الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تساؤل : هل على الانسان العربي الاستقالة من الوطن؟!

عبدالله نقرش

2022 / 3 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


يتضمن العنوان التساؤل حكما قيميا مستفزا، فالاصل ان العلاقة بين الوطن والمواطن هي علاقة تماهي للذات وجودا وسلوكا و ولاءا للوطن، وانتماء لجماعة تاريخية محددة ومؤسسة على قيم الحرية والعدالة. تلك القيم التي يجب ان يحسدها الدستور والممارسات العامة المتوافقة معه، بما يولد قوة دافعة لانتاج امة او شعب من الاحرار المتساويين والملتزمين من اجل خلق حضارة سياسية مشتركة.
لكن سؤال الاستقالة او الاقالة للوطن منه او له، لا تطرح الا عندما يتواجه الانسان المواطن مع السؤال المركزي الذي يبرر وجوده كمواطن، من انا؟ ولماذا انا؟ وماذا يجب ان افعل في المجالين العام والخاص، حتى احظى بشرف المواطنة كما ورد اعلاه؟!
فعندما يقف الانسان على ارض تهتز تحت قدميه، وتحت سماء تمتد من الافق الى الافق فوق راسه.....
وعندما يعتقد نفر من الناس ان زمنهم ولى الى غير رجعة...
وعندما تنتهي الامال والطموحات في الخاص والعام.... الى الخيبة
وعندما يختلط الامر بين الحق والباطل...
وعندما يتولى الدخيل على الاصيل.... ويقع الامر في غير اهله...
وعندما يستبد الراعي بالرعية.... (حيث لا مواطنة)...
وعندما يرفض الواقع لاي سبب كان.....
وعندما يبحر القارب الى المجهول... وياتي القدر على نحو مفاجئ....
وعندما... وعندما.... يستقيل الوطن... او يستقيلون، لافرق....
في هذا الوطن... يحدث كل شيء ...ويتقادم الزمن.... وتعم الخيبات...ويختلط الواقع بالخيال...ويسافر الناس بلا وجهة... وتنعدم فرص الحياة او توشك...يقف الوطن على الحافة... ويتسائل ايستقيل ام يقبل؟! فالى اي مستقبل يمضي.. فاين يكمن الجواب؟...
قد تعرف البداية... ولكن النهاية مفتوحة.. فهل هنالك مايوحي بالمستقبل؟.
قد تصلح هذه المقدمة، لرواية تراجيدية.. ظنا من الكاتب انه يروي خيالا.. ولكن اليس في الواقع ماهو اكثر غرابة من الخيال؟!
فاين يقف النسان العربي ولا نقول "المواطن" اليوم؟
هل يجد مكانا تحت الشمس، لعالم يتشكل بقواه الفاعلة؟ هذه القوى اقوى من ان تكتفي بتدمير نفسها والعالم مرة واحدة والى الابد.. واغنى من ان تنقص ثروتها بالتوزيع على كل مليارات البشر...
واغزر معرفة وثقافة وعلما من ان يحيط بها الزمن الراهن وحتى المستقبل له من ذلك نصيب، يدركه القلة ولا تدركه الكثرة..
واوفر غذاء من ان تطعم كل الجوعى...
واوسع انفتاحا من ان تغلق على نفسها لو ارادت...
ولكنها اكثر طغيانا من الظلم نفسه، واكثر قسوة من الموت... فهي لا تقرره الا جماعيا او ابادة... واكثر جشعا من ان تترك فضلا لعابر سبيل .... واكثر عنفوانا من كل كبرياء ... واكبر حضورا وعظمة من كل ما يدب على الارض... فموطنها السماء والفضاء... فهل يمكن تصور اي نوع من العلاقة مع هذه القوى سوى التبعية؟!
هذا العالم الذي يحيط بهذا الانسان العربي المتواضع المحيط.. ولكنه يعيش ليرى . ربما...
يعيش في عالم عربي لا يرى له وجودامستقلا ... ولا مستقبلا... ثروته نهب للخارج القوي... وللداخل الفاسد ... وعلمه اسطوره او تقليد او تزييف .. او على هامش كتب المعرفه والعلم والثقافه ... كل اوطانه مهدده بالجوع حتى لو جرى صراع في دول تبعد الآف الاميال ... عن مركزه...
مغلق من الداخل ... وعلى الخارج... الا من اختراقات في كل مواضعه...
فما بين محتل غاشم قائم يتوسع ... ومابين مهيمن مسيطر على كل المفاصل... سواء كانت مواقع قرار.. او مواقع حياة...
في هذا العالم العربي... تفاقم في حركة التدمير لا مثيل لها في اي مكان, ولا مجال لاعادة اعمارها في اجيال...
يتساؤل الانسان العربي.. عن علاقته بالدولة كفرد او كمجتمع، ولايعرف وجها من وجوه الدولة الا القمع.. فالدولة تنفض عن المجتمع ... وكذا ينفض المجتمع عنها... فهو لا يعرف للان ماهي الطريق الى المجتمع الوطني..
