الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


طرطارة - تحسين - أي موتوسيكل تحسين

فلورنس غزلان

2022 / 3 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


تحسين رمز من رموز المخابرات أو بالأحرى " الأمن السياسي " في عهد الوحدة المصرية ــ السورية، وكانت تدعى آنذاك " المكتب الثاني " . كان له صولة وجولة يمضي جل نهاره متنقلا بين مكتبه خلف السرايا الحكومي بدرعا طبعاً، وبين " الجمارك على الحدود السورية ــ الأردنية .
كلما سُمع صوت " طرطارته " يجري كل أبناء الحي مسرعين بالاختفاء أو الاختباء خوفاً منه !!! ، مروره يثير الرعب في نفوس الصبية فما بالك الكبار .
عادت عائلتنا من هجرة قصيرة إلى الأردن بعد أن قضى المرحوم والدي حوالي السنة في السجن وأغلقوا باب رزقه " أي المقهى والمطعم الذي يملكه في منطقة الجمارك الحدودية، وبعد أن وقع بشكل مبدئي المرحوم " شكري القوتلي " على التنازل لعبد الناصر عن الرئاسة لتصبح سورية فيما بعد " القطر الشمالي لدولة الوحدة "، والسبب أن المرحوم والدي كان ينتمي للحزب القومي السوري آنذاك.
مما اضطره لمغادرة البلاد تحت جنح الظلام والتسلل نحو الأردن طالباً اللجوء السياسي، لم يعد لنا معيل ، ويبدو أن والدي استطاع تدبير طريقة ما يمكن من خلالها لشقيقتي الكبرى " عفاف" ــ كانت آنذاك في الصف الخامس الابتدائي بحيث أنها في أول خميس من كل شهر ترافقها والدتي وكأنهما تبحثان عن " خبيزة أو عكوب أو أي نوع من الحشائش ،تحمل سلة صغيرة تضع بها الحشائش ...ثم ماتلبث أن تجد إلتفافة خلف تلة من التلال بحيث لاتعد الجمارك على مرآى منها,تشير من هناك بينما ترقبها والدتي إلى سيارة من سيارات الأجرة التابعة لسكان الرمثا " أعتقد أن ضابطا من ضباط الحدود الأردنية قد أعطاهم مواصفات شقيقتي وأوصاهم بها خيرا وبأن يحملوها لمكتبه حين تركب معهم ...ويكون والدي بانتظارها في مكتب الضابط الذي لازلت أذكر زياراته لنا فيما بعد و نناديه " عمو سيفو ".
بعد عودتنا قبل انتهاء الوحدة مع مصرمن خلال عفو خاص تقدم به المرحوم جدي لعبد الناصر عند زيارته لدرعا، بالطبع رغم ذلك ، بمجرد دخولنا الجمارك السورية نزلنا جميعنا نحو بيتنا القريب جداً، والتقينا بأقاربنا ، لكن والدي توجه فورا لمكتب الأمن ونقلوه من فورهم إلى سجن" المزة "بدمشق وبقي لمدة شهرين " للتحقيق"!
ثم عاد حراً طليقاً، بعد وصولنا المنزل بيوم واحد حضر إلى بيتنا " المدعو تحسين " للتحقيق معنا كأسرة ، حتى أنا وكنت الأصغر بين أخواتي أصر على حضوري ماعدا فوزي تركه يلعب في الخارج، وراح يسأل الجميع وأولهم أمي وعفاف ، كان مبتسما ، دمثاً ، هاديء الطبع كهدوء ثعلب يتربص باقتناص غنيمة دسمة، هدأ من روع عفاف قائلا : " أتعتقدين أني لم أكن على علم بزياراتك المكوكية لوالدك في الأردن في أول خميس من كل شهر ؟ وانت يا أم فوزي ألم تكوني مرافقة لها حتى تتأكدي من ركوبها سيارة من سيارات الرمثا؟ ....أسقِطِ بيد الاثنتين كلا منهما تنظر للأخرى وترتجف.... حتى أنا علمت لحظتها بزيارات عفاف ــ لكنه قال : لا لاعليكِ لو أردت إيذاءكم لفعلت في حينها....لكني كنت أغض النظر عنكما فالأسرة يجب أن تأكل...أنا أريدكم أن تعطوني رأيكم بكيفية تعامل الأردن وأهله معكم وكيفية استقبالهم لكم ...سألني عن مدرستي ومعلماتي هناك ، وبالطبع كنت أحبهن جميعاً وحزنت لفراق مدرستي ومعلماتي ، خاصة أني كنت مدللة عندهن بحكم كوني الأولى في صفي ...والله هذه حقيقة ـــ لكن فرحتي بالعودة لبلدي كانت أقوى...ركز على والدتي بحكم كونها من أصول أردنية وكل اخوالي وخالاتي كن هناك طبعا وجميعهم وقف إلى جانب اللاجئين " القدامى " أمثالنا ...
شرب تحسين قهوته وكل صبيان الحي يتلصصون على بيتنا تملأهم الخشية من بطش تحسين بنا، وما أن دارت الطرطارة حتى اختفت العيون المتلصصة خلف الجدران....غادرنا مودعاً بحرارة وابتسامة...ومن بعد كرت سبحة الأسئلة علينا: هل فعل لكم شيئاً؟ هل كان قاسياً هذا الملعون ؟ مالذي يرده منكن ؟....الخ
ولم يصدقوا أننا كنا بخير وأن الرجل كان في منتهى اللطف والدماثة معنا !
بعد شهر فقط ...اختفى تحسين أبو الطرطارة.....وبدأت الأخبار تأتي من الأردن فقد كان هذا التحسين " عميلاً أردنياً مزروعاً في المكتب الثاني لحكم الوحدة المصرية ــ السورية يوصل كل المعلومات بشكل يومي لمعلميه هناك وهذا سر تنقله اليومي بين الجمارك والمكتب ...وهذا هو سر لطفه ودماثته وغض نظره عن تسلل أختي للقاء والدي في الأردن.
نفلح كثيرا في التجسس على بعضنا ونفشل أمام العدو ...فمن قبل تحسين وصل" كوهين " للوزارة في دولة البعث .
من دفاتر مذكراتي ـــ فلورنس غزلان








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بسبب قلة المعاشات التقاعدية.. كبار السن في كوريا الجنوبية يض


.. المشغولات اليدوية.. مشروع لأيتام غزة




.. احذر! هاتفك القديم خطر على صحتك


.. قطار يخرج عن مساره يتسبب بحريق هائل قرب حدود أوهايو وبنسلفان




.. الاتحاد الأوروبي يصادق رسميا على تحديد سقف للمنتجات النفطية