الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


* الإنسانية لا تتجزأ يا سادة!

جميلة شحادة

2022 / 2 / 25
الارهاب, الحرب والسلام


أذكر، أنه وفي إحدى ليالي كانون العاصفة، وعندما لم أتجاوز الخامسة من عمري بعد، بكيت بحرقة لأن السماء أمطرت على لعبتي التي نسيتها في ساحة المنزل. وأذكر أيضا، بأنني لم أتوقف عن البكاء رغم كل المفاوضات والشروحات لتهدئتي. واصلت البكاء من كل قلبي، ولم أبخل بدموعي الحارة، الى أن أحضروا لي لعبتي. توقفت عن البكاء، حَضنْتُها، وأسكنتها برُكنها الدافئ.
فكيف لي اليومَ ألا أخرجَ عن صمتي والدمار يملأ كياني، والظلم يخنق صرختي، والحزن يكوي أضلعي؟! كيف لي اليومَ أن لا أخرج عن صمتي وآهات الأمهات الثكالى تهز عجزي، وملامح الأطفال اليتامى والجرحى تلوم ضعفي، وتلعن جبني وصمتي، وتؤرّق مضجعي.
الإنسانية لا تتجزأ يا سادة!
وها أنا اليوم أدويها صرخة عالية، بأنه لم يعد يهمني، لا الأحزاب، ولا السياسات، ولا الأيدولوجيات المُغناة بأبواق "القيادات". كما لم تعد تهمني روسيا، ولا أمريكا، ولا كل اتباعهما من دول ودويلات. لم يعد يهمني اليوم من هو المحِق في قضية سوريا؛ أهو النظام والحكّام، أم هم الثوار أم عناصر وتنظيمات.
يَشهد لي كل من عرفني ويعرفني، بأنني قلتُ الحق دومًا في كل مكان وزمان، وساندتُ الضعيف وصاحب الحق ووقفت لجانبه في تظلّمه، ولم يردعني عن ذلك خسارتي لمنصب هو حق لي، أو ترقية استحققتها، أو خسارة علاقتي بالأفراد.
استنكرتُ دائما قتل الأبرياء، كل الأبرياء، دون تمييز باللون أو العِرق أو الدين أو الجنس. لقد استنكرتُ المجازر وقتل الأبرياء في الكنائس، وفي الجوامع وفي كل مكان. لقد استنكرتُ قتل الأبرياء في الكنيسة البطرسية في العباسية في مصر عند حدوث المجزرة في ديسمبر 2016، على سبيل المثال، وحتى لا أُتهم بأني استنكرت واستنكر فقط قتل المسلمين في المجازر التي حدثت في البوسنة والهرسك، وقتل الفلسطينيين أبناء جلدتي. لقد استنكرتُ المجزرة في العباسية، لا لأن المذبحة حدثت في كنيسة، بل لأن أبرياء قد قتلوا وتركوا وراءهم عائلات حزانى تبكيهم؛ فما يهمني هو الإنسان، وليس مِلّته أو دينه أو قوميته... فكيف لي إذن، أن لا أبكي أطفال ونساء وشيوخ حلب وعفرين والغوطة؟! وأن لا أبكي قبلهم أطفال ونساء وشيوخ العراق واليمن وفلسطين؟! كيف لي أن لا أبكي وأصرخ وأستنكر، كل يوم، وكل دقيقة كل ما يحدث من قتل ودمار وخراب في حلب والشام؟! كيف لي أن لا أُسمِع صرختي بوجوب وقف الحرب، وأنا الموقِنة بأن الشعوب هي الضحايا فقط؟! لقد كانت الشعوب دومًا وعلى مرِّ تاريخ البشرية حطب حروب الأقوياء والحكّام وذوي النفوذ والسلطة والمال، من أجل فرض الأخيرين نفوذهم وتحصيل مصالحهم.
أما ما يزيد المأساة مأساة، هو أن ما يحدث في سوريا، يحدث كل يوم ومنذ ما يزيد عن الخمس سنوات، وعلى مرأى ومسمع من العالم، كل العالم، ويصل إلينا لهاث الأطفال، وتصلنا قصصهم لحظة بلحظة وهم يشرّدون ويموتون دون تدخّل عادل وجدّي لحل الأزمة ومنع المأساة. وهنا يحضرني قولُ آينشتاين: "لا يُباد العالم على أيدي الطغاة، وإنما على يدِ أولئك المتفرّجين مكتوفي الأيدي". وأما الأمر المخيِّب أكثر للآمال، هو أن أتابع عددًا من الصحفيين و"الإعلاميين" في بلدي وفي غيرها، وأجدهم ومن خلال منابرهم، يهدّئون النفوس بين المختلفين على ما يحدث في سوريا، إذ برأيهم، هناك ما هو أهم من قضية سوريا؛ هناك القضايا الداخلية لكل دولة، وعلى رأسها الاقتصادية والاجتماعية. هذه القضايا، برأيهم، أجدى بالاهتمام، وهي التي يجب أن يُسلط الضوء عليه، ووضعها نصب الأعين. ليس هذا فحسب، بل هؤلاء الإعلاميين يطالبون أبناء مجتمعاتهم، بأن يكفّوا عن الخِلاف بشأن سوريا وأن يتذكروا أنهم شعب واحد وعيب عظيم، ذاك الخِلاف والخصام بسبب ما يحدث في الشام، فالحرب في الشام، برأيهم، هو شأن يخص الشام وأهله.
وهنا يُسأل السؤال، إذا كان الأمر كذلك يا سادة يا كرام! فما الذي يجعل أجنبيا من الدنمارك أو السويد أو المانيا على سبيل المثال، بأن يتعاطف مع اللاجئين، ويستقبلهم في بلده، أو أن يتظاهر في بلده ضد الحرب على غزة مثلا، أو العراق أو الشام؟
إن الإنسانية لا تتجزأ يا سادة! ولا يجب أن تخرجوها من جيوبكم فقط، عندما تريدونها أن تخدم مصالحكم.
إن الإنسانية لا تتجزأ يا سادة! ولا يمكن أن تفصّلوها على مقاس انتماءاتكم القومية، أو الحزبية، أو الأيدولوجية... لتلبسوها رداءً تسترون به عوراتكم.
******************************
* أعيد نشر هذه المقالة التي نُشرت في جريدة كل العرب بكانون الأول 2016 ردًا على اتهامات البعض لي باستنكاري الحرب على أوكرانيا والتي شنتها روسيا فجر الخميس الموافق 24.2.2022 وعدم استنكاري للحرب في سوريا واليمن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أم تنتظر خروج طفلها من تحت الأنقاض.. كاميرا CNN توثق لحظات ع


.. February 9, 2023




.. أردوغان: عدد قتلى زلزال تركيا وصل إلى أكثر من 14 ألفا والجرح


.. كان مدفونا في الركام.. إنقاذ رجل من أسفل منزل منهار في إدلب




.. مديرة مستشفى الأمومة في إدلب: عدد من المستشفيات خرج عن الخدم