المجتمع الوطني ..بلاطائفية ..بلاقبلية ...بلافئوية... بلاتمييز، مجتمع تتوفر له ادنى درجات الاندماج الاجتماعي الانساني المتعايش.. مجتمع تتوفر له قناعة بوحدة المصير التي تبرر استمرارية وجوده للمستقبل.. مجتمع تتوفر له سبل الدخول الى مرحلة الحداثة والتقدم ...كباقي المجتمعات الانسانية.
اما الدائرة الثالثة التي يتواجد فيها الانسان العربي، ويعتقد انه اكثر التصاقا بها، وهو يشعر بالغربة فيها، لاسيما ان هذا الشعور يتناسب طرديا مع مستوى الوعي السياسي والحقوقي والانساني الذي يتوفر له. فليس من المستغرب ان يشعر الانسان العربي بالاحباط, والنقمة احيانا ,لانه يدرك في نفسه وواقعه ,انه مجرد احد الرعايا, في كيان قروسطي للمجتعات البشرية، تديره او تسيطر عليه عائلة او طائفة، او اقلية، او مجموعة من الاوليغاركية العسكرية، والانكى من ذلك ان هذه الفئات لاتعتقد انها تحكم او تدير او تحتكر الدولة وانما تملكهاباحتكار.
هكذاوبكل بساطة, الدولة اقطاعية كبيرة بكل مافيها ويملكها الحاكم ومن والاه بلا اي مبرر شرعي, وتمثل حالة مقيمة من اللاشرعية ، هي جوهر العلاقة بين الانسان العربي ودولته, على الرغم من المزاعم اليومية في الاعلام وغيره من ان المواطن العربي هو سيد في التاريخ والراهن والمستقبل.!
وفي الحقيقة , يتسائل الانسان العربي، متى يمكن ان يصبح مواطنا؟ متى يمكن ان يدخل عصر الحداثة؟ متى يمكن ان يمارس دوره في المجال العام ، بحريه وفقا لاختياراته، ومتى يمكن ان يكون عضوا في امة او شعب سياسي سيد, وان يعي ذلك في حياته اليومية؟ بل متى يمكن له ان يشارك في ملكية موارد وادارة دولته بالاصالة او بالتمثيل، وله هوية يفتخر بها كما يتميز عن غيره من الناس؟
.................
بعد جملة الاسئلة الواردة انفا، حول مكان الانسان العربي في العالم،وفي عالمه العربي، وفي دولته الاقليمية، تستدعي المداخلة هنا، محاولة الاجابة. وبالقطع لن تكون الاجابة ذات طبيعة تراجيدية ذلك انها اقرب الى لغة العلم منها الى لغة الوجدان. فالوجدان مناطه مجرد انسان اما العلم مناطه الكيان. موضوعه الانسان حيث تتواتر خصائصه وصفاته وحياته ودوره في هذه الحياة.
الانسان المواطن السيد الحر الفاعل العضو في منظمة جماعية تمثل امه خُلقية حضارية تحدد ذاتها بذاتها.
وتبدا محاولة الاجابة من تركيب المعادلة الجذرية للانسان وحتى الامتدادات المرتبطة بها او المتفرعة عنها، وهي معادلة : المواطنة في دولة وامة قومية وحياة حره فاعلة.
ومعادلة المواطنة بماهي عليه اوبما ينبغي ان تكونه، تبدا من حق تقرير المصير الذاتي الذي يستوجب باالضرورة حق الحفاظ على الحياة، والسلامة الجسدية، والحماية القانونية، والمساواة في المعاملة، وحرية الاعتقاد والتعبير وممارسة النشاط الملائم لتحقيق الذات. وكل ذلك بعيدا عن القمع والعنف والحرمان، لايقيده الا الاجماع الذي يمكن تحقيقه من قبل جماعة من الاحرار المتساويين الذين يشكلون الامة. هذه الامة بوصفها امة هي حصرا صاحبة الحق بالتشريع اي صاحبة الحق بالسيادة. وحتى يتحقق ذلك لابد من ادارة منظمة للافراد والجماعات عرفت لغاية الان بدولة القانون والمؤسسات. التي هي الدولة القومية nation state دولة الامة.
وفي هذه الدولة لا يرسخ الوضع القانوني للمواطن الا بحقوق المشاركة السياسية. التي تجسد حالة مشتركة من التفاعل والتواصل بين البناء المؤسسي للقانون والتعبيرات الشعبية للراي والارادة من جهة المواطنين. وهذه الحالة الحضارية المشتركة والمستمرة تعتمد على دستور يستوعب كل التعدديات في المجتمع ويخلق ثقافة سياسية حضارية مشتركة. الامر الذي يؤدي الى حالة من الدمج السياسي والاجتماعي. بموجبه تتكرس التقاليد الحضارية بواسطة التاريخ المستمر والتامل بالتجديد، الذي من شانه ان يوجد وعيا قوميا واحد له هويته الخاصة التي يشعر فيها المواطن انه جزء من كل، وان العلاقات بين اعضائه تقوم على الاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل وبالقدر الذي يتساوى فيه المواطن مع المواطن الاخر. هذه الحالة من المواطنة هي التعبيرعن الاجماع الذي يمكن الوصول اليه من قبل جماعة او مجموعات من المواطنين الاحرار المتساويين الذي يؤهلهم لبناء كيان سياسي مستقر وفاعل. يضبطه الولاء للدستور, الذي يضمن الحقوق والواجبات وحقوق التواصل والمشاركة والتفعيل للجميع بحيث يشعر كل منهم انه يسهم في تقرير مصير الجماعة الوطنية.
