الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سيكولوجية التلاعب بالعقول والتحكم في القطيع

عزالدين معزة
كاتب

(Maza Azzeddine)

2022 / 2 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


قد يكون من المنطق والعقل أن نتساءل بشدة وبإلحاح عن أوضاع عالمنا العربي المنهار وأن نتساءل ما الّذي يمكن أن يؤثّر فيه ويغيّره؟ كيف يمكن أن يتحسّن وما الّذي أدّى به إلى هذا الانهيار؟ فإن كان الخلل في الحكومات فأين الشّعب منها؟ وإن كان الخلل في الشّعوب فما الّذي يمكن أن يحرّكها نحو الأفضل؟ لماذا ثارت الشّعوب العربية فيما يُسمّى بثورات الرّبيع العربي؟ ولماذا فشلت تلك الثّورات فشلا ذريعا ولم تجلب للوطن العربي سوى المزيد من القهر والاستبداد وتكميم الافواه؟ فالجدل ما يزال قائما حول أولوية الحديث عن التعددية والديمقراطية في العالم العربي، إذ يرى البعض وخاصة الفئات الحاكمة أن الحفاظ على الأمن والاستقرار أولى وأن الحريات تهدد باتساعها تلك الأولويات.
لعلّ الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج باحثا يتفحّص جوانب عدّة ليفهم الوضع ويفسّره، ويقدّم الحلّ إن كان ذلك ممكنا. لكنّ المؤكّد أن جزءا من ذلك الحلّ يكمن في دراسة سيكولوجية عقول الشّعوب العربية، ما الّذي يحرّك هذه الشّعوب وما الّذي يؤثّر فيها؟ ما الّذي دفعها للثّورة وما الّذي دفعها للسّكوت والخنوع والتقوقع على نفسها والرضا بما هو مفروض عليهم؟ أم أن نار الغضب الجماهيري اختفى تحت الرماد؟
أن الشعوب في دول عديدة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا انتفضت احتجاجًا على حكامها مطالبة بالحرية والديمقراطية.
وقد أسفرت تلك الثورات عن الإطاحة ببعض الحكام المستبدين، كما هددت بانتزاع السلطة من قبضة آخرين في شتى أنحاء المنطقة، حيث خرج ملايين المتظاهرين في الشوارع يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام".
بيدَ أن الظروف لم تكن في صالح تلك الثورات، فقد كانت أسس الظلم التي حاولت جموع المتظاهرين تدميرها أقوى مما كانت تأمله، وكان الحلم بغد أفضل الذي كانوا ينشدونه خلال الربيع العربي يتبدد بوحشية تحت معاول الثورة المضادة التي شنتها الأنظمة القديمة.
لقد أحكمت بعض تلك الأنظمة قبضتها على السلطة، وباتت أكثر قسوة وقمعا من ذي قبل، وحل العنف والفوضى والتدخل العسكري الأجنبي محل الأنظمة التي سقطت.
ولا تزال الحروب الأهلية تمزق ثلاث من الدول الست التي كان للربيع العربي التأثير الأكبر فيها، هي ليبيا وسوريا واليمن. وقد أصبح عنف وقمع الدولة أسوأ بكثير مما كان عليه قبل الثورة في اثنتين من تلك الدول، هما مصر والبحرين. ولم ينج من ثنائي الاستبداد أو الفوضى نسبيا سوى تونس، رغم الفشل الكبير في توفير حياة أفضل للشعب التونسي.
إن حكام المنطقة العربية استخدموا السجن الجماعي والتعذيب والإعدامات وسائل لسحق الثورة. ولم يقتصر ذلك القمع على البلدان التي اندلعت فيها ثورات الربيع العربي، بل انتشر في شتى أنحاء المنطقة، حيث سعى الحكام المرعوبون إلى القضاء على كل مؤشر للمعارضة تحسبا لأي عمل قد يشكل تهديدًا لأنظمتهم في المستقبل.
إنّ ما تشهده المنطقة العربيّة يعيد تساؤلاً كان قد طُرح في بداية ومنتصف القرن الفائت وهو مدى قابلية العقل العربي للاستبداد، والّذي يبدو كأحد مفرزات الرّبيع العربيّ أنّ لوثة التّسلُّط والاستِبداد ما تزال تعيش في الذّهنيّة العربيّة إنّ اللافت للنّظر أنّه - وبرغم ضخامة الدّعاية لمبدأ تداول السُّلطة - إلا أنّ نسبة من العرب اليوم عادت تتغنّى بقادةٍ قوميين كانوا قد حكموا الشّرق بالنّار والحديد ، أؤكد استهجاني حتّى لو كان هؤلاء الرّموز والقادة أوفياء لقومتيهم أو وطنيّتهم وفق منظورهم!
