الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الديمقراطية وانظمة الحكم في الوطن العربي

عزالدين معزة
كاتب

(Maza Azzeddine)

2022 / 2 / 25
مواضيع وابحاث سياسية


تعتبر الديمقراطية أفضل منتوج للعقل البشري في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية، حيث يحصي القاموس السياسي حوالي 300 تعريفا لهذا المصطلح، غير أن الشائع من هذه التعاريف هو أن "الديمقراطية آلية من آليات التعبير عن الإرادة الشعبية" سواء في اختيار الحكام والمسؤولين على اختلاف مستوياتهم، أو اختيار طبيعة نظام الحكم، نالت فكرة الديمقراطية حظوة كبيرة في الساحات الإعلامية العربية وشكلت قضية أساسية ومحورية لدى الجماعات السياسية والحقوقية، باعتبارها الوسيلة التي تمكّن الجماهير من انتزاع حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وصياغة مستقبل مختلف وعالم أفضل.
الديمقراطية من القضايا الطارئة والدخيلة على مجتمعاتنا العربية، وتزامن تصاعدها مع تصاعد الضغط الإعلامي الغربي الذي يعتبر الدول العربية كلها، من أكثر الدول التي تمارس الاستبداد بشكل مباشر وتعاني مشكلات شائكة بالنسبة إلى الحفاظ على حقوق الإنسان والمرأة، فمنذ انقضاء عصر الخلفاء الراشدين واعتماد "نظام الشورى" كنظام شبه عادل وبمعنى مجازي شبه ديمقراطي يقوم على استشارة الشعب أو نوابه، تحول الحكم نحو الاستبداد. منذ استيلاء معاوية بن سفيان على السلطة بقوة السيف .
الأقطار العربية عرفت في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي مجالس نيابية ودساتير كان من الممكن أن تمثل بذرة للديمقراطية، ولكن التجربة فشلت سريعا بسبب غياب الوعي والقوى السياسية القادرة على إنجاح التجربة، بالإضافة إلى عوامل متنوعة اقتصادية واجتماعية وثقافية وفكرية وتاريخية أدت إلى وجود سلسلة مترابطة من علاقات التسلط والرضوخ، التي يعانيها الأفراد ابتداء من الأسرة والعلاقة بين الأب والأبناء، ثم المدرسة والعمل، وصولا إلى علاقة الاستبداد بين الحاكم والمحكومين كطريقة لإدارة شؤون الناس في هذه البقعة الجغرافية التي لم تؤهلها مسيرتها لخوض قفزات نوعية وتطورات حياتية تنتج جيلا جديدا من العلاقات والمفاهيم لكسر حلقة التسلط، وتوجب الظهور القوي للأحزاب والمجالس النيابية وأشكال القيادات ومراكز القرار اللازمة لإدارة شؤون المجتمع والدولة، وتساهم في بناء آلية للتداول السلمي للسلطة وتأصيل النظم الديمقراطية.
فربيع الشعوب العربية ورغبتها في الحرية، أو الإطاحة بالمستبدين في ظل غياب المؤسسات القوية والشاملة، لا يؤديان بالضرورة إلى غرس النهج الديمقراطي وجعل الديمقراطية عملية مستدامة ما لم ترافقهما ثورة تشمل كافة مناحي الحياة الدينية والثقافية.
الكارثة الحقيقية في الفشل الحضاري عند العرب والذي لا يتسم فقط بغياب العدل بل في غياب الوعي الذي يكمن في هيكلية الدول التي ابتعدت عن التغيرات الإنسانية الكبرى في بناء العلاقات بين الأفراد وبين المجتمع والسلطة، والاكتفاء بالتركيز على المظاهر الخارجية لهذه المشكلة والتي تتجلى في سيطرة أفراد أو فئات قليلة على مقاليد السلطة وممارستهم للقمع والاستبداد السياسي وعدم سماحهم للرأي المعارض بأن يعبر عن نفسه، ما هي إلا نتاج لسبب رئيسي وهو طبيعة الثقافة السياسية السائدة في الوطن العربي والتي تؤدي إلى تكريس النظم التسلطية وعرقلة بناء المجتمع الديمقراطي، وإن مصطلحات كالبرلمان والمعارضة والمحكمة العليا والدستور والأحزاب، وصناديق الاقتراع التي تعطي انطباع حكم الأغلبية دون أن تقارب مزاياه، لن تشكل حلا للمشكلة، فوجود حكومة ديمقراطية لا يعني، بالضرورة، وجود مجتمع ديمقراطي يتم فيه ترسيخ علاقة سليمة بين الشعب والحكومات وفق ضوابط مؤسساتية يفرضها الأفراد عبر صناديق الاقتراع والدساتير الحرة التي تكف يد الاستبداد والانفراد بالسلطة.
