الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رواية عائد إلى بياضة جماع الفنون 2

الكبير الداديسي
ناقد وروائي

(Lekbir Eddadissi)

2022 / 3 / 28
الادب والفن


نتابع النبش في الرواية والفنون وبعد الجزء الأول من مقاربة رواية عائد إلى بياضة باكورة الروائي المغربي محمدخراز نسلط الضوء في هذا الجزء على انفتاح هذه الرواية على فنون أخرى(الزخرفة، النقش، النحث، والغناء) على أن نختتم هذه السلسة في مقال ثالث قادم
3 - النقش والزخرفة
لم تقتصر رواية "عائد إلى بياضه" على العمارة كفن عام، بل وقفت على ما يميز بعض المباني من نقوش وزخارف، يقول السارد في وصف جمال نقوش وزحرفة سينما "لو كوليزي" (مبهر حقا هذا الجمال بياض الجدران الناصع، والزخارف المبهجة على الجبس وسحر السقف الخارق بقبة زجاجية قرمزية اللون تحفها من كل جهاتها نقوش على شكل اغصان وورود واوراق شجر لوحة فنية تبعث الانشراح والطمأنينة في نفس الرائي...) لتسعى الرواية إلى النبش في جذور تلك الزخارف من خلال جواب رفيقة السارد الفرنسية جوزيت: (...السقف الذي أبهرك بمدخل المنشأة مستلهم من الأسلوب القوطي ، وهو نمط فرنسي في عن العمارة ... عرف انتشارا واسعا بأوروبا وخارجها وقد اعتمد هذا الأسلوب أكثر وأوسع بالكنائس والمعابد) ... وأكثر من ذلك حاولت الرواية ربط بعض النقوش بأصول أسطورية (النقوش التي تزين المعابد والكنائس لها أصول قديمة ... إنه سحر بدايات الفكر الإنساني الذي مثلت الأسطورة صلبه ...) هكذا تربط فن التوريق بأسطورة يونانية: (الدارسون لعلم الحضارة وتاريخها يعلمون بأن أوراق الأقنثة التي تزين الأسقف وتكون سرادقا بهيا يحيط بالأعمدة الرخامية الضخمة في الكنائس والقصور والمؤسسات الكبرى هي هبة ... من أبداع أبولو إله الفن والشعر والجمال الذي افتتن بعشق دافني التي لم تبادله نفس المشاعر ولما سعى إلى ضمها إليه خدشته بأظافرها في وجهه، ومن شدة غضبه وحنقه عليها مسخها إلى نبات شوكي (الأقنثة) ومنذئذ مثلث ورقة هذه النبتة مصدر إلهام للرسامين والنحاتين فانتشر رسمها على الخشب والجبس وتألق استعمالها في العصور الأولى زمن الإغريق والرومان في تزيين قمم الأعمدة والسواري الضخمة وسينتشر استعمال هذا الرسم في كل بقاع العالم... وستصل هذه الزخارف العالم الإسلامي عن طريق الشام .... وسيذاع استعمال هذه الرسوم في نقوش الخشب والجبس والخزف عبر العالم تحت مسمى زخرفة التوريق) ...
إن رواية "عائد إلى بياضه" حافلة بالكثير من النقوش التي تزين بعض الفضاءات المفتوحة العامة، أو المغلقة الخاصة التي تحركت فيها الشخصيات، أو تعلو بعض الأدوات التي استعملتها تلك الشخصيات من أقمشة وأوان فخارية أو غيرها يقول السارد في وصف صندوق لالة الطاهرة (صندوق غاية في جمال الصنع، تحفة من خشب الأرز تعلوه نقوش بارزة ولامعة بألوان طبيعية... صندوق فاسي بديع لم ينل الزمن من زخرفته ورونقه الساحر)