سبق أن قلنا إن ظاهرة القابلية للاستبداد التي تعرفها الدول العربية خاصة والعالمية بصفة عامة هي نتيجة لعوامل نفسية وأخرى اجتماعية-نفسية، ذلك أن للأجهزة الحاكمة دورًا في تزكية هذا الاستعداد وترسيخه، فيصبح الاستبداد مقبولاً نفسيًّا واجتماعيًّا. كيف ذلك؟
نشير هنا إلى أن الأنظمة الاستبدادية لا تكتفي في محاولة البقاء وإقناع الناس بضرورتها وحتمية بقائها على العنف المادي، أي من خلال علاقة السيطرة وإنما أيضًا من خلال علاقات الهيمنة كما ذهب إلى ذلك غرامشي، حيث إن استعمال أدوات السيطرة المادية، قد يفيد الدولة في إجبار المجتمع على التسليم بسلطانها السياسي، لكنها لا تملك إقناع ذلك المجتمع بشرعية ذلك السلطان؛ ففي هذه الحالة يصبح تسليم المواطنين ليس محصلة اقتناع ورضا بل نتيجة إخضاع وقهر. وهنا تظهر وظائف الإيديولوجيا في تحقيق الشرعية، عن طريق تحقيق الانتقال من استراتيجية الإخضاع (علاقة سيطرة) إلى استراتيجية الإقناع (علاقة هيمنة)، ولعل هذا ما جعل لوي ألتوسير يصنف الأجهزة الإيديولوجية للدولة إلى ثمانية أصناف: الجهاز الديني والجهاز المدرسي والجهاز العائلي، والقانوني والسياسي والنقابي والإعلامي والثقافي، وكل هذه الأجهزة تدخل في المجال الخاص، بينما ينتمي الجهاز القمعي للدولة إلى المجال العمومي.
إن هذا الوضع غير الطبيعي لعلاقة الحاكمين بالمحكومين يطرح سؤالا مؤداه: كيف يمكن الانتقال من دولة ذات نظام استبدادي إلى دولة ذات نظام ديمقراطي؟ هل مجرد حدوث ثورة وخروج الناس للشوارع مطالبين بإسقاط النظام الاستبدادي كاف لإسقاطه؟ أم نحتاج إلى ثورة ثقافية ونفسية للشعوب العربية حتى تصبح الديمقراطية ضرورية ولازمة لمواجهة القابلية للاستبداد؟ قبل أية ثورة سياسية ضد الأنظمة العربية القائمة؟
وقد ظهرت محاولة الكواكبي ومالك بن نبي في سياق عربي استعماري للإجابة على أسئلة التخلف والاستعمار والاستبداد، على غرار جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، اللذين طرحا فكرة المستبد العادل التي ظهرت في بلاروسيا وروسيا في القرن الثامن عشر، وذلك من خلال مجلتهما العروة الوثقى، حيث اعتبر الأفغاني بأنه "لن تحيا مصر، ولا الشرق بدوله، وإماراته، إلا إذا أتاح الله لكل منهما رجلاً قويًّا عادلاً يحكمه بأهله، على غير تفرد بالقوة والسلطان". لا يعني هذا أن الأفغاني كان يدافع على الاستبداد كما هو متعارف عليه، ففي مقالة أخرى له معنونة بـ"الحكومة الاستبدادية" قال فيها إن من يساسون بالحكومة الدستورية تستيقظ فيهم الفطرة الإنسانية السليمة، التي تحفزهم للخروج من حياتهم البهيمية الوضيعة لبلوغ أقصى درجات الكمال من نير الحكومة الاستبدادية التي تثقل كواهلهم.
إن تحقيق الديمقراطية في الوطن العربي يتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين من مثقفين وسياسيين وفنانين وإعلاميين واقتصاديين، حتى يمكن تأسيس ما سماه الجابري بـ"الكتلة الديمقراطية"، وما عبر عنه طارق البشري بـ"التيار الأساسي"، فالجابري يعرف الكتلة الديمقراطية بقوله: "هذه الكتلة هي تاريخية ليس فقط لكون الأهداف المذكورة أهدافًا تاريخية، بل لأنها تجسيد لوفاق وطني في مرحلة تاريخية معينة. إنها ليست مجرد جبهة بين أحزاب بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل، ولا يستثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف، إلا ذلك الذي يضع نفسه خارجها وضدها.
أولاً: الفصائل المنحدرة من الحركة الوطنية والتنظيمات والمجموعات المرتبطة بها، من نقابات عمالية وحرفية وتجارية وفلاحية وجمعيات ثقافية ومهنية ونسوية.
ثانيًا: التنظيمات والتيارات التي تعرف اليوم باسم الجماعات الإسلامية التي يجب أن يفتح أمامها باب العمل السياسي المشروع، كغيرها من التنظيمات ذات الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواضحة، التي لا تمس لا وحدة الوطن ولا وحدة الشعب ولا الوحدة الروحية للأمة ولا الانتماء العربي الإسلامي للبلد.
