الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التوظيف السياسي للبيروقراطية في الاردن

عبدالله نقرش

2022 / 3 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


تمهيد:
تعني البيروقراطية النظام الاداري الذي ينتظم بشكل دائم ويقوم على أسس وهياكل محددة , من اجل صناعة قرار أو تنفيذه من قبل اداريين مؤهلين ومحترفين وليس من قبل ممثلين منتخبين.
وعلى الرغم مما ينسب عادة من نقد للبيروقراطية , الا أنها توجد في كل الأنظمة السياسية وفي كل المنظمات العامة والخاصة , الوطنية والدولية. ويفترض أن تقوم على الكفاءة وتتمتع بمزايا المعرفة والسلطة والخبرة.
ونظرا لدورها المركزي في الدولة الحديثة يعتقد بعض المفكرين السياسيين انها تشكل تهديدا لمبادىء الديمقراطية , ذلك انها تسيطر على المعلومات الحكومية بما يمكنها من توظيف السياسيين أو الضغط عليهم.و لهذا يطالب منظرو الشفافية الحكومية بضرورة وصول المواطنين الى المعلومات بسهولة, فضلا عن أن الادارة الديمقراطية ليست سهلة في الادارة البيروقراطية نتيجة لتعقيدات هياكلها و برمجت صلاحيات وحداتها . لهذه الاسباب وغيرها يعتقد النخبويون الديمقراطيون بضرورة تعيين الوظائف العليا من قبل السياسيين أو ايجاد وظائف مستشارين سياسيين في الادارات المختلفة . ذلك من أجل ضبط العملية الادارية في الدولة من قبل العملية السياسية حيث تعتبر العملية الاخيرة (السياسية) هي ضبط الضبوط في الدولة.
وفي المحصلة , فان البيروقراطية هي " آلة الدولة" العاملة باستمرار والتي يمكنها أن تعزز الديمقراطية أو تنحو بالنظام الى نظام أوتوقراطي سلطوي خصوصا اذا قادتها حكومة غير منتخبة وغير مسؤولة.
وعليه فان التاريخ السياسي والاداري للاردن , يشير بوضوح الى أن الجهاز الييروقراطي الاردني لعب دورا مهما في الحياة العامة, والسياسية منها خاصة , لا سيما بشأن توظيف البيروقراطية بديلا عن الديمقراطية.



البيروقراطية كبديل عن الديمقراطية في الاردن:

منذ البداية أثيرت حفيظة الاردنيين ازاء التوظيف في مؤسسات الدولة لغير الاردنيين , فمعظم أعضاء الحكومات في العشرينيات من القرن الماضي كانوا من غير الاردنيين اصلا. في حينها لم يكن التعليم منتشرا في الاردن و لم تكن هنالك تجارب سياسية أو ادارية متوفرة , فضلا عن أن ادارة الانتداب والامير كانوا أكثر حذرا في التعامل مع الاردنيين . وكان الامير ذاته باعتباره ممثلا للثورة العربية الكبرى ينحو للتعامل مع رجالات حزب الاستقلال العربي الذين قدموا الى الأردن بعد سقوط المملكة السورية في دمشق وغيرهم من العرب.
اذا من حينه , أخذت الوظيفة العامة بعدا سياسيا , وكان لهذه الرؤية أثر بالغ على تطور نظام الحاكم وعلاقته بالشعب. الأمر الذي تم توظيفه دائما كشرط او لكسب الولاء للنظام" ووفقا لنظام توزيع الادوار والمكاسب" الذي تم العمل به منذ البداية و ما زال , أصبحت الوظيفة العامة مع الزمن هي المدخل للمشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار السياسي . ولما كانت الدولة تفتقر الى الموارد الكافية وتعتمد على المساعدات الخارجية , اعتمدت على التوظيف الحكومي بمختلف مؤسساتها الناشئة كموضوع لأداء الأدوار وتقسيم المغانم . واعتبر العمل في ادارة الدولة ميزة بحد ذاته ,لا سيما في المواقع العليا . وبهذا استقر منذ البداية على أن تكون الدولة هي مؤسسة الاستخدام الأولى والاكبر والاهم. وقد وفر تنامي مؤسسات الادارة والجيش فرصا واسعة وكثيرة للمؤهلين لخدمة دولتهم واكتساب رزقهم وبالطبع كان ذلك كله على حساب امكانية الاندماج والمشاركة في الحياة السياسية وصناعة القرار , سواء كانت من اختصاص ادارة الانتداب أو من اختصاص الامير. و بقي الامر كذلك حتى بعد ان توحدت الضفتان الشرقية و الغربية من الاردن . الامر الذي هيأ الظروف الى معادلة مستقرة لادارة الدولة مؤداها :( ان السياسة للقصر و الادارة للاردنيين و الاقتصاد للفلسطينيين) و ذلك يتضمن بطبيعة الحال نظام توزيع المكاسب كما تضمن توزيع الادوار . و قد كانت هذه هي المعادلة التي حكمت الى حد كبير التطور الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في الاردن.