قد يتسائل البعض عن الالتباس بين مفهوم الامة، او القومية، او الدولةالوطنية، او غيرها من المفاهيم، ومدى انطباق ذلك على الحالة العربية:
قد يفيدنا التذكير بان المطروح هنا , هو الدخول او التعاطي بالمنطق الحديث لموضوعنا, وان السلفية التاريخية لا تخدم مرحلة الانتقال الى الحداثة الا بالقدر الذي يرسخ العضوية في الجماعة التاريخية التي ننتمي اليها، اي الامة العربية.
اما وان الشكل الامبراطوري للدول لم يعد قائما حيث كانت تتوحد شعوب كثيرة متعددة تحت قيادة سياسية واحدة، الا ان البنيان الذاتي الذي عبرت عنه الدولة الاقليمية المركزية يعتبر حقيقة قائمة، لذا المعادلة الاكثر ملائمة هي السعي لتشكيل وعي وطني قومي خاص من جهة وجامع من جهة ثانية، تتحول بموجبه الدولة الاقليمية الى دولة قومية بالتعريف والعضوية، وكجزء من الاطار القومي العربي الجامع، تحت اي عنوان متفق عليه. وضمانة ذلك تحويل الدولة الى دولة ديمقراطية قومية متجانسة حضاريا لامكان فيها للاقصاء لاي سبب كان، مع التاكيد على ان وجود الامة الاعم هو حالة يومية تؤكد انتماء المواطنينن في الدولة الاقليمية على انهم مواطنون في دولتهم بغض النظر عن اصلهم العرقي، وبانهم جزء من الحالة الحضارية للامة العربية الاشمل.
فالوعي التاريخي للفكر والثقافة هو الذي يوطد اسس الهوية الجماعية على اي مستوى كان، كما يؤدي الى انتاج قومية مشتركة من حيث توحيد العقل والطاقة، وهذا يؤدي حكما الى الالتزام الشخصي والجماعي درجة بالتضحية المطلوبة في اي ظرف وطني .
من الممكن ان تكون هناك هوية سياسية لمواطني الكيان السياسي المحدد والديمقراطي، ومن الممكن ان تكون هناك هوية ثقافية حضارية يتم خلقها وتكريسها والوعي بها، عبر وسائل التثقيف والاعلام الحديثة. واذا كان سوء استعمال هذه الوسائل من قبل النخب السياسية قد يؤدي الى اضعاف الرابط القومي الوطني او العام، فان مسؤولية المثقفين العمل على تجاوز ذلك . ولهذا فالديمقراطية هي الشرط الاساسي لبناء الكينونة الافضل في الحالتين. ذلك ان الدفاع عنها هو دفاع عن الحرية والهوية. ومن المؤكد ان الشعب الذي يعتاد على الحرية سيدافع عن مؤسساتها، كما ان الشعب الذي يشعر انه عضو في اي جماعة تاريخية ويشكل جزءا من ماضيها ومستقبلها، وافكارها، وحضارتها، سيدافع عنها، وهو لاشك يعرف ان اللغة والحضارة والمؤسسات التي تدعم اعادة انتاج المواطنين في الدولة الاقليمية او في الاطار الحضاري العام، تستحق البدفاع عنها والالتزام بحمايتها حاضرا ومستقبلا.
ان الفرصة المتاحة تاريخيا لدخول الحداثة كعصر ومنجزات واوضاع وقبل ذلك كافكار وقناعات، تمر عبر دول حقيقية تقوم على اساس حقوق المواطنة كمؤسسة، وعلى الديمقراطية كمنهج لادارة البدولة والمجتمع، وعلى ثقافة سياسية حضارية تستوعب الجميع، وعلى الاعتراف المتبادل بقيم العدل والمساواة والحرية، وحقوق الانسان. وكي يتحقق ذلك لابد من الحوار في كيفية العلاقة بين السلطة والسياسة في العالم العربي، وهو حديث آخر سنتناوله لاحقا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سكان لبنان شعروا بزلزال تركيا وسوريا ويقولون -كانت ليلة رعب-


.. غزة.. فتيات الملاعب ينجحن في اختراق مجال الصحافة الرياضية •




.. زلازل مميتة ضربت تركيا • فرانس 24 / FRANCE 24


.. مفهوم الذكورة.. تونس: -الرجل يسقط في الماء ويخرج غير مبلل- •




.. الدوري الفرنسي: مرسيليا يسقط أمام نيس تاركا باريس سان جيرمان