ثالثًا: القوى الاقتصادية الوطنية التي تشارك بنشاطها الصناعي والتجاري والزراعي والسياحي والمالي في خدمة اقتصاد البلاد ككل وتطويره وتنمية قدراته.
رابعًا: جميع العناصر الأخرى التي لها فاعلية في المجتمع بما في ذلك تلك التي تعمل داخل الهيئة الحاكمة، والمقتنعة بضرورة التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف التاريخية المذكورة؛ فالكتلة التاريخية ليست جبهة معارضة لنوع قائم من الحكم ولا ضد أشخاص معينين، بل هي من أجل الأهداف الوطنية المذكورة. وهي لا تستثني من صفوفها إلا من يضع نفسه خارجها. هي لا تلغي الأحزاب ولا تقوم مقامها؛ ذلك لأن ما يجعل منها كتلة تاريخية ليس قيامها في شكل تنظيم واحد، بل انتظام الأطراف المكونة لها انتظامًا فكريًّا حول الأهداف المذكورة والعمل الموحد من أجلها.
وفي السياق نفسه يدعو طارق البشري في كتابه نحو تيار أساسي للأمة، إلى ضرورة وجود تيار يمثل الإطار الجامع لقوى الجماعة والحاضن لها، وهو الذي يجمعها ويحافظ على تعددها وتنوعها في الوقت نفسه، إذ يشكل امتداد لحركة المشروع الوطني، وهو نتيجة حوار دائم، والحوار ليس مجرد عقد مؤتمرات أو إجراء ندوات في الصحف والكتب، بل هو حوار يشمل كل أشكال الالتقاء والتحاور بين الحركات السياسية ونشاطها السياسي نفسه.
فصاحب كتاب الديمقراطية في أمريكا، ألكسيس دي توكفيل، الذي حذر من نوع جديد للاستبداد ينبغي أن تخشاه الأمم الديمقراطية، سيكون أوسع مدى وأخف وطأة، ويحط من قيم الناس من غير أن يعذبهم. وقد تصوره دي توكفيل بهذه الملامح: "فأول شيء ندهش له هو وجود جمع غفير لا يحصى من أناس متماثلين متساوين، يسعون باستمرار وراء الحصول على ملذات صغيرة تافهة ينغمسون فيها. كل منهم يعيش منفصلاً عن الآخر كأنه غريب عن سائر الناس، لا يهتم بمصائرهم، فأطفاله وأصدقاؤه الخواص هم كل الجنس البشري في نظره، أما سائر مواطنيه فهو لا شك منهم، ولكنه لا يراهم، ويلمسهم ولكنه لا يحس بوجودهم، فهو لا يوجد إلا في نفسه، ولنفسه، فإن بقيت له أسرته، فأقل ما يمكن أن يقال عنه إنه لم يعد له وطن"
يعزو العديد من الباحثين غياب التعددية السياسية والديمقراطية في العالم العربي إما إلى الثقافة السياسية التقليدية المستمدة من الإسلام، أو إلى ضغط الوضعية ما بعد الكولونيالية التي عرفتها ولا تزال تعرفها البلاد العربية التي توجد في منطقة حساسة من الجيوسياسية العالمية، والتي تتميز باحتوائها على أهم احتياطيات الطاقة في العالم، أو أخيراً إلى المشكلة الإسرائيلية وما أثارته من استجابات كان من ثمرتها زيادة الاستثمار في القوات المسلحة وتضخم هذه القوات من حيث القدرات المادية والسياسية معاً، وهناك من يرى أيضاً أن الديمقراطية كانت ضحية للأولوية التي أعطيت لمسألة التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
في تقرير لمؤشر الديموقراطية في العالم، أصدرته مجلة "إيكونوميست" سنة 2020، والذي شمل 165 دولة، جاءت "الديمقراطيات" العربية في المراتب الأخيرة، إذ وُضعت غالبيتها ضمن "الأنظمة الشمولية والسلطوية".
نزار قباني صاح يوما "أيامنا كلها محن، وتاريخنا كله كربلاء"، فهل نستعير منه النظم الشعري، ونقول معه بكل ألم وامتلاء "أيامنا كلها حزيران وربيعنا كله نكسات"؟
للمقال مراجع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. الصدر والإطار يحشدون أنصارهم لدعم الإصلاح كل حسب و


.. ترامب: لا أعارض نشر مذكرة تفتيش منزلي | #رادار


.. ترامب: اقتحام منزلي كان أمرا -غير مرخص وغير ضروري-




.. الانسداد السياسي في العراق..وسط دعوات للابتعاد عن العنف والح


.. تشاووش أوغلو: الطريق الوحيد للخروج من الأزمة السورية هو التص