الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الهجوم الايراني على اربيل ورسائله المتعددة لاطراف عراقية ودولية

نعمت شريف

2022 / 3 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


- تحليل سياسي على ضوء المستجدات العراقية والدولية -
جاء الهجوم الايراني بالصواريخ “البالستية” على اربيل،(1) عاصمة اقليم كردستان يوم 13 آذار-مارس بعد ساعات قليلة من اجتماع الحنانة في النجف بين اطراف الاطار التنسيقي والتيار الصدري، وفي اليوم الذي كان ينعقد في السليمانية اجتماع المجلس القيادي للاتحاد الوطني الكردستاني (2) لمناقشة الاوضاع الراهنة في العراق ومنها ملف الترشيح لرئاسة العراق ومواضيع مهمة اخرى. هذا في الوقت الذي تتعثر فيه مفاوضات المعاهدة النووية الايرانية الامريكية، وفي اجواء الحرب الروسية على اوكرانيا حيث تمارس الادارة الامريكية ضبط النفس وبحكمة وحذر عاليين لمنع توسعها الى حرب شاملة لا يربح فيها احد.
منذ فوز التيار الصدري والحزب الديموقراطي الكردستاني في الانتخابات العراقية الاخيرة وتحالفهما مع السنة لتشكيل حكومة اغلبية، وايران تحاول جهدها لاقناع السيد الصدر بالعدول عن حكومة الاغلبية والعودة للتوافقية لضمان حيزلنفوذها في العراق من خلال قيادات الفصائل والشخصيات التابعة لها (3)، وهؤلاء انفسهم هم الذين يدعمون الاتحاد الوطني لفصل السليمانية عن اربيل وتأسيس اقليم ثان.(4) وهنا يبدو الاستقطاب واضحا، حيث ان الاتحاد والفصائل المسلحة ويدعمهما ايران المتحالفة مع روسيا والصين والدول التي تدور في فلكهم، مقابل تحالف الحزب الديموقراطي مع التيار الصدري وتحالف الحلبوسي لتطوير العملية الديموقراطية في العراق والتي تدعمها الغرب والولايات المتحدة والدول الدائرة في فلكهم. تتمثل نقاط التماس الساخنة بين الطرفين هي اولا الحرب الساخنة المتمثلة في اوكرانيا وثانيا المفاوضات النووية بين ايران والغرب وثالثا العراق الذي يتجاذبه نفوذ الدول المجاورة والاقطاب العالمية.
جاءت القشة التي قصمت ظهر البعيرفي اجتماع الحنانة يوم 13 مارس 2022 عندما تفاجأ السيد الصدر بحضور احد الشخصيات البارزة الممثلة للنفوذ الايراني في العراق، وقرر ان يأمر بسحبه من الاجتماع كي يستمر على البرنامج المخطط له. وبوصول الخبر عن الاجتماع، نضجت الظروف المحلية والدولية لتوجيه رسالة شديدة اللهجة الى جميع الاطراف ذات العلاقة بالشأن العراقي. اولهم الصدر لتليين صلابته الوطنية وافساح حيز للنفوذ الايراني، وثانيهما الحزب الديموقراطي الكردستاني لتحالفه مع الصدر لانهاء الازمة السياسية في العراق من جهة ومن جهة ثانية ليعلمهم ان نفوذها في السليمانية مهمة وقد تؤدي الى شق حكومة الاقليم وتقسيم كردستان، وعلى الصعيد الدولي كانت الرسالة موجهة الى الولايات المتحدة رغم ادعائها انها استهدفت مركزا اسرائيليا في اربيل وليست السفارة الامريكية. وفي كلتي الحالتين لا يختلف الامر كثيرا لان ادارة الرئيس بايدن تحاول بشتى الوسائل حصر الصراع المسلح باوكرانيا تجنبا للدخول في حرب اكبر لا يحمد عقباها، وايران تعلم هذه الحقائق جيدا فمخططوا سياساتها من الحنكة