مفهوم الديمقراطية الذي استعمل في البلدان العربية مازال شعارا غامضا، ويحتمل كافة المفاهيم والتأويلات حسب المرجعيات الثقافية والسياسية والموروثات الدينية، ولا يمكن اعتباره العصا السحرية لانتشال هذه البلدان من مآزقها المتنوعة، ولن يجدي نفعا دون إيجاد البنى الكفيلة بنجاحها، وتأسيس ثقافة سياسية تتجاوز رواسب الانحطاط وموروث الاستبداد وتشيع النهج الديمقراطي في كافة مناحي الحياة، وتعيد صياغة العلاقات على أسس جديدة تلغي معضلات التمييز الطائفي والعرقي والقومي وتعيد إلى التنوع متطلباته، وقد يكون أهم ما في الأمر بناء مواطنين متساوين أمام القانون، وفق رؤية ثقافية تحول دون بروز السياقات الاجتماعية والسياسية المؤدية إلى التفرد بالحكم.
التحول نحو الديمقراطية كضرورة لاستمرار وتقدم الدول، لم ولن يتحققا عبر المواعظ والخطابات الدينية والسياسية، بل عبر قفزات وتحولات اقتصادية وثقافية وسياسية هامة تقوم بتحويل الحياة المجتمعية إلى بيئة صالحة للتحول الديمقراطي بحيث تكون الديمقراطية كثقافة وآليات ووسائل ونظم، هي السائدة في الحياة السياسية وإدارة شؤون الدولة والسلطة، كما هي جزء حيوي في النسيج الاجتماعي والثقافي.
ولعل أفضل تعريف للديمقراطية كقيمة سياسية وفلسفية هو تعريف المفكر الجزائري "مالك بن نبي" حيث يقول: "الديمقراطية هي شعور نحو الأنا بمعنى شعور يجعلك تعتقد أن رأيك صواب يحتمل الخطأ وشعور نحو الآخرين بمعنى شعور يجعلك تعتقد أن رأي غيرك خاطئ يحتمل الصواب، ومجموعة من الشروط النفسية والاجتماعية والثقافية التي تنمي هذين الشعورين" بمعنى الشروط التي تنتج الوعي والثقافة السياسية.
للأسف الشديد هذه هي ديموقراطية ما يسمي بالنخب العربية تريد ديمقراطية على المقاس، وتؤمن بالانتخابات إذا كانت تضمن لها النجاح فقط، شعارها "أنا وبعدي الطوفان" إنها ديمقراطية الإقصاء وأي إقصاء ... إقصاء الأقلية للأغلبية.
ديمقراطية "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ".
هذا المفهوم للديمقراطية لم يرد بعد في القاموس السياسي.
وقد قسم المؤرخ الفرنسي "جان بيير فيليو" الأنظمة العربية في مؤلفه "من الدولة العميقة إلى تنظيم الدولة الإسلامية الثورة العربية المضادة وموروثها الجهادي" إلى ثلاثة أصناف هي:
1 . الأنظمة الأصولية، ولا يجد سوى النظام السعودي الذي يستند إلى الدعوة الوهابية في نشأة الدولة كما تعتمد تركيا على الكمالية.
2 . الأنظمة الشمولية، وأبرزها النظام العراقي قبل الغزو الأمريكي والنظام الليبي قبل سقوط القذافي.
3 . الأنظمة المملوكية، وهي بشكل خاص النظام المصري والسوري واليمني والجزائري، حيث يعود الكاتب إلى التاريخ ليسقط مرحلة الحكم المملوكي على هذه الأنظمة، وسماتها الرئيسية هي أنها أنظمة عسكرية تسودها الخطابات الرنانة، والأولوية فيها لمصلحة الطغمة العسكرية وليس لمصلحة المواطن، وأنها فاقدة لحقيقة الشرعية متمسكة بشكلياتها، وتتمثل هذه الشرعية بالخليفة العباسي لدى المماليك القدماء وبالانتخابات الشكلية لدى المماليك الجدد.
أما بقية الدول العربية فأنظمتها أقرب ما تكون إلى الحكم المملوكي، وإن لم تمتلك كافة عناصره وسماته، مثل النظام التونسي قبل سقوط "بن علي" الذي اعتمد على الأمن وليس الجيش كنواة صلبة للحفاظ على النظام. أما الأنظمة الشمولية فلم تبالِ مطلقا بنيل الشرعية الوهمية من الانتخابات الشكلية التي تصّر عليها الأنظمة المملوكية، وهذا هو الفارق الرئيسي بينهما.
سهب الكاتب في عرض مقوّمات الأنظمة المملوكية التي تستند على ترهيب الشعوب بالمجازر والسجون، وإثارة النعرات الطائفية والقبائلية، وقتال الجماعات الإسلامية بضراوة منقطعة النظير، وإفساد هذه الحركات ما أمكنها ذلك، وتسخير ثروات البلاد لبقاء الأنظمة. كما يشكل التمويل عاملا رئيسيا في استمرار هذه الأنظمة، وله مصدران: الثروات المحلية ومليارات الخليج.
أدركت الشعوب العربية أن ما عملت على إسقاطه خلال ثورات الربيع العربي، لم يكن سوى الدولة الضحلة متمثلة بالحاكم والشرذمة المحيطة به، أما الدولة العميقة فلم تمس بسوء فهي مجتمعات كاملة من كبار الضباط وقضاة ورجال أعمال وشيوخ قبائل وقادة عصابات، مرتبطين بروابط المصالح التي تتناقض أشد التناقض مع مصالح الشعوب، بل إنها تقتات على مآسيهم وتتاجر بقضاياهم وشعاراتهم وتحولها إلى أموال تدخل حساباتهم المصرفية.
