الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجزائر وفيتنام جمعتهما ثورتان كبيرتان وفرقتهما التنمية وسوء التسيير

عزالدين معزة
كاتب

(Maza Azzeddine)

2022 / 2 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


طرح علي أحد الأصدقاء في مواقع التواصل الاجتماعي ما يلي: "دولة فيتنام عرفت حربا قاسية وقد قصف الأمريكيون عاصمتها سايغون، وغزاها الفرنسيون قبل الأمريكان، فلماذا استطاعت النخبة والأكاديميون الفيتنام نقل الموروث الثوري للأجيال وجعلوا منه دعامة أساسية لبناء الوطن، أما نحن فقد فشلت النخبة السياسية والأكاديميون في تحقيق ازدهار الدولة الجزائرية؟"
من حق أي جزائري أن يقارن وطنه بالدول التي قدمت تضحيات كبيرة من أجل نيل استقلالها، حيث بلغت خسائر الفيتناميين خلال حربهم ضد الولايات المتحدة الأمريكية التي استمرت من 1965 إلى غاية 1973 أكثر من مليون قتيل وثلاثة ملايين جريح ونحو 13 مليون لاجئ، بالمقابل بلغت خسائر الجزائريين في ثورتهم ضد الاحتلال الاستيطاني الهمجي البربري 1,5 مليون شهيد. وبعد التحرر من الاستعمار، شرعت الدولتان في رحلة التنمية والنهضة وتحقيق العيش الكريم لشعبيهما.
أصبحت فيتنام من النمور الآسيوية وسارت على خطى مدروسة من الإنجازات على كل المستويات وسوت مشاكلها مع دول الجوار وحتى مع الولايات المتحدة الأمريكية، فاستطاعت خلال عشرين سنة من العمل المثمر أن تصبح من أقوى الاقتصاديات الصاعدة في العالم، وخفضت نسبة الفقر بنسبة كبيرة لتتفوق على الصين والهند والفلبين في هذا المجال، ويتوقع خبراء التنبؤات الاقتصادية أن يحتل الاقتصاد الفيتنامي المرتبة 21 عالميا بحلول عام 2025، وأن تتفوق فيتنام على النرويج وسنغافورة في عام 2050.
فيتنام نموذج للدولة التي تعيش حالة سلم مع نفسها ومع الآخرين، فهي من بين الدول الأقل فسادا في العالم والأكثر انضباطا وجدية في العمل متبعة في ذلك سياسة براغماتية من أجل استجلاب المستثمرين وتحسين علاقاتها مع روسيا والصين ومع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا كذلك.
وهذه مقارنة بسيطة بين الجزائر وفيتنام:
أولا: تفوق مساحة الجزائر سبع مرات مساحة فيتنام.
ثانيا: تمتلك الجزائر احتياطيا ضخما من النفط والغاز الطبيعي حيث تحتل المركز التاسع عالميا من حيث عائدات النفط لدول الأوبك والمركز السابع في إنتاج الغاز في حين تأتي فيتنام في المرتبة السادسة والثلاثين عالميا في إنتاج النفط والمرتبة الخمسة والأربعين في إنتاج الغاز.
ثالثا: عدد سكان الجزائر 44 مليون نسمة أما عدد سكان فيتنام 95 مليون نسمة وهو ما يعني انخفاض أعباء الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات في الجزائر مقارنة بفيتنام.
رابعا: استقلت الجزائر سنة 1962 وفيتنام سنة 1975.
خامسا: تتفوق الجزائر من حيث الإمكانات الجغرافية والاقتصادية على فيتنام في المجال الاقتصادي: تعد فيتنام الدولة رقم 49 في العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي برقم يقارب 200 مليار دولار، وتأتي الجزائر متأخرة عنها بقرابة سبعة مراكز لتحتل المرتبة رقم 56 عالميا برقم يبلغ حوالي 170 مليار دولار. كما أن فيتنام نجحت في الفترة الأخيرة في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية لتمويل أكثر من 3 آلاف مشروع برأس مال بلغ 13 مليار دولار بينما تعاني الجزائر اقتصاديا في الظرف الراهن نتيجة انخفاض أسعار المحروقات وتبلغ بها نسبة البطالة 12% بينما في فيتنام أقل من 2,5%. في ملف الأمن الغذائي يبلغ نصيب الفرد الفيتنامي اليومي 83 كيلوكالوري بينما في الجزائر تنخفض إلى ما دون 20 كيلوكالوري يوميا حسب إحصاء موقع World Country Facts.
ومع انخفاض قيمة الدينار الجزائري في قانون المالية لسنة 2021، وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية وانعكاسات جائحة كورونا على الاقتصاد الجزائري وارتفاع سعر الكيلوغرام من السردين إلى 1400 دج سوف تزداد نسبة الفقر وسوء التغذية والأمراض الناتجة عن ذلك.
