمس والقمر والنجوم عشان تنور ليكم. لكن، إذا كانت الحمير والبغال قد خلقت لكي تركبوها، فلماذا يصل بعضها إلى سدرة الحكم في بلادكم؟ ها ها هاي.

جحا: الله يخرب بيتك حمار. أنت ح توديني في ستين داهية. علي النعمة لبايعك في سوق الثلاثاء الأسبوع اللي جاي.

الحمار: أنا بقول ارحمونا شوية، وعاملونا برفق. حددوا ساعات العمل، وادونا أجازه أسبوعية وسنوية، واسمحوا لينا بعمل نقابة، ودخلونا معاكم الجنة عشان تركبونا هناك. صعبة دي. آية زيادة في كتبكم المقدسة موش ح تضر.

جحا: هي الجنة زريبة، يمكن يدخلها الحمير والبراغيث والبعوض والذباب؟ تبقى جنة ازاي؟

الحمار: والله أنتم معشر الإنس، لا تستحقون الجنة. من يستحقها من الكائنات هي النحلة. فهي كائن رقيق وجميل. في حياتها، لا تسبب ضررا لأحد. لا تقتل كائنا آخر، ولا تتلف نباتا أو تقلعه من جذوره. تتغذى على رحيق الأزهار وتنقل حبوب اللقاح، بين الزهور والورود والرياحين، وتنتج العسل الذي تقومون بسرقته. عملها هذا يساعد على ظهور البذور والثمار في عالم النباتات. وبدونها لن توجد الأشجار.

جحا: إلا، قل لي يا فيلسوف: لو كان للحمير نبي مرسل، هل كنت تتبعه وتؤمن به؟

الحمار: يا عم جحا، الأديان لا توجد إلا في دماغ البشر. تفتكر لو مفيش حد موجود، كان ح يبقى فيه دين؟

جحا: لا.

الحمار: ولو فيه ناس، ولكن ليس لها عقل زي عالم الحيوانات، كان ح يبقى فيه دين؟

جحا: برضه، لا.

الحمار: إذن الدين لا يوجد إلا في الدماغ. مثل باقي القوانين والنظريات والألوان والموسيقى والأدب والأعداد. هل يوجد في الطبيعة العدد ثلاثة مثلا. يوجد معدودات ثلاثة حقا، لكن العدد نفسه لا يوجد إلا في رؤوسنا.

جحا: يعني موش عاوز تؤمن وتدخل الجنة، أنت ومعشر الحمير؟

الحمار: لا يا عم. فال الله ولا فالك. احنا كده كويسين قوي وسعداء خالص من الناحية دي. الأنبياء والرسل مرسلين للإنس والجن فقط. دي حكاية كبيرة وعويصة قوي. يا خرابي. لو الحمير عندها دين، كان زمانهم فجروا بعض ونسفوا البرجين، واستعبد القوي منهم الضعيف.

حجا: يا غبي، دي عبادات مطلوبة، نحن مكلفون بيها، عشان الخلود.

الحمار: عندما تصفني بالغباء، أنت لم تغير شيئا أو تحل مشكلة. اشتم زي ما انت عاوز. الشتيمة لن تجعل الخطأ صوابا.

جحا: أهو أنت بالذات، ربنا ح يسخطك. لكن، ح يسخطك إيه؟ ما أنت مسخوط أهه، وبقيت حمار خلاص. أيوه، أنت قلت لي قبل كده أنك كنت بني آدم، وانسخط حمار. ربنا ح يرجعك بني آدم ثاني، وبعدين يسخطك حمار.

الحمار: يا عم مبروك عليك الجنة. أنا موش عاوز الخلود والجنة بتاعتك دي. لكن قول لي، فيها إيه لو كل الناس وباقي الكائنات دخلت الجنة، وعاشت مثل النحلة على رحيق الزهور والمية والنور. بدلا من الهوسة دي، اللي ملهاش لازمة؟

جحا: إذن، ماذا تريد؟

الحمار: إنني أريد أن أعيش في سلام من غير ضرب وإهانة. ولم يخطر ببالنا أن نستقل نحن معشر الحمير، ونحكم أنفسنا بأنفسنا. لقد تركنا الحكم لكم.

جحا: لأنكم كسالى.

الحمار: ليس الموضوع كسل، وإنما قلق.

جحا: وما الفرق؟

الحمار: القلق هو الخوف من الفشل. أي فعل الشيء بطريقة خاطئة. والنتيجة، أنك لن تفعل شيئا على الإطلاق. أما الكسل، فهو عدم الرغبة في فعل الشيء في وقته. القلق يؤدي إلى الخوف، والخوف يؤدي إلى فشل مؤكد. وهذا هو الذي يمنعنا من الثورة على البني آدميين. لكننا لازلنا نحلم بمعاملة الكلاب في أمريكا وأوروبا.

جحا: أيوه صحيح. الكلاب عايشه أفضل منكم في الغرب. فهي تدلل وتأكل كل حاجة نفسها فيها، وتعالج عند أحسن الأطباء، لهم لعب ومشموم لزوم المزاج، وحدائق وملاعب خاصة، يتقابل فيها الكلاب للتعارف والجري والنط واللعب والهوهوه براحتها. في بلادنا الكلاب بتهجم على بعض وتأكل بعض. ألم تسمع بحكاية الكلبين اللي أكلوا بعض ولم يتبق منهما سوى الذيلين.