4 - النحت:
بيدَ أن النحت من أقدم الفنون التشكيلية؛ فهو ثاني أقدم فن تشكيلي بعد العمارة من حيث النشأة، وأقدرها تعبيرا عن الجمال بإنتاج مجسّمات ثلاثية الأبعاد، ولم ترتبط نشأته بالحاجة كالعمارة وإنّما تداخلت في نشأته عوامل روحية دينية وثقافية، فلربما كان الدافع البعيد وراء قيام أول إنسان بصنع تمثال من الحجر رغبته في أملاك الشيء الذي يمثّله التمثال أو رغبة في دفع الشر عن نفسه، أو جلب الخير إليه.
ورغم قدم هذا النحت في الثقافة الإنسانية فإنه يكاد يكون فنّاً مستحدثاً في الثقافة العربية الإسلامية، بل لا زال، لأسباب يتعالق فيها الثقافي بالديني يصارع لإثبات وجوده، لذلك طبَعي أن يكون حضوره في الرواية العربية قليل، لكن ذلك لا يمنع وجود عدد من الروائيين الذين حاولوا توظيف النحت وبعض المنحوتات في رواياتهم، سواء على أغلفة الروايات، أو بالإحالة على النحت في عناوين الروايات، أو تفاعل أبطال بعض الروايات مع تماثيل في الفضاءات التي تحركت فيها تلك الأبطال ...
وسنكتفي في هذا المقال بإشارات قصيرة لتوظيف النحت في هذه الرواية، من ذاك وقوف بطل رواية "عائد إلى بياضه"على كل من تمثال السيدة كركاس بفرنسا الذي قال فيه السارد (يجسد التمثال النصف العلوي من جسد السيدة كركاس براس ضخم يُكلّله تاج ثبت فوق ثوب يغطي شعرها وأطرافا من وجهها الممتلئ بوجنتين سمينتين وأنف رحيب، وبدا جيدها مكتنزا وصدرها سخيا يطل منه ثديان مكوران برزا بروز محارب يتأهب للنزال" وتذكره لتمثال ملك المغرب الراحل محمد الخامس الموجود ببهو قصر بلدية آسفي والذي قال فيه السارد: (تمثال محمد الخامس بآسفي غاية في الجمال ودقة متناهية في الإبداع، يكسوه البياض بكامله مع ما يضفيه اللون الأبيض من طمأنينة وإحساس بالصفاء والنبل، بلباس مغربي أصيل يمتطي محمد الخامس صهوة جواد أبيض، يمسك بيده اليسرى لجام الفرس ويمناه مبسوطة تحيي الجماهير)
وقد استغل السارد وقوف البطل على هذين التمثالين وزيارته لبعض المتاحف ليغوص في التاريخ ويسرد أحداث ووقائع حول صاحبي التمثالين، والغاية من تخليد بعض الرموز، ليقارن بين الثقافة الغربية والثقافة العربية في تعاملهما مع فن النحت.... فلما حكت له بطلة الرواية قصة التمثال الذي يقف شامخا في ساحة مدينة كاركاسون بفرنسا ولاح أمامه طيف التمثال الذي خلد به المغاربة بطل ورمز استقلالهم لم يجد إلا أن يقول لها: (في بلادي لم نحسم بعد ، ياسيدتي، طبيعة علاقتنا بالتماثيل. قد نسمح بها مرة وقد نحرمها مرات أخرى، نرغب في إنجازها ونسعى إلى إقامتها، لكننا نحرص على أن تبقى التماثيل مقيدة في سجلات المتاحف أو رابضة في الأركان الظليلة لبعض المؤسسات، بعيدا عن المجال العام، الأمر فيه غموض والتباس جمّان.)
5 فن الغناء