أما الديمقراطية فهي شأن اخر , لم يعن بها القانون الاساسي 1928 (الدستور الاول ) , ولا دستور الاستقلال 1947, وأشير الى بعض معالمها في دستور الوحدة 1952, حتى جاءت التعديلات الدستورية المتلاحقة منذ البداية وحتى تعديلات 2015 -2022 . تلك التعديلات التي حولت النظام السياسي في الاردن من نظام شبه ليبرالي دستوريا ولكنه غير مفعل , الى نظام اوتوقراطي فعليا.
وسنحاول تتبع المسار في العلاقة بين البيروقراطية والديمقراطية عبر عمر الدولة الاردنية الحديثة, وتقديرنا أن المراجعة العلمية تفيد كل من له توجه في الاصلاح نحو المزيد من الديمقراطية , ذلك أن الديمقراطية منهج بناء للفرد والمجتمع والدولة ودائما هنالك ما يمكن القيام به أو تجنبه . ولربما تتاح الفرصة لاحقا للمساهمة في ايضاح بعض المسائل الخاصة بالمنهج الديمقراطي اذا عقد العزم على تبنيه في المستقبل .

التحليل :
تقوم هذه الورقة على فرضية مؤداها " ان البيروقراطية كمضمون وآلية عمل لادارة الدولة الأردنية كانت وما زالت بديلا عن الديمقراطية"

فمنذ نشأة الدولة الأردنية الحديثة وعلى الرغم من كونها جزءا من سوريا الطبيعية أو سوريا الكبرى , أو بمعنى اوسع جزءا من الهلال الخصيب الا أنها ذات تجربة خاصة من حيث الادارة السياسية والادارة العامة . قد يكون من أهم عناوين الخصوصية انها ما زالت تحكم او تدار من قبل النظام الذي رافق انشاءها . فقد كان قبول الشعب الاردني بالامارة والأمير ناجما أولا عن قناعتهم بالمشروع القومي الوحدوي الذي مثلته "الثورة العربية الكبرى" . وثانيا لأن فشل الحكومات المحلية التي سبقت انشاء الامارة بعد سقوط المملكة السورية على يد الفرنسيين 1920 , لم يتح تحقيق الاستقرار السياسي والاداري في البلاد.
بعد تأسيس الامارة عام 1921 جرى تطويع المناطق التي كانت خارجة عن السيطرة المركزية, ثم ما لبثت بريطانيا , القوة الدولية المسيطرة على الاقليم آنذاك , من وضع الاردن تحت الانتداب 1923. وبهذه الصفة وضعت الادارة المنتدبة أسس " ادارة الامارة الناشئة" وكان ذلك يستهدف مساعدة الامير على استتباب الامر له, ومن ثم ضبط المنطقة لاتاحة الفرصة لتحقيق برنامج بريطانيا الاقليمي المتعلق بتنفيذ وعد بلفور 1917 الخاص بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين المجاورة للأردن" غرب النهر".