نشرت صحيفة إندبندنت (The Independent) البريطانية مقالا للصحفي الأيرلندي "باتريك كوكبيرن" يسلط الضوء على مآلات ثورات الربيع العربي، ويحاول الوقوف على أسباب فشلها، واستشراف مستقبل الاحتجاجات التي تشهدها بعض الدول العربية اليوم، في ضوء العبر التي استخلصتها الشعوب من تلك الثورات.
يذكِّر الكاتب بأن الشعوب في دول عديدة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا انتفضت احتجاجًا على حكامها مطالبة بالحرية والديمقراطية. وقد أسفرت تلك الثورات عن الإطاحة ببعض الحكام المستبدين، كما هددت بانتزاع السلطة من قبضة آخرين في شتى أنحاء المنطقة، حيث خرج ملايين المتظاهرين في الشوارع يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام".
كما يرى أن توق تلك الشعوب للعيش في ظل الحرية والعدالة الاجتماعية لم يكن زائفا، فقد آمنت أعداد غفيرة من المحرومين لمدة لم تطل أن بإمكانها الإطاحة بالدكتاتوريات جمهورية كانت أم ملكية. بيدَ أن الظروف لم تكن في صالح تلك الثورات، فقد كانت أسس الظلم التي حاولت جموع المتظاهرين تدميرها أقوى مما كانت تأمله، وكان الحلم بغد أفضل الذي كانوا ينشدونه خلال الربيع العربي يتبدد بوحشية تحت معاول الثورة المضادة التي شنتها الأنظمة القديمة.
لقد أحكمت بعض تلك الأنظمة قبضتها على السلطة، وباتت أكثر قسوة وقمعا من ذي قبل، وحل العنف والفوضى والتدخل العسكري الأجنبي محل الأنظمة التي سقطت. ولا تزال الحروب الأهلية تمزق 3 من الدول الست التي كان للربيع العربي التأثير الأكبر فيها، هي ليبيا وسوريا واليمن، وقد أصبح عنف وقمع الدولة أسوأ بكثير مما كان عليه قبل الثورة في اثنتين من تلك الدول، هما مصر والبحرين، ولم ينج من ثنائي الاستبداد أو الفوضى وختم المقال بالقول: رغم أن الظروف لم تكن في صالح نجاح ثورات الربيع العربي التي اندلعت قبل عقد من الزمن، فإن الاحتجاجات الشعبية اليوم يمكنها التعلم من أخطاء الماضي سوى تونس، رغم الفشل الكبير في توفير حياة أفضل للشعب التونسي.
لكن السؤال المهم الذي يبقى مفتوحاً هو: هل فشلت ثورات التحرر العربية؟ وهل العبودية والقمع والاستبداد هي القدر المكتوب على شعوبنا؟ والجواب على هذا السؤال أن ثورات التحرر لم تفشل، والثورات المضادة لم تنجح، وأن من الطبيعي أن يكون المخاضُ طويلاً، وأن يحتاج مشوار التحرر إلى سنوات، فمن يظن أن تغيير دولة بأكملها يمكن أن يحدث في أيام قليلة فهو واهم، ومن يظن أن عقودا طويلة من الاستبداد يمكن أن تنتهي بمجرد إجراء انتخابات فهو واهم، إنما هي طريق طويل وشاق جدا فأوروبا ناضلت قرابة ثلاثة قرون كاملة من أجل الوصول إلى وضع حد للأنظمة الديكتاتورية.
الأنظمة العربية الوراثية والشمولية أسلحة قاتلة تفتك في الجسد العربي؛ فهي لم تتمكن من بناء استراتيجية معينة، أو تتقدم بمشروع وطني، أو بأي إصلاحات تحصّنها وتحميها من التغيرات والتقلبات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة، وترتقي بها وبشعوبها، وتضعها على سلم الحضارة على غرار العالم الغربي؛ إن وجود هذه الأنظمة يتنافى مع مفهوم وجود الدولة ووظائفها، ويحوّلها إلى شركات مقاولة خاصة تتاجر بتاريخ ودين وحضارة وشعوب الأمة العربية.
طريق التحرر طويل ومكلف، ومعبد بالأشواك لكنه ضروري لضمان مستقبل أفضل للأجيال العربية القادمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تيكي تاكا مع مي حلمي | محمد بسيوني محترف مصري في النمسا يكشف


.. العملات المشفرة .. رحلة مجهولة نهايتها | #ريل_توك


.. تونس..مقتل عناصر إرهابية وجرح عسكريين اثنين في القصرين




.. ترامب: التقارير بشأن تفتيش منزلي في فلوريدا بسبب وثائق نووية


.. تعرض الروائي سلمان رشدي للطعن في العنق في ولاية نيويورك