الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما معنى ما يحدث في أوكرانيا ؟

أحمد فاروق عباس

2022 / 2 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


المسألة باختصار تدور حول السؤال التالى : هل ستنجح أمريكا بفرض نظام القطب الواحد قسراً على روسيا والصين ، وبالتالى على مجمل الكرة الأرضية أم لا ؟

فلم يبق أمام أمريكا سوى دولتين فقط تعتبرهما " أكبر من اللازم وأقوى من اللازم " وهما روسيا والصين ، وهما العائق الأكبر أمام سيطرة الانجلوسكسون - أمريكا وبريطانيا - النهائية على العالم ..

والمشكلة بالنسبة لأمريكا أن الحرب معهما مستحيلة ، فروسيا والصين دولتان نوويتان ، وبالتالى لابد من البحث عن وسائل أخرى لعرقلة البلدين الكبيرين أو على الأقل تأخير نموهما ..

وبالتالى - بديلا عن الحرب - يمكن خلخلة الأوضاع فيهما بوسائل شتى .. منها :

١ - تأليب شعوب البلدين على دولتيهما ، بادعاءات الديموقراطية أو حقوق الإنسان ، وإلى هذه المحاولات ينتمى ما حدث في الصين فى ميدان السلام السماوى في بكين في عام ١٩٨٩ ، وما حدث فى روسيا أكثر من مرة ، منها أعوام ٢٠١١ ، ٢٠١٣ وآخرها إضطرابات روسيا الداخلية عام فى يناير ٢٠٢١ ..

٢ - استخدام تنظيمات الإسلام السياسى لزعزعة استقرار الدولتين ، وكل من روسيا والصين يضم عشرات الملايين من المسلمين ، ومن الممكن خلق تنظيمات تنادى بالانفصال فى كلا البلدين ، وقد تم استخدام تنظيم مثل الإخوان المسلمين فى هذا الإطار ، ومن هنا تم اعتبار الإخوان المسلمين تنظيما إرهابياً في روسيا ..
وإلى هذه المحاولات تنتمى إضطرابات الايجور فى الصين ، ومحاولات انفصال الشيشان فى روسيا فى سنوات ١٩٩٤ ، ١٩٩٨ ، ٢٠٠٤ ..

وهناك آراء لها وجاهتها تذهب إلى أن الغرض الحقيقي والنهائي من الربيع العربي الذى حدث بعد ٢٠١١ ، وإيصال تنظيمات الإسلام السياسى إلى السلطة فى عموم الشرق الأوسط مرتبط بهذه النقطة بالذات ، وهو صنع صدام بين الحضارات ، الإسلام من ناحية والحضارة الصينية والحضارة الروسية السلافية من ناحية اخرى ، تطبيقاً لنظرية واحد من ألمع عقول الغرب والمقرب من دوائر صنع القرار فى واشنطن .. صامويل هنتنجتون .

٣ - ومن بين تلك الوسائل لخلخلة الوضع في الدولتين اللعب فى جوار الدولتين ، وخلق حزام من الدول المعادية حولهما : الهند وأستراليا ونيوزيلندا وكوريا وتايوان فى حالة الصين ، ودول أوربا الشرقية وآسيا الوسطى فى حالة روسيا ..

وهنا تأتى قصة أوكرانيا ..

وخلق الشرخ بين روسيا وأوكرانيا حدث عام ٢٠١٤ ، ففى ذلك العام كان يحكم أوكرانيا فيكتور يانيكوفيتش ، وكان للرجل فهم متوازن لمصالح أوكرانيا ودورها ، وهو ينحدر من منطقة دونيتسك ( التى أعلنت جمهورية واعترفت بها روسيا أول أمس ) ..
رتبت الولايات المتحدة فى ذلك العام ثورة ملونة ( برتقالية ) قام بها من يسمون ذوى القمصان البرتقالية !!

والثورات الملونة هو الأسلوب الأمريكى المعتمد منذ ثلاثة عقود لتغيير نظم الحكم التى لا ترضى عنها ، والاتيان برجالها إلى الحكم ..