السياسية والتجربة ان يستغلوا هذه الظروف مجتمعة لتعزيز نفوذها ليس في العراق فحسب بل لتعزيز مكانتها العالمية ايضا. ولهذه الاسباب جاءت الضربة الباليستية لاربيل على شكل اكبر عدد من الصواريخ تستخدمها ايران في العراق لحد الان،(5) وعدم استخدامها للطائرات المسيرة التي عادة تستخدمها الفصائل الموالية لها في توجيه رسائلها لكردستان وللقوات الامريكية في العراق. لقد اقلق هذا اسرائيل الى حد كبير لان الحرس الثوري اعلن بصراحة عن توجيها الضربة لاسرائيل سواءا كان هناك مركزا تابعا لها في اربيل او لم يكن، وصمت الولايات المتحدة في عدم الرد على هذه الضربة. علما ان ايران لم ترد في الماضي على ضربات اسرائيل لها ولتوابعها من الميليشيات وخاصة في سوريا.(6) لقد ادى القلق الاسرائلي الى ارسال ثلاثة من كبار مسؤوليها الى واشنطن للتباحث في هذا الامر. (7)
ان فشل ايران في محاولاتها المتكررة لاقناع الصدر ووضع خارطة التفاهمات الشيعية وخاصة ان الازمة السياسية العراقية قد تصل الى طريق مسدود مرة اخرى، في الوقت الذي توجه قرارات المحكمة الاتحادية للوصول الى حل يرضي الاطراف المتنافسة والخطاب الذي وجهته الصواريخ هو ان النفوذ الايراني جزء من الواقع السياسي العراقي ولا يمكن تجاهله. ولذلك نعتقد ان الحلول الوسط لا بد ان يعطي حيزا لجميع الاطراف ذات النفوذ الاقليمية والداخلية ومنها الميليشيات الممثلة للنفوذ الايراني والاتحاد الوطني الكردستاني للخروج امام الجماهير بما يحفظ ماء الوجه رغم فقدانها الحجم الانتخابي لطلباتها الراغبة في الحصول عليها. ولكليهما فصائل مسلحة ومدعومتان من ايران. ولذلك لابد من السيطرة على المسائل الخلافية في البيتين الشيعي والكردي ومنها مسألة رئاسة العراق، واشراك المالكي على خلفية الاتصال التلفوني بينه وبين السيد الصدر.
في الوقت الذي اعتبرت ايران ان اصرار السيد الصدر على رفض تدخلها في تشكيل الحكومة العراقية، قررت ايران وضع الواقع العراقي المزري نصب اعين الجميع فجاءت الصواريخ الاثنا عشر تتساقط على اربيل كاقوى رسالة الى اليوم تبعثها طهران الى جميع الاطراف. لقد خاب الذين ظنوا ان المصالحة بين الصدر والمالكي كانت مؤشرا لنهاية حكومة الاغلبية عندما اطلق الصدر تغريدته "لاشرقية ولاغربية...حكومة اغلبية". ان زيارات اسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس الايراني، العديدة الى العراق ومنها ثلاثة الى اربيل حيث المركز الاسرائيلي المزعوم! والاغرب ان طهران مصرة على مزاعمها حيث خرجت بتهديد جديد لاعادة الكرة اذا لم يطرد الاسرائيليون من كردستان ورغم نفي مجلس وزراء كردستان وجود اي مركز اسرائيلي في كردستان.(8)