قارئ رواية "عائد إلى بياضه" يدرك من الصفحات الأولى الأهمية التي أولتها الرواية للغناء، من خلال تفاعل الأبطال مع هذا الفن، وتتبع تفاصيل حياة المغنيين، وتصوير مجالس الطرب والسهرات، وعلاقة الغناء بالسياسة ودور الغناء في تنمية أحداث الرواية وسنكتفي ببعض الإشارات حول ثلاث مغنيات جعلهن السارد يتشابهن في مسيرتهن الفنية وفي الوظيفة حتى كدن أن يكن نسخا طبق الأصل يقول: (هناك ثلاث نسخ لأم كلثوم النسخة الأصلية بمصر، والثانية بفرنسا هي إيديت بياف والثالثة توجد هنا بآسفي هي أم كلثوم العيطة الشيخة فاطنة بنت الحسين ) طريقهن في الغناء لم يكن مفروشا بالورود، وتسلقهن لسلم الشهر لم يكون سهلا، ف(قد تتغير بهارات وسياقات التاريخ من فرنسا إلى مصر مرورا بالمغرب لكن الجوهر يبقى واحدا كما البؤس واحدا) ... ولجت كل واحدة منهم الغناء، وسخر لهن القدر من يأخذ بأيديهن نحو الشهرة. يقول السارد (سيقود القدر لثلاثتهن من يشد بأيديهن ويضع فنّهن على قاطرة الشهرة والنجاح، ستصل أم كلثوم إلى صالونات القاهرة الباذخة... على يد زكريا أحمد وأبو العلا محمد. وتنتقل بياف من التسكع بشوارع باريس إلى الغناء في الملالهي الليلية برعاية رجل الأعمال لويس لوبي ، لتنتقل إلى الغناء بدور الغناء الباريسية الراقية على يد المبدع ريموند اشو... أما فاطنة بالحسين فسيقدر لها أن تصادف شيخات طباعات وعازفي كمان مهرة يبهرهم صوتها الشجي وينتهي بها المقام في حي فناني العيطة بآسفي حي الكورس)
ومن ملامح التشابه بينهن أنهن كنت يقمن الحفلات في ذات الآن (في السنة الماضية كانت إديت بياف تلملم جراحها وتكمل مسارها بتقديم النسخة الإنجليزية للأغنية الشهيرة "الحياة بلون الورد" وفي ذات السنة كان صوت أم كلثوم يصدح في حديقة الأزبكية بجديد ثمار عشق أحمد رامي شعرا "جددت حبك ليه" حينها بدأ اسم فاطنة بنت الحسين ينتشر ويتألق ... بأدائها المتفرد لرائعتها المفعمة بالتمثلات الصوفية الشعبية "عيطة مولاي عبد الله") ... وعلى الرغم من شهرتن وجمال صوتهن فإنهن لم يكن على قدر كبير من الجمال : (الغريب والعجيب أن ثلاثتهن لم يكن لهن حظ كبير من الحسن والجمال، كان جمالهن يسكن في حناجرهن...)
ورغم التشابه الكبير بينهن فإن الرواية رصدت الاختلاف حول صورة المغنية بين المجتمع العربي وصورتها في المجتمع الغربي، فبينت أن إيديت بياف كانت مقبولة في مجتمعها ولم تتعرض لانتقاد لاذع مثل ما تعرضت له فاطنة بنت الحسين نظرا للصورة التي كونها المجتمع عن الشيخة، مع ذلك ناضلت واستمر في الغناء مضلت الفن وعاشت دون زوج أسرة وأبناء... وكذلك تعرضت أم كلثوم نقد لاذع من الفقهاء ف(ارتفع صوت السيد قطب في مقال ناري يقصف فيه أم كلثوم وغيرها من مشاهير الغناء يصف أصواتهم بالبئيسة والمدنسة والمفسدة للعقول بل حملها ما أصاب الحياة الشعورية والقومية من تفكك وانحلال وفساد ضمير الشعب) .