وقد مر أسلوب الولايات المتحدة فى الإتيان برجالها إلى حكم من تريد من الدول بمراحل مختلفة ، من أبرزها :

١ - مرحلة الانقلابات العسكرية : وقد وجدت تطبيقها الأبرز فى أمريكا الجنوبية ، وقد رتبت cia عشرات الانقلابات العسكرية من الخمسينات وحتى الثمانينات على طول رقعة العالم الثالث ..

٢ - قتل رؤساء الدول التى لا ترضى عنهم ، ويمثلون عقبة في طريقها ، وقائمة الرؤساء الذين قتلتهم أمريكا ( أو قتلهم حلفاء لها بإيعاز منها ) متخمة ، من بينها :
سلفادور الليندى فى شيلى .
باتريس لومومبا في الكونغو .
خايمى رولدوس فى بنما .
عمر توريخوس في بنما .
صدام حسين فى العراق .
معمر القذافي في ليبيا .
الجنرال نجو دييم فى فيتنام .
بينما تشمل قائمة الرؤساء الذين حاولت قتلهم مرارا ولم تنجح :
فيدل كاسترو في كوبا .
أحمد سوكارنو في إندونيسيا .
جمال عبد الناصر فى مصر .
شارل ديجول فى فرنسا .
هوجو شافيز في فنزويلا .
نيكولاس مادورو في فنزويلا .
... وعشرات غيرهم .

٣ - مرحلة الثورات الملونة : أصبحت الانقلابات العسكرية أو قتل رؤساء الدول مراحل لا تتسق مع الوجه الجديد الذى لبسته أمريكا ، بحثا عن مصالحها بوسائل جديدة ، تحقق بها نفس الاغراض القديمة ، فتم اللجوء إلى قصة الديموقراطية وحقوق الإنسان ، لتفجير الدول من الداخل بوسائل ناعمة بديلا عن الوسائل العنيفة السابقة ، التى لم تعد تتسق مع روح العصر ..

وإلى هذا النمط ينتمى ما حدث فى أوربا الشرقية منذ التسعينات وإلى الآن ، وإلى هذا النمط ينتمى ما حدث في العالم العربي بعد ٢٠١١ ، وهو ما سمى بالربيع العربي ، بديلا عن ارتداء المتظاهرين ملابس ملونة ذات لون واحد كما حدث فى ثورات أوربا الشرقية ..

وبأسلوب أمريكا المعتاد فى صنع تلك الثورات : يبدأ الأمر باستهداف نظام الحكم القائم ، واتهامه بكل سيئات الدنيا والآخرة ( وبعضها صحيح ) مثل : الفساد - القمع - التفريط - افقار شعبه .... إلخ .
ثم تأتى المرحلة الثانية وهى شراء النخب الصحفية والإعلامية ، واستخدامها في قصف مركز على عقول وقلوب الشعب ، ثم شراء ذمم السياسيين المستعدين للتعاون مع الغرب نظير المال أو مناصب كبرى ..

تم عمل كل ذلك فى أوكرانيا عام ٢٠١٤ ، وأتوا بممثل كوميدى فى التلفزيون الأوكراني ، وهو الرئيس الحالى زيلنسكى وجعلوه رئيساً لأوكرانيا ، على غرار ما حدث في أمريكا ذاتها فى الثمانينات ، عندما أتوا بممثل أمريكى سابق - رونالد ريجان - ليمثل دور الرئيس ، غطاء للمصالح الحقيقية التى تحكم الولايات المتحدة ..

وبوضع رئيس أوكرانيا الجديد فى منصب لم يكن يحلم به ، حقق الرجل ما طلب منه بالضبط ، وأوله الطلب من الغرب بانضمام انضمام أوكرانيا لحلف الاطلنطى ( الناتو ) ..