وعلى ضوء هذه المستجدات، يحتاج العراق الى حكومة قوية والمزيد من التكاتف والتعاون والتحلي بروح الصبر والتضحية لمواجهة هذه التحديات، فسيادة العراق تنتهك المرة تلو الاخرى من قبل دول الجوار بلا رادع، حتى الوسائل الدبلوماسية المتاحة له لا تستخدم لضعف العراق ليس عسكريا فحسب ولكن الجبهة الداخلية ايضا لا تسمح للاخذ بهذا المنحى للدفاع عن سيادته. العملية السياسية العراقية تجربة في الديموقراطية تختلف عن سواها من حيث ان العراق اختار الانتخابات والبرلمان ونظام حكم جمهوري رئاسي لا يبتعد كثيرا عما يسمى بالملكية الدستورية من حيث ان رئيس الدولة مراسيمي والسلطة الحقيقية تتمثل في رئيس الوزراء، ولكن الوجة الاخر لهذه التجربة انها توافقية سياسيا ومحاصصاتية من حيث تمثيل المكونات الدينية والاثنية على امل ان يعطي هذا النظام درجة من التكافؤ الاجتماعي والاثني والديني لجميع مكونات الشعب العراقي وبذلك يتحقق افضل درجة من العدالة في توزيع الثروة والسلطة.
مما تقدم نعتقد ان الحلول الوسط المقترحة لتكون عادلة ولا تهضم حقوق الناخبين الذين ادلوا باصواتهم في احلك الظروف الانتخابية من معاناة ومخاطر لابد ان تأخذ بنظر الاعتبار الاستحقاقات الانتخابية كأن تقود الكتل الكبيرة الحكومة وبمشاركة الكتل والاحزاب الاخرى بالدرجة الثانية والثالثة كل حسب استحقاقة الانتخابي، اي انه لن يكون هناك معارضة بالمفهوم المتعارف عليه، ويكون الجميع مشاركين في الحكم. ونظرا للعدد الكبير من الاحزاب والكتل البرلمانية، ليس من السهل ارضاء الجميع، ولكن اللجوء الى العنف او التلويح به، والاستعانة بحلفائهم من خارج العراق، فهذا مدعاة للقلق على مستقبل العراق والعملية السياسية برمتها. الانتخابات وتشكيل الحكومة شأن عراقي بحت. ان المرتبطين بالخارج، يمكنهم ان يعبروا عن آرائهم في حدود مشاركتهم في الحكم عندما تكون هذه المشاركة حسب استحقاقهم الانتخابي. يقف العنف اوالتلويح باستخدامه على النقيض تماما من العملية الديموقراطية ولا يختلف عن عملية انقلابية للسيطرة على مقاليد السلطة بالقوة، ولكن هؤلاء اذا فشلوا في الاستيلاء على السلطة (كاية محاولة انقلابية فاشلة وخاصة اذا ثبت ارتباطهم بالخارج) فلا بد ان يتعرضوا للمساءلة القانونية وانزال العقوبة بهم لمحاولة تقويض الديموقراطية). وهذا يحتاج الى حكومة صلبة في المبدأ ودبلوماسية حكيمة في التعامل مع الاخرين والدول الاقليمية والعالمية وتضع الوطن والنظام الديموقراطي فوق الجميع.
اذا كان هذا النموذج الافضل على سبيل الفرض وهذا ما نعتقده، فلماذا لا تتبع المكونات هذا النموذج ايضا، كأن يتراجع الحزبان الرئيسيان في كردستان عن مواقفهما المتشددة لتوحيد الخطاب الكردي بتقديم الاتحاد الوطني مرشحا غير الرئيس الحالي ومنصب اخر وتنازل الديمقراطي الكردستاني بسحب مرشحه لرئاسة العراق ، او ان يحدث العكس، ان يسحب الاتحاد الوطني مرشحه للرئاسة لصالح مرشح الحزب الديموقراطي مقابل المشاركة في منصب سيادي في كردستان لكي نبتعد قليلا عن مفهومي الربح والخسارة والعمل بالتوافق على ضوء نتائج الانتخابات الاخيرة. التوافقية غير المناصفة التي تلغي نتائج الانتخابات الى حد كبير، وتفرغ الديموقراطية من محتواها. التوافقية تعطي الاولية للاوائل في الانتخابات والاخرون بالتراضي كل حسب حجمه الانتخابي وتلغي المعارضة كما في الديموقراطيات الاخرى الى حد كبير. وهذا ينطبق على المكونين الاخرين الشيعة والسنة، وينال كل ذي حق حقه، والامل يحدونا في تشكيل حكومة قوية يدعمها الجميع ويعملون على انجاحها لخدمة الوطن الحر والشعب السعيد.