الرواية عكست بحق معرفة الكاتب الدقيقة بحياة المغنيينن، وتفاصيل حياتهم وحيثيات بعض الأغاني، فقد حضر السارد لعدد من الحفلات والسهرات التي أحيتها الفنانات الثلاث، وساهم هذا الحضور في تنمية ذائقته الفنية، وفي توطيد علاقته بصديقته التي ستصبح زوجته، كما ساهمت في تنمية أحداث الرواية وفي ربط الماضي بالحاضر وخلق مقارنات بين ال"هنا" وال "هناك" وبين ما يقع الآن وما وقع أيام الصبا في الماضي، يقول السارد لصديقته معلقا على حفلة لإديت بياف : (لن تتصوري وقع حفل الليلة على نفسي ولا كيف هزني وحملني إلى مرابع الصبا بآسفي وأدخلني إلى الزوايا المعتمة بكنيسته)
بالاحتكاك وحضور الحفلات صار السارد يتذوق الفن، ويعرف تفاصيل حياة الفنانين مما يعكس ثقافة موسيقية وغنائية لدى السارد وصادر يدرك كل تجديد لنلاحظ كيف علق على إحدى خفلات بياف: (... الجزء الأخير أعيد تركيبه موسيقيا من قبل الملحنة وعازفة البيانو مارغوريت مونو وهي من الطاقم الفني الذي رافق بياف منذ بدايتها وواكبها ورسم لها طريق الشهرة والمجد. كلمات الأغنية كتبتها إيديت كإعلان صريح عن عشقها الملتهب لمارسيل سيردان ...)
وصار يدرك كيف يوظف العناء في السياسة من خلال تتبع علاقة أم كلثوم بالنظام الملكي وما جره عليها تتويجها بوسام ملكي من وبال غداة نجاح ثورة الضباط الأحرار قبل ـن تحتضنها الثورة وتوظف صوتها لصالح الثوار يقول السارد (فصارت أم كلثوم تمجد الثورة وتتغني بمنجزات زعيمها، وأنشدت شعر بيرم التونسي أغنية "يا جمال يا مثال الوطنية" وأغنية "قم" للشاعر صلاح جودت ولحن رياض السنباطي...فتوطدت الوشائج بالنظام الجديد وصارت أم كلثوم تتردد على بيت الزعيم بعد أن أصبحت صديقة حميمة للسيدة "تحية كاظم" حرم السيد الرئيس) .
كما رصدت الرواية التوظيف السياسي لسهرة أم كلثوم بقاعة بالألمبيا في فرنسا؛ سواء من خلال الشعارات التي رفعت قبيل واثناء السهرة، أو في حرص أم كلثوم أن ربط السهر بدعم المجهود الحربي لبلادها، أو من خلال الحماس المبالغ فيه لمقدم الحفل التي خاطب الجماهير بقوله (إن تنظيم هذا الحفل هو نصر سياسي كبير للعرب وأن أم كلثوم التي تشدو اليوم في باريس عاصمة الأنوار سيترفع صوتها عاليا في القريب بالقدس المحررة) وهو ما أحال السهرة حسب السارد إلى ما يشبه ( المهرجان الخطابي )
هكذا يبدو إذن أن رواية "عائد إلى بيّاضة" جعلت من فن العناء تيمة أساسية بل وهي تلامس فن العيطة وأداء فاطنة بنت الحسين استنتجت أن فن "العيطة في آسفي ليست مجرد غناء"
....... يتــــــــبــــــــع..........................








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أم كلثوم تجمع 100 ألف جنيه من حفلتها بالمنصورة لصالح المجهود


.. فيلم -جروب الماميز- يحصد 117ألفا و579 جنيها فى أول أيام عرضه




.. ليلة -صوت الأرض-.. أكبر حضور فني لتكريم الفنان السعودي الراح


.. شبكات| ممثلة فرنسية جزائرية تنتقد صور المغاربيين المهاجرين ا




.. التشرّد والأطفال -مجهولو النسب- ظواهر تغزو المناطق السورية،