ومن ضمن شروط الانضمام الحلف ، موافقة كل دول الحلف على دخول عضو جديد ، وقد رفضت بعض الدول الأوربية انضمام أوكرانيا للحلف ، تحسبا لرد روسى قوى متوقع على هذه الخطوة الخطيرة ، على الرغم من الضغط الأمريكى القوى منذ سنوات ..
ومع وصول روسيا والصين إلى درجة من الخطر على بقاء أمريكا على القمة العالمية ، لم يكن هناك مفر من بدء مرحلة التحرش بالدب الروسى وتعطيله ، وأصبح الضغط الأمريكى لدخول أوكرانيا الحلف لا يرد ..

ومنذ سنوات جورباتشوف ويلتسين قدمت أمريكا الوعود لروسيا أكثر من مرة بعدم دخول أى من دول أوربا الشرقية لحلف الناتو ، واحترام مصالح روسيا وأمنها ..

وكالعادة .. ألقت أمريكا بوعودها في القمامة ، ودخلت دول أوربا الشرقية واحدة بعد أخرى إلى حلف الناتو .. بلغاريا وبولندا ورومانيا والمجر ... إلخ .

بقى ثلاث دول فقط تعتبر خاصرة روسيا والطريق إلى قلب الدولة الروسية ، وهم بيلاروسيا ، وكازاخستان ، وأوكرانيا ..

وحتى هذه الدول شديدة الأهمية لأمن روسيا لم يتركها الغرب في حالها ، ولعبت مخابرات الغرب طويلا فى تلك البلدان ، وآخره - قبل أحداث أوكرانيا - ما حدث فى كازاخستان الشهر الماضي !!

فمع بداية اليوم الأول من هذا العام ، نظمت مظاهرات وأعمال شغب واسعة فى كازاخستان ، كانت بدايتها استغلال رفع السلطات أسعار الغاز ، وتحولت المظاهرات سريعا إلى عمليات قتل وتخريب للمنشأت ، ومنها البنوك ووسائل المواصلات ، وذهبت الأمور إلى بدايات تنظيم ثورة ملونة كلاسيكية ، وأعلن أن اليد البريطانية لم تكن بعيدة عن ترتيب ما حدث فى كازاخستان ..

وكان من المعتقد أن وزير الدفاع له يد فى تلك الأحداث ، وربما كان هناك من وعده بمنصب أكبر إذا سارت الأمور كما يرجو الغرب ، وسرعان ما تمت إقالته من منصبه ..

طلبت سلطات كازاخستان مساعدة روسيا ، التى لم تتأخر في تقديمها ، ودخلت على الفور قوات روسية إلى كازاخستان وأعادت الأمور إلى نصابها ، ثم انسحبت راجعة إلى بلادها مع منتصف يناير الماضى ..
وهدأت الأمور مؤقتا فى كازاخستان فى جنوب روسيا لتشتعل بعد أيام فقط في أوكرانيا فى غرب روسيا !!

فقد جاء الدور على أوكرانيا فى التحرش بروسيا ، والغرب يعرف من أول يوم أن إنضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو من المستحيل أن يجد سكوتاً روسيا كما حدث فى باقى دول شرق أوربا ، ومن المستحيل أن يمر دون رد روسى قوى على وقع خلف وعود الغرب المتعددة باحترام أمنها وسيادتها ..
وأنه كما قال الروس .. إما الأمن للجميع أو لا أمن لأحد ..

فأوكرانيا على حدود روسيا مباشرة ، ونصب الصواريخ النووية الأمريكية على أراضيها معناه أن وصولها إلى موسكو لن يستغرق أكثر من دقيقتين ، وأنه من المستحيل أن تعيش دولة أو تنمو في ظل هذا التهديد المستمر والوجودى ..

تلك هى قصة الصراع الذى تحول إلى حرب فى أوكرانيا ، وهى قصة متعددة الفصول ..
ولا تمثل أوكرانيا سوى فصل واحد من قصة طويلة ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. الأراضي الزراعية تتآكل بسبب التوسع العمراني • فرانس


.. الإيطاليون يختارون التحالف اليميني في الانتخابات التشريعية


.. كلمة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل غروسي أمام ال




.. شاهد| مرابطون يكبرون في باحات الأقصى تزامنا مع اقتحام المستو


.. بلينكن: نبهنا روسيا إلى أن أي استخدام للأسلحة النووية ستكون