______________________
المصادر والملاحظات
(1) تبنى الحرس الثوري الايراني يوم الأحد 13 من شهر آذار الجاري، ألهجوم على اربيل بـ 12 صاروخاً باليستياً “بعيدة المدى”، والتي سقطت في محيط القنصلية الأمريكية ومحطة كوردستان 24 بمصيف صلاح الدين، وأسفرت عن أضرار مادية.
(2) اجتماع الحنانة (حيث مقر السيد الصدر) بين الاطار التنسيقي والتيار الصدري يوم 13 مارس 2022.
(3) الاطار التنسيقي المتمثل في الفصائل بزعامة هادي العامري، ودولة القانون بزعامة نوري المالكي، وكلاهما غير مرغوبين فيهما من قبل التيار الصدري، ويشار الى ان السيد هادي العامري لم يكن مرغوبا فيه للمشاركة في اجتماع الحنانة.
(4) لقد قال نوري المالكي اكثر من مرة انه لابد من دعم الاتحاد الوطني لتعاونه مع الحكومة في استرجاع كركوك والمناطق المتنازعة عليها، ولهذا لا بد من دعم الاخوة في تأسيس اقليم ثاني في السليمانية للحد من نفوذ الحزب الديموقراطي الكردستاني ورئيسه مسعود البارزاني في العمل على استقلال كردستان وانفصالها من العراق.،
(5) كانت ايران قد اطلقت في 8 يناير 2020 11 صاروخا على قاعدة عين الاسد الجوية، حيث كان يتمركز 2000 جندي امريكي بغرب العراق.
(6) اسفرت غارة اسرائيلية قبل ايام قرب العاصمة السورية دمشق عن مقتل عنصرين من الحرس الثوري الايراني ويعتقد انهما كانا ضابطين برتبة نقيب.
(7) صوت العراق، 17 مارس 2022، قلق إسرائيلي من "تصعيد" إيراني بعد استهداف أربيل. "أعرب ثلاثة من قادة الجيش والمخابرات الإسرائيلية خلال محادثات مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية، عن قلقهم من امتناع واشنطن عن الرد على الهجومين الإيرانيين الأخيرين اللذين استهدفا مرافق أميركية في سوريا والعراق. وحذّر القادة الثلاثة من أن «طهران تفهم عدم الرد هذا على أنه (ضعف أميركي)، وهذا لا يليق بالولايات المتحدة وحلفائها وسيزيد من أطماع نظام خامنئي لمزيد من الضربات. وأفادت مصادر أمنية، أمس، بأن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أهرون حليوة، يزور واشنطن منذ أربعة أيام، مشيرة في الوقت نفسه إلى عودة رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، رونين بار، من زيارة عمل في واشنطن. واشارت الى توجه نائب رئيس اركان الجيش، هيرتسي هليفي، الى واشنطن، اول من امس."
(8) نفي مجلس وزراء إقليم كوردستان، برئاسة مسرور بارزاني، أن الموقع الذي استهدفه الحرس الثوري الإيراني في محافظة أربيل، كان موقعاً مدنياً وليس قاعدة إسرائيلية. وابدى استعداده لأي تحقيق عربي أو دولي. كما استدعت وزارة الخارجية العراقية، السفير الإيراني لدى بغداد، إيريج مسجدي، وابلغته احتجاجها على استهداف أربيل عاصمة إقليم كوردستان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تيكي تاكا مع مي حلمي | محمد بسيوني محترف مصري في النمسا يكشف


.. العملات المشفرة .. رحلة مجهولة نهايتها | #ريل_توك


.. تونس..مقتل عناصر إرهابية وجرح عسكريين اثنين في القصرين




.. ترامب: التقارير بشأن تفتيش منزلي في فلوريدا بسبب وثائق نووية


.. تعرض الروائي سلمان رشدي للطعن في العنق في ولاية نيويورك