تمثلت أسس ادارة الامارة الاردنية من قبل الانتداب:
أولا - تقديم مساعدة مالية وادارية للأمير لكي يدير شؤونه الخاصة والعامة.
ثانيا- المساعدة في بناء قوة أمنية في الداخل تطورت لاحقا لتصبح جيشا محترفا.
ثالثا- احتكار الادارة السياسية للامارة لا سيما ما تعلق منها بالشؤون الخارجية . وهو أمر أثر بشكل واضح على مسيرة الدولة الحديثة فيما بعد .
رابعا- الاشراف على بناء جهاز بيروقراطي لادارة الدولة الاردنية الناشئة كان من شأنه لاحقا أن يوظف توظيفا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا, وهذا ما يعنينا في هذه المقالة.



كان يفترض ان يفسر السلوك البريطاني من خلال وظائف الدولة المنتدبة, حيث كان من واجبها الارتقاء باوضاع المجتمعات والشعوب والدول لتتمكن من ادارة نفسها بنفسها , الا أن ادارة الانتداب وعلى الرغم من انها مكنت الأمير من امارته, تعاملت مع الشعب الأردني كمجاميع سكانية تعنى بالمصالح الفئوية دون الاهتمام بادماجهم بالشأن العام كمجتمع موحد , وشعب يسعى لتحقيق هويته العامة المستقلة , هذا مع العلم ان الشعب الأردني لم يفتأ يؤكد طموحاته كشعب وكجزء من الأمة العربية التي ينتمي اليها قوميا وثقافيا وحضاريا , وكان في واقعه المادي جزءا من شعب المشرق العربي سياسيا واقتصاديا حتى لو انفصل اداريا, وشواهد ذلك كثيرة حتى يومنا هذا, وهي تنعكس في كل مناسبة وموقف يتصل بالأمة والاقليم.

ارهاصات الديمقراطية:

وما يؤكد وعي الشعب الاردني بشأن علاقته بالادارة البريطانية وسياساتها , أنه لم يتوقف عن معارضتها وتأكيد انتمائه العربي . فحتى ابان الادارة المنتدبة ساد في الدولة الاردنية توجه وطني معارض لسياسات الحكومة البريطانية ولحكومة النتداب وأحيانا يعبر عن معارضته لاختيارات الأمير السياسية , فضلا عن المعارضة السياسية النشطة للحكومات التي توالت على ادارة الدولة في كثير من القضايا والتوجهات .
كانت هذه المعارضة السياسية تتمركز في المجلس التشريعي أو تنعكس في الشارع السياسي , والأحزاب السياسية فضلا عن الصحافة والمنتديات والاجتماعات العامة . كان يمكن تسمية هذه الفترة" بالفترة الليبرالية " لو كانت اكثر تنظيما وغير خاضعة للهيمنة البريطانية . ولربما يمكن تسميتها بمرحلة " الديمقراطية العفوية" لأنها اعتمدت بشكل أساسي على نشاط الرموز الاجتماعية وأدوارهم في المجتمع وعلاقاتهم مع المؤسسة الرسمية . كانت في النهاية تعبيرا عن ارهاصات في التنمية السياسية سبقت استقلال المملكة الاردنية ورافقته وبدات تتطور بعده.
لذلك عندما حدثت نكبة فلسطين 1948, وتوحدت الضفتان الشرقية والغربية لنهر الاردن 1950 , بدأ النظام الحاكم في الأردن اكثر انغماسا وتدخلا في قضايا الاقليم وعلى رأسها القضية الفلسطينية , ومن ثم بدأ المجتمع يعبر عما تراكم لديه من تجربة وخبرة ومشكلات . ونظرا لطبيعة العلاقات المتشابكة مع دول الجوار العربي وسيادة منطق الأمة الواحدة ذات القومية الواحدة والمصير المشترك , تداخل العمل السياسي الوطني مع العمل السياسي القومي وكذا الرؤى و الافكار.
الأمر الذي ادى الى نشوء ظاهرة الاحزاب العقائدية ذات الفكر العروبي , أو الديني أو اليساري , مع حضور التوجه الوطني بطبيعة الحال.
ومع وضع دستور الوحدة 1952, انتظم عمل النظام السياسي الاردني و وضعت اسس ادارة الدولة , أي بدأت مرحلة الادارة السياسية المحترفة للدولة الاردنية المستقلة والموحدة , أو هكذا كان الاعتقاد عند النخب السياسية الوطنية. أما الاحزاب العقائدية فكان لها رأي مختلف . تجسد هذا الاختلاف بما يمكن تسميته " الديماغوجيا المعارضة" ( خطاب ايدولوجي بلا برامج سياسية واضحة و علاقات ولاء خارجية ) .فمع أن الحراك السياسي الاجتماعي كان نشطا جدا ومتاثرا بما يحدث في الدول العربية الاخرى سوريا ومصر والعراق على وجه الخصوص, وعلى الرغم من الصيغة شبه الليبرالية لدستور 1952 , الا أن محصلة مرحلة " الديمقراطية الفرصة" التي وفرها الدستور لم تدم , وانتهت الى الصدام بين الاحزاب والنظام الحاكم عام 1957, لتنهي معه المرحلة بأحكام عرفية , أحدثت تحولا جذريا في مسيرة النظام وطبيعة ادارته للدولة , وأصبحت مرحلة " الديمقراطية الفرصة " ذكرى مضيئة في التاريخ السياسي الأردني , تختلف بشأنها التقييمات والاحكام بين المهتمين ولكن ذلك الاختلاف ينحصر غالبا في التفاصيل وليس حول الاتجاه العام .
وكبديل عن التجربة " شبه الليبرالية " المجهضة في نهاية الخمسينات , اتبعت في مراحل لاحقة استراتيجيات مختلفة , تركز على مقولة ( الخبز بدل الحرية ) , وفي هذه الاستراتيجية رفع شعار " التنمية بدل الديمقراطية "* , وابتدأ الاردن يضع خطط التنمية لتطوير الدولة والمجتمع . وخلالها عرف الاردن أكثر السياسيين الاردنيين جراة وابعدهم نظرا وهو " وصفي التل " الذي كان صاحب مشروع تنموي اقتصادي وسياسي.

* خطة التنمية الأولى 1962-1970 , عدلت 1966 -1970
قطعت 1967 بسبب الحرب
خطة التنمية الثانية 1973- 1975
خطة التنمية الثالثة 1976 -1980
لكن هذه المرحلة لم تستمر طويلا, حيث جرى اعتراض تتطورها بمواجهة مع اسرائيل عام 1967, احتلت بها الضفة الغربية للأردن , مما رتب انشغالا واسع النطاق بالشان الوطني والاقليمي والدولي لجهة العلاقة الاردنية بالقضية الفلسطينية . وفي مثل هذه الظروف تتراجع أولوية الديمقراطية أمام سطوة الأحكام العرفية.