في مجال التعليم: جاء ترتيب الجزائر في المركز 119 من بين 140 دولة شملها مؤشر الجودة التعليمية لسنة 2016، بينما تحتل فيتنام المرتبة 12 عالميا في مؤشر جودة التعليم، ولا توجد أية جامعة جزائرية مصنفة عالميا حسب تصنيف شانغهاي بينما نجد جامعات فيتنام ضمن قوائم التصنيف المعتمدة.
منذ استقلال الجزائر لأكثر من نصف قرن إلا أننا مازلنا نعتبر الاستعمار هو المسؤول عن تعطل التنمية في الجزائر وما يتبعها من فساد إداري ومالي، لكن تجربة فيتنام تدحض ذلك كليا، فعلى الرغم من تعرضه لاحتلالين الفرنسي والأمريكي إلا أنها بعد استقلالها استطاعت أن تحقق نموا وتقدما كبيرين.
السبب الرئيسي في إعاقة التنمية والتقدم في الجزائر يرجع إلى العوامل الداخلية بالدرجة الأولى، فحجم المقدرات الاقتصادية والجغرافية التي تتوفر عليها الجزائر، لا تقارن بأي حال من الأحوال بإمكانات فيتنام المتواضعة، لكن الأخيرة نجحت في تحويل إمكاناتها المتواضعة إلى ثروة اقتصادية هائلة.
اتبعت فيتنام نظام الحزب الواحد لكن لا تسمح لأحد بالترقية إلا إذا استوفى شروطا ومعايير محددة وعلى رأسها الكفاءة والأخلاق وذلك عكس ما هو موجود في الجزائر التي لا تكون الترقية فيها على أساس الكفاءة والأخلاق وإنما على أساس الولاء، وأصبحت عندنا الزبائنية والمحاباة هي المعيار الوحيد للتعيين في مناصب المسؤولية في مختلف دواليب الدولة الجزائرية وبالتالي بمثابة مفتاح نظام الثراء والتطور المتسارع حيث نجد عندنا بعض إطارات الدولة يقوم على خدمتهم عشرات الأشخاص، وتتمتع هذه الإطارات برواتب وخدمات وامتيازات لا يتحصل عليها حتى بعض رؤساء دول إفريقيا بينما مردوديتهم تكاد تكون صفرا على أرض الواقع.النظام الجزائري الذي جاء إلى السلطة على ظهر الدبابة بعد الاستقلال لم يتغير بالرغم من التحولات التي عرفها العالم من موت الشيوعية ونهاية الثنائية القطبية بل ازداد النظام تماسكا وقوة كلما خرج الشعب الجزائري منددا بفساده ونهاية صلاحيته، نظام عرف كيف يسير الأزمات.
مازال الجزائريون بعد ستين سنة من الاستقلال المنزوع الحرية يعانون من نقص في الحاجيات الأساسية في بلاد وهبها الله كل الثروات الطبيعية من بترول وغاز وذهب ويورانيوم وأراضي زراعية ... وشريط ساحلي يتجاوز1200 كلم، عاجزين عن توفير الغذاء الأساسي لأولادهم، ولا أتحدث عن رداءة مناهج التعليم والمستشفيات إلى جانب بيروقراطية أكل الدهر عليها وشرب تصيب المواطنين بارتفاع الضغط الشراييني والسكري نتيجة التنقل بين أروقة الإدارات التي تجعلهم يعيشون على بركان من الغضب الخامد.
لقد تحول التسيير الاستبدادي للمجتمع بواسطة الكل أمني إلى نظام قائم بذاته كما حال القمع والتلاعب بالأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني والنقابات التي أصبحت أداة طيعة في يد سياسة الكل أمني، مما ساهم في إفقار وإضعاف المجتمع المدني وتفكيك روابطه وكسر ديناميكيته وتشويه فكرة الديمقراطية مما أدى إلى تفريغ المؤسسات القائمة.
لا ننكر بعض الإنجازات التي حققها النظام الجزائري منذ 1962 لكنها مقارنة بثروات الجزائر البشرية والمادية تبقى ضعيفة ولا ترقى لتطلعات الشعب الجزائري. هذا النظام القائم برموزه ومقارباته لا يمكنه منافسة دولة فيتنام، ومن المستحيل أن يحقق الإقلاع الحضاري بأمثال هذه النفايات من المسيرين مما يضع الجزائر كلها في مهب الريح.
فالخروج من المأزق الحالي لن يكون سوى بجعل محاربة الاستبداد وعدم المساواة الاهتمام الأول للدولة إلى جانب الفصل بين السلطات لتكون العدالة مستقلة والصحافة حرة، لا شيء يلوح في الأفق سوى نهب جيوب الفئة الهشة من الشعب وتزايد كراهية الشعب لكل من يمثل الدولة.
هل بإمكان حكومتنا أن تتعلم وتستفيد من فيتنام، من دولة كانت لا شيء دمرتها الحرب إلى دولة صناعية هامة؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. الصدر والإطار يحشدون أنصارهم لدعم الإصلاح كل حسب و


.. ترامب: لا أعارض نشر مذكرة تفتيش منزلي | #رادار


.. ترامب: اقتحام منزلي كان أمرا -غير مرخص وغير ضروري-




.. الانسداد السياسي في العراق..وسط دعوات للابتعاد عن العنف والح


.. تشاووش أوغلو: الطريق الوحيد للخروج من الأزمة السورية هو التص