الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكتابة التاريخية في الجزائر بين ضغوط التقديس ونزعات التسيس وترسبات الاستعمار

عزالدين معزة
كاتب

(Maza Azzeddine)

2022 / 3 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


التدوين التاريخي في الجزائر بل وفي كل الوطن العربي لا يزال في مهده يتخبط بين ضغوطات التقديس وتأليه الحكام والقادة العسكريين، وتغييب المجتمع والفئات الهشة من الشعب، لم يستطع التحرر من سوط الحاكم ورواق المحاكم، أضف إلى ذلك أنه لا يزال يتخبط في مأزق المنهج والموضوع...
هل هي محنة تاريخ فقط، أم أنها محنة المنهج والموضوع في التدوين التاريخي ـ أيضاً‏ـ؟
إن فهــم الوقائــع التاريخيــة والقــدرة على تدوينها وتحليلهــا ّ ونقدهــا عمليــة صعبــة ومعقــدة، -عـلـى عكــس مــا يعتقــد الكثيرون عن جهل حيث يرون أن التدوين التاريخي سهل ومتاح متكامــل للحــدث أو الموضــوع التاريخــي المــدروس،
إلى أنه التدوين التاريخي في مجتمعاتنا العربية لم يستطع تجاوز النظرة التقديسية للماضي، لأن هذه الأخيرة تعد من المعيقات البنيوية والذهنية، التي تقف في وجه تطور الكتابة التاريخية عندنا، إلى جانب المصادر، التي تعد إشكالا حقيقيا َ مع قلة الوثائق أو غيابها في شطر من فترات التاريخ، أو تغييبها ُ لأسباب مختلفة، إلى جانب قلة المؤسسات المهتمة بالوثائق والأرشيفات، وندرة الباحثين، الذين يتمتعون بالعدة والوسائل والأدوات المنهجية، ما يفسح المجال أمام انتشار الكتابات التجارية والنفاق العلمي والتملق لمن بيدهم السلطة والمال والقوة ، في مقابل غياب النقد العلمي وغياب المجلات التي تراجع الكتابات التاريخية أو تسمح بالمراجعة الجريئة.
يسود الاعتقاد لدى معظم الناس عندنا وخاصة فئة الشباب منهم، أن تاريخنا مزور وبالأخص ما كتب حول الثورة التحريرية والحركة الوطنية، ويرجع بعضهم هذا إلى عامل السلطة أو عامل الخوف من التاريخ نفسه، لنأخذ مثلا ثورتنا التحريرية هي أعظم شعبية في التاريخ المعاصر، وكم كانت قدوة لعدد من حركات التحرير في العالم، فماذا بقي منها الآن؟ حتى أصبح ذكرها عند الآن عند الجيل الجديد الذي ولد بعد استرجاع السيادة الوطنية مرتبطا بالعجز السياسي والفساد الممنهج والاستثراء الفاحش لفئة معينة استأثرت بالسلطة والثروة بعد أن تحول أعضاؤها من ثوريين تقدميين اغلى تجار بمقدسات الثورة وتضحيات الشعب الجزائري، ثورتنا العظيمة شارك الشعب فيها كله، لكن بعد الاستقلال، أبعدته تلك العناصر التي جعلت نفسها وصية ووريثة للثورة الجزائرية ، لا أحد ينكر فضل الشهداء الابرار الذين أدوا واجبهم كاملا بلا نقصان وكذلك دور المجاهدين الذين واجهوا اشرس استعمار استطياني ، لكن علينا ألا ننسى دعم الشعب لهم ماديا والتحامه حول جبهة التحرير الوطني ، لكن بعد الاستقلال حدث شرخ خطير بين الشعب والمجاهدين ، وربما نستطيع ان نقول ان الشعب لم يذكروا له أي فضل في الثورة ،
أحيانا أسأل نفسي سؤالا محرجا، لو لم يكن الشعب مساندا لجبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، هل كان بإمكان الثورة ان تستمر ولو لشهر واحد؟
هل كانت مهمة الثورة التحريرية اخراج العدو واسترجاع السيادة الوطنية؟ لقد تحقق ذلك بعد تضحيات جسام قدمها الشعب الجزائري كله، وكل ذلك أصبح متوفرا وظاهرا للجميع ولا نقاش فيه، هل انتهت مهمة الثورة بتحقيق ذلك النصر على العدو؟
لو رجعنا إلى بيان اول نوفمبر لوجدنا أن هدفه أكبر من ذلك، فهو لم يقف على هدف اخراج العدو واسترجاع السيادة الوطنية فقط، وإنما وضع هدفا آخر وهو بناء دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية، السيادة فيها للشعب وحده.
