الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بعد 59 سنة من وصول البعث للسلطة ألَا نشعُر أننا بحاجة لِمُراجعةِ أيِّ شيء؟.

عبد الحميد فجر سلوم
كاتب ووزير مفوض دبلوماسي سابق/ نُشِرَ لي سابقا ما يقرب من ألف مقال في صحف عديدة

(Abdul-hamid Fajr Salloum)

2022 / 3 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


ما كان بودِّي التطرُّق لهذه المناسبة، إلا أن ما سمعتهُ وقرأتهُ من خطابات وتصريحات للبعض وهُم يُحيُون الذكرى 59 لثورة الثامن من آذار 1963، جعلني في حالةٍ من التأمُّل والحيرة..
وكوني انتسبتُ لهذا الحزب بعد خمسِ أو ستِّ سنوات، من وصولهِ للسُلطة، وأنا في المرحلة الثانوية للعام الدراسي 1968 ــ 1969 ، وذلك إيمانا مني بِعقيدتهِ العَلمانية وأهدافهِ في خدمة الطبقات الكادحة التي نشأتُ في وسطها، وشعاراتهِ العروبية إزاء فلسطين وقضية شعب فلسطين العادلة، فلا بُدَّ أن يكون لي رأيا صريحا وواضحا، وأن أكون صادقا مع نفسي، ومع الجميع..
*
تغيّرَ وجهُ العالم.. وتغيّرَ وجهُ المنطقة.. بل تغيّرَ وجهُ سورية الداخلي، مُبتعِدا عن كل أهداف الحزب الداخلية، ومع ذلك ما زال ذات الخطاب وذات الشعارات وذات التصريحات وذات العبارات والمفردات تتردّد وتتكرّرُ، في الوحدة والحرية والاشتراكية، وغيرها، وكأننا لم نغادر ستينيات القرن الماضي..
*
تفكّكَ الاتحاد السوفييتي.. وتفكّكت منظومة حلف وارسو، وانضمّت دولهِ إلى الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.. وروسيا تحولت إلى دولة رأسمالية، كما أي دولة رأسمالية غربية، تبحثُ عن مناطق نفوذ واستثمارات وأرباح ومصالح، بعيدا عن الآيديولوجيا السوفييتية، وما زلنا نتجاهل ذلك..
*
العِداء لإسرائيل، تحوّل إلى عداء بين العرب أنفسهم، وتحالَفَ بعضهم مع "إسرائيل".. وغالبية العرب عقدوا اتفاقات تطبيع معها وما عادت بالنسبة لهم عدوا، وإنما حليفا وشريكا وصديقا..
وحتى سورية، لو نجحت المفاوضات بينها وبين "إسرائيل" ووافقت هذه على إعادة الجولان، لكانَ هناك اليوم تطبيعا.. فسورية وافقت على المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت 2002 التي قامت على قاعدة: الأرض مقابل السلام(أي يُعيدون الأرض ونعقدُ السلام..والسلام يعني التطبيع)..
كما شاركت في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ، وانخرطت في مفاوضات مع "إسرائيل" لحوالي عشرين عاما، بِلا نتيجة..
لم يصدر عن دمشق أي بيان رسمي يُندِّد بالتطبيع في السنتين الأخيرتين بين أي دولة عربية وإسرائيل، كما درجت العادة بالماضي.. بل في عز التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، كان استقبال وزير خارجية الإمارات في دمشق.. فهذا لم يعُد أمرا يُتَوَقَّفُ عنده..
إذا تغيّر وجهُ الصراع، وتغيّر وجهُ المنطقة، وكأنَّ هناك من لم يُدرِكوا ذلك وهُم يلقون المحاضرات ويُقيمون الندوات ويدلون بالتصريحات أمام الشاشات، ويُكرِّرون ذات الخطاب الإنشائي المُعتاد والمُتداوَل على مدى عقود طويلة، كما لو كانت أسطوانة عليها ذات الأغاني وكلما فتحتها تسمعها نفسها..
*