ومع ذلك لقد كان لنشوء حركات المقاومة الفلسطينية في بداية الستينات و تطورها بعد عام 1967 أثر بالغ على الاردن , داخليا وعربيا ودوليا , ومع اعتراف الاردن بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل لحركات المقاومة الا أن ( فوضى الديماغوجيا والسلاح ) سيطرت على الشارع الأردني وبدا الأمر وكأن الأحزاب التي شكلت حركات المقاومة تبحث عن الثأر السياسي من النظام الذي حظرها عام 1957 . وقد أدى التناقض بين الطرفين ( المقاومة والنظام) الى ما يعرف ب" صدام أيلول 1970" , ما اثر على العلاقة الاردنية الفلسطينية بشكل عام . وتجاوزا لهذه الحالة واتفاقا مع بعض الطروحات السياسية المتأثرة بالقطيعة بين النظام وحركة المقاومة الفلسطينية التي خرجت من الأردن الى لبنان , طرح مشروع " المملكة العربية المتحدة " لاعادة بنية الوحدة الأردنية الفلسطينية و ليس فقط لرأب الصدع الذي أحدثته أحداث أيلول 1970, وانما للتحضير لاحتمالات الوصول الى مشروع تسوية مع " اسرائيل " بشأن الضفة الغربية .
وكان ضمن أدبيات هذا المشروع صدور ميثاق وطني تم بموجبه انشاء ما يمكن اعتباره " حزب الدولة الاوحد " وكان تحت عنوان "الاتحاد الوطني العربي " ولربما كان يماثل في بنيته وأهدافه " الحزب الدستوري التونسي " ابان حكم الحبيب بورقيبة.
وطرح ضمن ادبيات هذا الحزب وفي الميثاق ما يعرف " بالديمقراطية الموجهة " أو الديمقراطية المسؤولة , اعتمادا على مفهوم الحرية المسؤولة . وعلى الاغلب ان الأردن اختار في ذلك الوقت " الضبط العام " عبر حزب سياسي - جسم سياسي- , كما كان عليه الحال في الدول العربية الاخرى , ذات الاحزاب الحاكمة مثل حزب البعث , أو الاتحاد الاشتراكي ... أو غيرها من النماذج.
لكن التجربة لم تنجح وانتهت بعد ثلاث سنوات , ما أدى الى انتهاء مرحلة النشاط السياسي الشعبي الحر أو المنضبط. وتبين أن أمن النظام والدولة يقتضي التركيز على الاجهزة الامنية للدولة واشراكها في ادارة الدولة وضبط السلوك العام . وهنا لم يعد الأردن استثناءا بين الدول العربية التي تحولت الى دول أمنية , بل أصبحت مفاهيم وعلاقات مؤسسات الامن الوطني وأدوارها ضرورة مركزية بالنسبة للنظام , وذلك لضبط دينامية المؤسسات والمجتمع وتوجهاتها.