بعد ستة عقود من استعادة السيادة الوطنية، ما زال الشعب الجزائري يطالب بالديمقراطية ودولة المؤسسات والحقوق، ما زال حلم بيان أول نوفمبر في بناء هذه الدولة لم يتحقق، وأن ثورتنا قد جردت من بعض قيمها النبيلة، وأصبحت شعارات جوفاء تعلن في المناسبات الوطنية التي يغيب الشعب عن المشاركة فيها وتقتصر فقط على المسؤولين وبعض المجاهدين وعائلات الشهداء، وأصبح الشعب ينظر الى الاحتفالات بشيء من اللامبالاة والسخرية. وكم من المرات شاركت بمداخلات حول تلك المناسبات، ولكني أكون دائما اخر من يلقي كلمته بعد ممثلي المجاهدين وابنائهم وأبناء الشهداء، وآخر من تمنح له جائزة رمزية عبارة عن شهادة شرفية، لم أر يوما أحدا من افراد الشعب سواء من الرجال أو النساء او الأطفال الذين خدموا الثورة ودعموها قد استدعوا لتلك المناسبات. وكأن ثورتنا لم تكن إلا ثورة المجاهدين والشهداء رحمهم الله.
مما كنت اسمعه وأنا طفل صغير بعد الاستقلال من افواه الرجال وحتى النساء قولهم: " أن المجاهدين بعد 5 جويلية 1965 اجتمعوا في احدى مراكز الثورة في جبال جيجل واقسموا كلهم بقولهم: " وحق يوم الحق أن الشعب لن يرى أي حق " طبعا هذا لم يحدث أبدا، ولكن الشعب وصل إلى درجة الياس حينما رأى بعض المجاهدين وليس كلهم يتسابقون فيما بينهم على عقارات المستوطنين بل أحيانا يتقاتلون فيما بينهم عليها، ومنعوا الشعب نهائيا من الاستحواذ عليها، أضف إلى الامتيازات التي حصلوا عليها من رخص فتح الخمارات وغيرها.
إن الاستقلال الوطني ليس مجرد اخراج الاستعمار الاستيطاني من ارضنا، وإنما هو تحرير للشخصية الجزائرية والانطلاقة بها في التنمية الشاملة وبناء دولة المؤسسات والحقوق.
لقد أصبح الان في وقتنا الحالي ذكر عظمة ثورتنا التحريرية لدى الجيل الجديد مرتبطا بالعجز والفشل وحتى لا أقول بخيانة دماء الشهداء، والاستثراء الفاحش لفئة معينة جعلت من الثورة سجلا تجاريا لها متخذة من الثورجية والوطنجية شعار لها للمزيد من الكسب والنهب والسلب.
هذه الثورة العظيمة قزمناها وفقدت بريقها واشعاعها ، ويبقى هنا سؤال الكتابة التاريخية الذي اصبح عندنا هاجسا مقلقا للباحثين الجادين ، وذلك حول كيفية تحديث الكتابة التاريخية واشكالاتها ، فالتدوين التاريخي لثورتنا التحريرية يجب أن يؤسس على منهجية علمية وفق إطار يعمل على معالجة الوقائع التاريخية بكل حيادية وتخليصها من الزيف وتقديس الاخر ، اعرف ان هناك العديد من الكوابح البنيوية والمنهجية والظرفية التي تحول دون تطور الكتابة التاريخية في مجال الثورة وما قبلها من بينها المصادر وقلة الوثائق أو تغييب تلك الوثائق لأسباب عديدة مما جعل المؤرخين عندنا يتجنبون الخوض في بعض المواضيع الحساسة التي تفتح عليهم باب جهنم يضاف إلى ذلك النفاق العلمي والتملق لمن بيدهم السلطة والجاه بحثا عن منافع شخصية .
يبدو أن ازمة الكتابة التاريخية عندنا ما زالت تتعمق وتستفحل ونفسر ذلك بعوامل متشابكة ومعقدة أهمها القصور اللغوي وضعف التكوين في مجال علم التاريخ ومناهجه وادواته وغياب الدراسات النقدية الجادة وغياب التجديد كذلك في المواضيع التي ظلت متأثرة بالنزعة الوطنية وسيادة الوصف بدل التفسير والتحليل والنقد وعجز الكتابة التاريخية عن الارتقاء إلى الشمولية والتركيب وغلبة " الكسل الفكري " على الممارسة البحثية والنقدية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. الصدر والإطار يحشدون أنصارهم لدعم الإصلاح كل حسب و


.. ترامب: لا أعارض نشر مذكرة تفتيش منزلي | #رادار


.. ترامب: اقتحام منزلي كان أمرا -غير مرخص وغير ضروري-




.. الانسداد السياسي في العراق..وسط دعوات للابتعاد عن العنف والح


.. تشاووش أوغلو: الطريق الوحيد للخروج من الأزمة السورية هو التص