إسرائيل تقدمت بكل المنطقة العربية، من مغربهِ إلى مشرقهِ.. من الرباط ونواكشوط إلى أبو ظبي والمنامَة، وما بينهما، وما يربطها بعلاقات مع عواصم العرب، أقوى مما يربط بين سورية وتلك العواصم ( وبالتأكيد هذا يُحزننا جدا ولكن هذا هو الواقع) .. ومع ذلك ما زال هناك من يقولون أننا وضعنا حدّا للتطلعات الإسرائيلية المعادية للأمة العربية.. (نتمنى من كل قلوبنا لو كانت هذه هي الحقيقة، ولكن هل هي كذلك؟.)..
ماذا تريد إسرائيل من طموحات أكثر مما تحقق لها في هذا الزمن مع غالبية الدول العربية(بل في داخل سورية)وإبرام اتفاقات في كل المجالات من المغرب وحتى البحرين، وأولها اتفاقات عسكرية وأمنية وسيبيرية.. فضلا عن إقامة التدريبات العسكرية المشتركة..واستقبال قادتها ووفودها بحفاوةٍ بالغةٍ في العواصم العربية..
وما زالت هذه تعتدي على سورية بشكلٍ دائمٍ، دون أي ردٍّ، وما زالت تحتل الجولان، فكيفَ إذا وضعنا حدّا لتطلعاتها العدوانية!.
*
سورية اليوم هي أكثر الدول العربية معاناة.. فعلى أراضيها تتواجد القوات الأجنبية المتعددة، منها بموافقة الدولة، ومنها رغما عنها.. ومساحتها البالغة 185,180 كم2 ، خرج عن سيادة الدولة منها خلال هذه الحرب أكثر من 75 ألف كيلو متر مربّع.. مابين منطقة الحُكم الذاتي الكُردية، وما تحتلهُ تركيا، إضافة إلى محافظة إدلب التي تسيطر عليها التنظيمات المتطرفة المُصنّفة إرهابية، لدى الأمم المتحدة..
ثلاث حكومات في تلك المناطق:
ــ حكومة ما يُعرف بِقوات سورية الديمقراطية وتُسمّى ” الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية”، ويطلقون على تلك المناطق اسم “روج آفا”، والمقصود بها منطقة “غرب كردستان” أو كردستان الغربية..وهذه مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون.. ويمتدُّ نفوذها على أربع محافظات: الحسكة والرقّة وحلب ودير الزور.. وتستولي على ثُلث مساحة سورية.. ومقرها في الحسكة.. وتسيطرُ على 90 % من حقول النفط، و 45 % من حقوق الغاز.. عدا عن الأراضي الزراعية الشاسعة، وثروات المياه..
ــ وحكومة ما يُعرفُ بـ ” الحكومة السورية المؤقّتة” ومقرها في مدينة أعزاز شمال سورية.. وتتبع للمعارضة التي تتبع بدورها لتركيا..
ــ وحكومة ما يُعرف بِـ “حكومة الإنقاذ” وتتبع لجبهة النُصرَة( وهذه بدورها محمية ومرعية من تركيا) ومقرها في إدلب.. ولكلٍّ من تلكَ شعارها الخاص على عَلَمها الخاص..
ــ واحتلالٌ تركيٌ لأراضٍ سوريةٍ في محافظات حلب والرقّة والحسَكة، من خلال ما يُعرَفُ بعمليات: “درع الفرات” عام 2016 و “غصن الزيتون” عام 2018 و “نبع السلام” عام 2019، و ” درعُ الربيع” عام 2020 وهذه على طول الحدود في الشمال السوري، وبِهدفِ إنشاء منطقة خالية من الوجود الكردي، حسب الزّعم التركي..
وتتريكٌ كاملٌ لكل تلك المناطق لِسلخها عن هويتها وثقافتها وإلحاقها بتركيا، كما فعلوا في اسكندرون وشمال قبرص..
ــ فقرٌ وأوضاعٌ معيشية لا توصفُ من شدّة قسوتها..
ــ شعبٌ قُرابَةَ نصفهِ في بُلدان اللجوء، أو نازح داخليا..
ــ دمارٌ هائل، يحتاج إلى مئات المليارات..
ــ شروخٌ طائفية ودينية ومذهبيةٌ لا سابقا لها منذ 1400 عام..
ــ فروقاتٌ طبقية هائلة.. وفسادٌ وإفسادٌ يغمرُ الدولة والمجتمع.. واحتكارٌ للمناصب والمكاسب لشريحة المدعومين، وأولادهم من بعدهم..
*