مرحلة الدولة الأمنية: ( الضبط والسيطرة system of control):
تميز الاردن ولأسباب مختلفة , بفعالية أمنية , يوظفها النظام الحاكم عند الضرورة ويضبط بها الحراك السياسي والاجتماعي , وذلك تحت سقف من التسامح الممكن للتعامل مع مجتمع محافظ بطبيعته وذهنيته السياسية مع وجود قناعة ذات انتشار واسع بان أمن الدولة هو أمن النظام . وبالتالي فان امن الدولة والنظام هو الذي يمثل أمن المجتمع . وربما تكون هذه القناعة مرجعية للاختلاف في الدرجة بين ممارسات الضبط والسيطرة في الأردن عن مثيلاتها في الدول العربية الأكثر عنفا وتسلطا.
في ظل مركزية الدولة الامنية في الأردن , وبعد أحداث أيلول 1970 واتساقا مع التحولات السياسية الاجتماعية داخليا , تحول النشاط السياسي الشعبي من نشاط عام أو حزبي الى نشاط نخبوي . فانتشرت ظاهرة " الصالونات السياسية " و " المنتديات الثقافية " . وقد شملت هذه الصالونات والمنتديات في عضويتها كثير من المهتمين بالشأن العام , بالاضافة لبعض النشطاء السياسيين . وكان الكثير من بين هؤلاء وأولئك الطامحين للعب ادوار في الحياة الوظيفية او العامة , وكان هؤلاء جميعا يتصرفون ويتحدثون تحت ما هو متاح من سقوف .
بمعنى كان الضبط الامني حاضرا بشكل عام أو ضمن ما يعرف بالرقابة الذاتية كما هو الامر في الصحافة والاعلام.
في ظل الثقل الامني والاعتبارات المصلحية الذاتية نشأت ظاهرة " الانتهازية السياسية " وتمركزت حول رموز الحكم بغض النظر عما لو كانوا قادة سياسيين أو مجرد مدراء تنفيذيين . كما انتشرت أفكار الاصلاح والنصيحة مدعومة بادعاء الولاء والغيرة على مصلحة الوطن والنظام والشعب اذا لزم الامر وكانت الفرصة تسمح بذلك.
ومن هؤلاء وأولئك , كان يتم اختيار المسؤولين سواء كأعضاء في الحكومات أو أية وظائف ذات صلة بالقطاع العام .
وكان التطور الاقتصادي والتحسن الهامشي بمستوى الدخل ساعد على استقرار الأوضاع , سيما بعد فورة عائدات النفط وانتشار بعض فوائضها على المنطقة كلها بما فيها الأردن . ناهيك عن أن الاردن نفسه تبنى خططا تنموية باشراف ولي العهد في حينه الامير حسن الذي شكل بدوره حالة اجتماعية سياسية لنخبة تلتف من حوله.
في هذه المرحلة كان الحوار هو النشاط السياسي العام , وكان الوصول الى أي موقع في بنية السلطة التنفيذية نظرا لغياب السلطة التشريعية هو الطموح لكل راغب عن حق أو غير حق في المساهمة في العمل العام.
وكانت القاعدة المعمول بها امنيا هي الولاء قبل الأداء, والاختيارات تتحدد وفقا للولاء , وفي هذه المرحلة برزت اسماء ذات خلفيات مختلفة لتولي الوظائف العامة وبالتالي يجري توزيع الغنائم والمكاسب عليها أو بواسطتها على الآخرين. كما برزت صراحة جملة من الاسماء ذات مرجعيات أمنية لتولي السلطة بأعلى مستوياتها.
دامت هذه المرحلة ما يقارب عقدين من الزمان ( السبعينيات والثمانينات) استقرت بها قواعد عمل مستخلصة من التجربة ذاتها ويمكن العمل بها للمستقبل كاستراتيجية بعيدة المدى, وكان أهم هذه القواعد التوظيف السياسي للبيروقراطية , والمحاصصة الجغرافية والاجتماعية في توزيع المواقع الرسمية و شبه الرسمية . ( و في هذا المجال يمكن الحديث مطولا و ينصح بمراجعة كتاب الدولة الاردنية "الماهية و المكونات" للكاتب نفسه).
وبالرغم من كل انجازات نظام الضبط والسيطرة في الأردن , حدثت المفاجأة عام 1989 , وذلك عندما بدأت هبة معان , وانتشرت مفاعيلها حتى بلغت مختلف المدن الاردنية. مما اضطر النظام الحاكم أن يدعو لانفراجة ديمقراطية, بدأت بانتخابات مجلس نواب عكس كل ألوان الطيف السياسي في الاردن. وبالفعل لقد كانت لحظة كاشفة في التاريخ الاردني ,أظهرت ان حجم وعمق الاحتقان الشعبي على الفساد وتوق الشعب الى الحرية والمشاركة بلا حدود. لكن ذلك لا ينسجم مع الطبيعة الخاصة بالنظام الحاكم ولا يتوافق مع البرامج السياسية المزمع الالتزام بها في المنطقة , لا سيما بشأن القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي.
وهنا كان لا بد من التكيف مع المستجدات ,بل وتوظيف ما استحدث من النشاط السياسي للدولة ,وكان احتلال العراق للكويت حدثا أثار المنطقة كلها بلا ضوابط. وكان للأردن في مقدمة من يتعاملون بتوازن معقول مع الواقع في حينه, وهنا جرى توظيف المساحة الديمقراطية المتوفرة لدعم النظام في خياراته السياسية . وهكذا كان حتى بدا الملك حسين في ذروة شرعيته الشعبية , وبالرغم من العدوانية الغربية والخليجية على الموقف الأردني الا أن الفسحة الديمقراطية التي وفرت غطاءا شرعيا للملك وفرت كذلك الفرصة لاستئناف دوره السياسي الاقليمي.
ولهذا كان بمقدور الأردن الرسمي ان يحجز موقعه على طاولة المفاوضات بشأن الصراع العربي الاسرائيلي , وأن يتوصل الى اتفاقية خاصة به مع اسرائيل عام 1994 , ولكن ذلك لم يحدث الا باجراء جراحة داخلية لقانون الانتخاب تحول بموجبه من قانون سياسي الى قانون اجتماعي و سمي "قانون الصوت الواحد" , الذي أتى بمجموعة من النواب الممثلين لعشائرهم او مناطقهم والمؤهلين لتمرير اتفاقية السلام ( وادي عربة) مع اسرائيل . وهنا يمكننا أن نسمي هذه المرحلة وما تلاها " مرحلة الديمقراطية الاداتية".