الحمار: يا عم جحا أنا أتكلم بجد، وأنت تهزر. أنا دمي محروق، وأنت تنكت. طبعا، ما هو أنت راكب ومنشكح وعمال تهز في رجليك وتضرب بيها بطني. وأنا اللي كفران وطالع عيني. وموش عارف في يومك المهبب ده ح نوصل امتى.

جحا: لا تغضب. لما نوصل بالسلامة، سوف أعشيك فول ناشف وأحط عليه شوية تبن عشان يبقى طري على أسنانك.

الحمار: تاهت ولقيتها.

جحا: هيه إيه اللي تاهت ولقيتها؟

الحمار: ليه ربنا لم يخلقنا كلنا زي بعض.

حجا: طيب قول يا فالح، ليه؟

الحمار: عشان يحصل التطور.

جحا: إذن، كيف تفسر ظهور الأديان في ظل نظرية التطور؟

الحمار: لأن المخ الكبير للإنسان، الذي تطور لأسباب أخرى، أصبح مدركا للوعي. هذا الوعي، أجبر الإنسان على التعامل مع مفهوم الموت. ثم يأتي الدين كأحد الحلول لهذه المشكلة.

جحا: يعني عاوز تقول إن كل الأديان دي خاطئة؟

الحمار: عاوز أقول، كلها محاولات للتغلب على مشكلة الموت. الموت ضروري لنجاح التطور. بمعنى أن الكائنات غير القادرة على التأقلم، تموت وتنقرض. وهذا يساعد التطور. أما القادرة، فتعيش وتتناسل. لو توصل الإنسان إلى تعديل الجينات التي تسبب الشيخوخة والأمراض، لكي يعيش إلى الأبد، سوف يقل اعتماده على الأديان. لكنه لا يزال يحتاجها، ولكن بدرجة أقل.

جحا: لا يزال يحتاجها في أي شيء؟

الحمار: لا يزال يحتاجها في إشعال الحروب وغزو بلاد آمنة، ونهب ثرواتها. والسيطرة على عقول الجماهير واستعبادها. وخصوصا في بلادنا المنكوبة.

جحا: لقد وصلنا، فشكرا على هذه الدردشة. وأهو كل مرة، نتكلم في موضوع جديد، نتسلى ونقصر بيه المسافة. بدلا من لغة التخاطب بيننا، التي لا تزيد عن "النهيق" و"شي" و"حا".

الحمار: أنا اللي أشكرك على ذوقك ومعاملتك الطيبة. ويا ليت كل الناس زيك في ظرفك وإنسانيتك يا عم جحا. ولا تنس من فضلك الفول الناشف والتبن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - عجبتني قوي
عدلي جندي ( 2022 / 2 / 20 - 17:57 )
حكاية حكمة الحمير
لا بتمسك سلاح او تفجر نفسها أو تضيع عمرها ووقتها ومصالحها عشان تدافع عن خرافات أو بتصدق رجال الدين

الحمار: يا عم جحا، أنا لم أخبر بأي نبي جاء للحمير. الواحد لما يهلوس ويتهيأ له حاجات، يبقى مجنون ونوديه مستشفى المجانين. لكن لما الناس كلها تهلوس وتخرف ويتهيأ ليها حاجات ومحتاجات، يبقى ده دين. ومدام ما فيش بعث وجنة ونار للحمير، يبق دعني أفضفض وأقول اللي
في قلبي.
.....عشان كده الحمير بتنام مستريحة ومبتخفش من العفاريت والجن وبترضي بقليله
مجرد فضول
القطعة دي فكرة مستوحاة
او موحاة
تحياتي


2 - إلى العزيز عدلي الجندي
محمد زكريا توفيق ( 2022 / 2 / 20 - 18:59 )
.هي مستوحاة من أقوال فيلسوف، لا أذكر اسمه الآن. قالها بطريقة مختلفة. شكرا لمرورك الكريم.


3 - يا ليتنا كنا حمير
ماجدة منصور ( 2022 / 2 / 22 - 08:03 )
ان الحمير لا تعاني من القلق الوجودي الذي نعانيه نحن البشر
إن هذا القلق مصدره الوعي لدى الإنسان و في معظم الأحيان يكون هذا الوعي هو السبب الرئيسي في تعاسته0
رحم الله من قال : ذو العقل يشقى في النعيم بعقله و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم0
قد يأتي زمن آخر يتمنى فيه الإنسان لو كان حمارا0
تحياتي أستاذ


4 - إلى العزيزة ماجدة منصور
محمد زكريا توفيق ( 2022 / 2 / 22 - 10:30 )
مرحبا أستاذة ماجدة

اخر الافلام

.. فعاليات الدورة الـ 38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض


.. بانوراما | تقارير غربية تحذر من اختفاء اللغة العربية.. ما ال


.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان قيس الشيخ نجيب




.. تفاعلكم | مشهد صادم! سوداني يقتحم مناسبة ويهاجم الفنان وفرقت


.. تفاعلكم | شاهد..فنانات عالميات يتضامن مع الاحتجاجات الإيراني