ماذا يوجدُ من شعار الاشتراكية؟. ففي البلد نَمَتْ وترعرعتْ، وعلى مدى عقودٍ طويلةٍ، طبقةٌ من أصحاب السُلطة والنفوذ، استغلّت مناصبها ومكانتها وتحولت عن طريق الفساد، إلى طبقةٍ بورجوازيةٍ "طفيلية" وتحالفت مع البورجوازية التقليدية، لاستغلال الوطن، وفقراء الوطن دون شفقة ولا رحمة.. والاستحواذ على المشاريع المُربِحة..
وحتى الدّعم الذي كانت تستفيدُ منه شريحة واسعة، تم إلغاؤهُ ولم يُعد يستفِد منهُ إلا نسبة قليلة..
*
لا نُقلِّلُ مُطلقَا من الإنجازات على الأصعدة الخدماتية، من طرقات وشبكات هاتف ومياه وكهرباء، والإنجازات التعليمية والصحية، وتوسيع قاعدة التعليم وبناء المدارس والجامعات، والمشافي والمستوصفات.. الخ.. ولكن الفساد غطّى على كل ذلك، ولم يتمّ استثمارها بالشكل الصحيح في الرعاية الدائمة والصيانة الدائمة، والتطوير الدائم، ووفق خططٍ تنمويةٍ واستثماريةٍ فعّالةٍ وهذا أثّرَ جدّا على فاعليتها ومستوى خدماتها، فتآكلت وتراجعت كثيرا.. وهذا قبل أن تندلع الأحداث في سورية في 2011 ..
وبذات الوقت، لا أعتقدُ أنهُ يُمكن الوقوف عند هكذا انجازات، فهذه تحصل في أي دولةٍ بالعالم، وهذا من طبيعة الحياة وتطورها، وإلّا ما هو دور أي حكومة حينما تكونُ في السُلطة؟. عليها أن تقوم بكل ذلك، دون مِنّة وإن قصّرت تُحاسَب..
*
الإنجازات الأساسية والجوهرية التي يجب أن نتوقف عندها تتعلق أوّلا بكيفية بناء الإنسان، وثانيا بكيفية بناء الدولة..
فهل بنينا الإنسان الصحيح الذي يرى ذاتهُ ومصالحهُ من خلال الوطن، ولا يرى الوطن من خلال ذاته ومصالحهِ؟.
وهل حافظنا في المجتمع على منظومة القيم التي كانت تنظُم علاقات المجتمع ببعضهِ بعضا، أم أن تلك القيم تراجعت وحلَّ مكانها ثقافة هدّامة في السلوكيات اليومية والتعامُل اليومي بين الناس؟.
وهل بنينا الإنسان الذي يعي ويُدرِكُ ما هي حقوقه كإنسان، السياسية والمدنية والاجتماعية..الخ، ووفقا لِما نصّت عليه صكوك حقوق الإنسان العالمية، وسواها، وشجعناهُ على التمسُّكِ بها، أم تجاهلنا كافة تلك الحقوق وغرسنا ثقافة مُختلِفة؟.
*
هل أفلحنا في بناء دولة قانون وعدالة وتكافؤ فرص وفصلٍ للسُلطات، ووضعِ الشخص المناسب في المكان المناسب، ومؤسسات فاعلة قادرة على المُحاسبَة، ومساواة بالمواطنة، كل هذا الزمن، أم سادت ثقافة المزارِع والمحسوبيات والواسطات والقرابات، ورأسمالية المُحاباة، وتهميش الإرادة الشعبية، بانتقاء كافة أعضاء مجلس الشعب وقيادات النقابات والاتحادات والمنظمات، وفقا لقوائمٍ مُعدّة سلفا وقائمة على أساس المُحاصصات؟.
*
لن أطيل في الكلام، ولكن اسأل من تحدّثوا في هذه المناسبة في ندَوَاتهم، عن "إرساء دعائم الدولة القوية في جميع المجالات تلبية لتطلعات الشعب واحتياجاته على جميع المستويات" (حسب تصريحاتهم مؤخرا) ، هل أنتم حقّا تعيشون في البلد؟.
*
لا حاجة للحديث عن "الحرية" (وهي إحدى الشعارات) فقانون مكافحة جرائم المعلوماتية، وتعديلاته، هو من يُحدِّثنا عن ذلك..
*
أعتقد أننا بحاجةٍ إلى وقفةٍ صادقةٍ وصريحةٍ مع الذات، وإعادة النظر في كل الشعارات المطروحة، وفي شكلِ أو جوهرِ الخطاب السياسي والإعلامي والدبلوماسي، حتى يتصالحَ مع الواقع والحقيقة، ولا يقفزُ فوقها.. وانتهاج مقاربات أخرى مُختلفة كلّية، في طريقة إدارة الدولة وطريقة الانتقاء للمناصب، وقيادات النقابات والمنظمات والاتحادات، وقبل كل ذلك، أعضاء مجلس الشعب..
*