مرحلة الديمقراطية الاداتية:

وهي مرحلة تجري فيها الانتخابات وليس مهما درجة نزاهتها , وانما سينجح بها من تتوسم الحكومة أو ربما تتأكد سلفا من أنه من أزلامها . وبهذا تضمن تمرير كل مشروعاتها بسلام حتى وان كان عاصفا أحيانا لوجود بعض الاصوات الا أن النتيجة المبتغاة تتحقق دائما .
وبذلك تحول شيئا فشيئا مجلس الأمة بشقيه مجلس الأعيان المعينيين ومجلس النواب المنتخبين , وكأنه أحد أفرع الادارة الحكومية . على الرغم من كل ما تقتضيه العلاقة الدستورية بين الطرفين.
ابتداء بالانتخابات وانعقاد الجلسات وطرح الثقة والمناقشات وعرض الموازنة السنوية للدولة , وممارسة النقد لسياسات الحكومة وكل ما يتصل بالعمل النيابي , الا ان كل النتائج تأتي وفق مشيئة السلطة التنفيذية .
و كأن البرلمان اصبح احد دوائر السلطة التنفيذية بالاردن. مع العلم ان مجلس الامة و بشكل خاص مجلس النواب يفترض ان يكون مركز الثقل السياسي في النظام البرلماني الذي يأخذ به الدستور الاردني المعمول به منذ عام 1952. هذا ناهيك عن أن المباديء الاساسية للديمقراطية الليبرالية تتوفر في التجربة الاردنية, فالشعب ينشط في الانتخابات وينتظم عدد منه في أحزاب تضبطها الحكومة , ويزعم الكل بانه يمثل الكل , ويعتقدون بمبدأ السلطة للشعب, و تدار الدولة عبر تقسيمات ادارية تعبر عن الحكم الذاتي او اللامركزي . فضلا عن أن الاعلام يقوم بدوره التبشيري خير قيام .
وكل هذه النشاطات والمؤسسات تحت سيطرة السلطة التنفيذية في الأردن لهذا تبدو وكأنها ادارات بيروقراطية لا سياسية , ومن هنا جاءت فرضيتنا الرئيسية في هذه الورقة بأن البيروقراطية بديلا عن الديمقراطية , وان صيغة الملائمة لمثل هذا التشخيص أو الافتراض ان صح التعبير هو ما نطلق عليه " الديمقراطية الاداتية ".
والمقصود بالديمقراطية الاداتية" من حيث المضمون انها تشمل كل مظاهر العمل الديمقراطي وتتوسع في تفويض العمل الاداري , وتنضبط في العمل السياسي ضمن توجهات محددة , وتسمح بالنقد ضمن حدود الرقابة الذاتية والرسمية وتقدم اعلاما تبشيريا دعائيا, وتسمح بانشاء أحزاب مدجنة سلفا ومنضبطة دائما , كما تسمح بتفريغ مؤسسات مدنية متعددة الاغراض وتعمل بحرية لا تتوفر لغيرها من المنظمات. وتغذي بنفس الوقت الحالات الاجتماعية الفئوية بما يوفر فرص توظيفها في الصراعات الداخلية اذا لزم الأمر, كما أنها بنفس الوقت تعمل على تفتيت البنى الاجتماعية التقليدية , ولا ننسى المنظمات المهنية كالنقابات والاتحادات من توظيفها لمصلحة السياسة الرسمية , ولكنها لا تسمح لها بالتضخم وامتلاك القدرة على الضغط على المؤسسة الرسمية سواء كان للضغط أبعاد سياسية أو مجرد طلبات مهنية.
الديمقراطية الاداتية, سمحت لتجميع الكثير من رجال الاعمال والمقاولين وأصحاب رؤوس الأموال الخاصة بالتواجد كجماعة ضغط وكجماعة سياسية في البرلمان . بمعنى أضفت التمثيل الشعبي على جماعات الرأسمال والسماسرة , وشرعنت معادلة - الامارة والتجارة - حيث فسدت الامارة والتجارة , كما أكد ابن خلدون.