قرأتُ على صفحة القيادة القطرية لحزب البعث على الفيس بوك، العبارات التالية:
(الفساد يشكّل التحدي الأكبر لأي مجتمع أو دولة.. فالفساد المالي والإداري أساسه الفساد الأخلاقي.. والاثنان ينتجان الفساد الأخطر وهو الفساد الوطني الذي يُنتج أشخاصاً يبيعون وطنهم ودماء أبنائه لمن يدفع أكثر(..
كلامٌ صحيحٌ تماما، ولكن كيف يُمكن القضاء على كل أشكال الفساد هذه؟.هنا جوهر الموضوع..
هذا باعتقادي، يحتاج لآليات مختلفة تماما عن كل الآليات التي تُدار بها الدولة اليوم، وتُمنحُ القواعد الحزبية في الحزب، والقواعد الجماهيرية في النقابات والمنظمات والاتحادات، والقواعد الشعبية عموما، كل الحق والصلاحيات في انتخاب قياداتها، وممثليها، على كل المستويات بكل حرية وديمقراطية ودون أي تدخلات من أي جهات في الدولة، وبعيدا عن أي قوائم مُعَدَّة سلفا.. وهكذا تأتي كل تلك القيادات مُعبِّرة عن الإرادة القاعدية والشعبية العامّة التي لن تختار سوى الأكفأ والأفضل والأنزه، وتكون هذه هي من يُتابعُ أدائها، ويمتلك قرار إعفائها من مسؤولياتها حينما لا تكون أهلا للمسؤولية.. حينها سيخشى كلٍّ على موقعهِ ويعملُ بصدقٍ وأمانةٍ وإخلاصٍ ونظافةِ يدٍ ويحسِبُ مائة حسابٍ للإرادة الشعبية القاعدية التي أتت به، بدلَ أن يحسب حسابا فقط للجهة، أو الجهات، الذين أتوا به، ووفق اعتبارات غير صحية وغير سليمة..
فضلا عن ضرورة تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في الدولة، وأن نؤمن أن أرحام الأمهات خصبة جدا وليست عقيمة حتى لم تلد لنا سوى بعض الوجوه فنرى من يشغلون مواقع السُلطة على مدى 40 أو 45 سنة، يتنقلون بين وزراء وسفراء وأعضاء قيادة.. أو أن نرى وزيرا 15 سنة، أو مُحافظا 10 سنوات، أو سفيرا 20 سنة.. أو عضو مجلس شعب يغيبُ بضع سنوات ثمّ نعودُ ونأتي بهِ مُجدّدا..
أو نرى مأسَسة قانونية للتمييز بين كوادر المؤسسة الواحدة(كما حال الخارجية) حيث يتمُّ الاستغناء عن خدمات الدبلوماسيين فيها ما بين عُمر الـ 60 وعُمر الـ 70 عاما، حسب مستوى المحسوبية والدّعم..
أصبحنا بوضوح، شريحة للمناصب والمكاسب، وطبقة اجتماعية واسعة للتضحية لأجلهم..
*
تلكَ هي أبسط السُبُل لمكافحة الفساد (وتطبيقها لا تُعيقهُ المؤامرات الخارجية ولا العقوبات الغربية) .. فضلا عن فسح المجال لحرية التعبير والنقد وفضح العيوب والنواقص وجوانب التقصير، وتشجيعهِ، وليس محاسبة من يقومُ بذلك..
*هذا هو التحدّي اليوم، وفي هذه المرحلة، أمام القيادة لتدارُك أخطاء الماضي وبعثِ الحماس لدى الناس..
فهل سيختلفُ النهجُ والآليةُ والطريقةُ وفق ما ورد أعلاه، أم سيستمرُّ السير على ذات الآلية والنهج والطريقة؟.
إن كان سيستمر ذات النهج، فنحن نضعُ الناس أمام مزيدٍ من الإحباط، والتفكير في كيفية مغادرة البلد ليصنعوا مستقبلهم.. ولا يجوز أن نلومهم، فحق الإنسان أن يفكِّر بِصنعِ مستقبله..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تصعيد بين العراق وإيران.. بغداد تستدعي السفير الإيراني| #غرف


.. فيديو -الموز في مباراة البرازيل وتونس-.. واقعة عنصرية تشعل غ


.. {ذات مصر المعاصرة}.. شعار {المعرض العام للفنون} في دورته الـ




.. السيمفونية رقم 9..أشهر أعمال الموسيقار الألماني بيتهوفن | #ف


.. شاهد| إعصار ”إيان“ كيف دمر فلوريدا بسرعة تقارب 252 كيلومترا