الديمقراطية الاداتية, سمحت أخيرا بتجاوز ذاتها لحساب لجنة معينة للنظر في الدستور وفي قانون الانتخاب وفي قانون الأحزاب وفي أولويات الاصلاح السياسي , و وافقت على مخرجاتها , دون ان يتوفر أي سبب شرعي لذلك , ودون أن تعلم أنها حولت النظام السياسي الأردني الى نظام اوتوقراطي منفرد ويستعين عند اللزوم بنخبة أوليجاركية ( المجلس الوطني).
وبعيدا عن الغايات المستهدفة من هذا التحول والتي ورد ذكرها في مقال سابق للكاتب نفسه بعنوان ( لن تكون هناك مسألة اردنية ) حيث يبدو من التعديلات و ما سيتبعها من اجراءات انها تستهدف تحويل الدولة الوطنية الاردنية القائمة الى دولة غير محددة العنوان و الملامح و تقوم على تجميع شتات سكاني من مختلف دول الاقليم و يتضمن ذلك انهاءا للهوية الوطنية الاردنية و الهوية الوطنية الفلسطينية لحساب ما قدم تحت ما قيل عنه( الهوية الجامعة) . و لهذا هنالك سؤال شرعي لكل من يشارك في الديمقراطية الاداتية و في ما نجم عنها , و اينما وجدوا :في المؤسسات الرسمية أو الشعبية أو المختلطة أو في بيوتهم , هل ان ما يجري بفعل الديمقراطية الاداتية هو انهاء للدولة الأردنية كدولة اردنية ؟؟!! و هل انه تكريس للاستبداد ام عودة له ؟؟
فنحن لا نعتقد بأن الديمقراطية حتى و لو كانت تستند الى فهك ليبرالي متهافت يمكن ان تؤسس الى دولة وطنية قومية ديمقراطية يسودها السلام الاجتماعي و الحرية و العدالة و الرفاه كما يطرح في الحوارات النخبوية و الرسمية.
و الله و الاردن و الشعب الاردني و الحق من وراء القصد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أردوغان في العراق بملفات ساخنة! | الأخبار


.. شمس تستفز بدر صالح بتصريحاتها ??????‍??




.. الألعاب الأولمبية بباريس 2024: مصمم الشعلة الأولمبية يكشف سر


.. الرئيس الإيراني في زيارة رسمية لباكستان لتعزيز -التعاون-




.. ما ردود الفعل في إسرائيل على استقالة رئيس الاستخبارات العسكر