الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما يشبه القصة

اسماعيل شاكر الرفاعي

2022 / 4 / 8
الادب والفن


نقلت مكبرات الصوت صوت الخطيب الى فضاء الشارع ، فسمعته بوضوح رغم ضجيج السيارات ، فتحققت أمنيته القديمة في ان يكون اسمه على كل لسان كخطيب مفوه . لقد انفق وقتاً ليس بالقصير على دراسة فقه اللغة ، ودراسة تطور مفرداتها وأساليبها ، لمعرفة سر تأثير بعض الخطب وفشل الاخرى في تحقيق التأثير المطلوب .
هل يعود السبب الى طريقة اختيار المفردات ، أم الى الصياغة ، أم ان الإلقاء والحركات الجسدية المصاحبة له ينطويان على سر التأثير ؟
تذكرت ما كتبه في صحف المهجر عن تأثير الخطابة السحري على مستمعيها ، فاستدرت لادخل القاعة التي يخطب فيها لأرى بنفسي ذلك التأثير . تسمرت عند باب الدخول من هول المفاجأة : اذ لم ار امامي مستمعين قد شدت الخطبة رقابهم بقوة الى حيث يقف الخطيب . وحدهم الجالسون على كراسي الخط الاول ، وهم عادة من قادة الحركة التي يقودها الخطيب ، مشدودين اليه ، اما بحر القاعة المتلاطم بالذكور من جميع الإعمار : فقد رأيتهم احراراً من اي تأثير ، يجلسون او يقفون بطريقة عفوية ، يتهامسون الى بعضهم ويتراسلون بالإشارات . وهذا يعني ان الخطبة لم تلامس شغاف قلوبهم وتزرع فيهم ما كانت تزرعه الخطب التي نقلها الينا الموروث من خوف ورهبة ، وتحمل مستمعيها على طاعة السلطان ( الحجاج ) او على الخروج عليه ( قطري بن الفجاءة ) . ولذا قررت البقاء في القاعة والاستماع للخطبة بالكامل ، الا انني ، وانا اشنف السمع لكلماته اكتشفت بان الخطبة خالية مما تبثه الخطب الحديثة من آمال ووعود ، وانها محشوة بالكثير من الشعر والنثر القديم الذي لم يزد المستمعين الا نفوراً ، فاللغة القديمة لم تعد معشوقتهم التي تحتضن همومهم وتعبر عن حاجاتهم اليومية واحلامهم بيسر وسلاسة ، لقد اخترعوا لغة اخرى قريبة من مداركهم وتفكيرهم ومشاعرهم ، ومستقلة عن لغة السادة الموروثة ببلاغة خاصة بها : مضمرة في صياغاتهم الادبية الجديدة كالشعر الشعبي والبوذية والدارمي يسمونها : " الحسچة " ، وهو معنى غاطس يجيد اصطياده وإخراجه صوت الشاعر المتمرس بتلوين صوته . لم يدرك خطيبنا ضرورة هذا التلوين الصوتي ، وظل أسيراً لمنهج دراسته القديمة التي ترى ان احد اجزاء الخطبة ينطوي على سر تأثير الخطبة ، ولم ينظر الى الخطبة على انها نص واحد متساند المكونات : تفقده التجزئة تأثيره ، وهكذا رفرف صوته في سماء القاعة لا كصوت طائر جريح نازف بالقلق والتساؤل بل رفرف بغنج ودلال ، ممزوجاً باصوات طيور الكناري ، وبصوت خرير ماء الوديان الصغيرة في الجبال البعيدة . في حين ان المناسبة التي يخطب فيها تتطلب من صوته ان يكون مزلزلاً كقصف الرعود وكتفجر البراكين وكعصف الرياح الهائجة لكي يحمل مستمعيه على الطاعة او على التمرد . وكلما نهض واحد من شعراء الحسچة وهتف باسمه ، اهتز جسده طرباً مع ايقاع الهوسة وهي تتغنى بأمجاده وبحسبه ونسبه . " لقد ربحت الجولة " يهمس الى نفسه فرحاً كطفل ، ويضيف " هذا بفضل استغلالي لإمكانيات مكبرات الصوت التي نشرت خطبتي على فضاء اوسع من الرصافة ، فقد تكون خطبتي عبرت النهر الى الكرخ ، وقد يكون سمعها الجمع الخير من نواب ووزراء وقضاة ومستشارين في الخضراء ، هؤلاء الذين يشنفون السمع دائماً لما اقول ، فالكثير منهم اشاد ببلاغتي وبعمق تحليلي ، وباصالة وفرادة الحلول التي اقترحها في كل خطبة ، "
ملحق / 1
لقد منحت تكنولوجيا مكبرات الصوت بعداً للصوت البشري لم يصله يوماً صوت بلال الحبشي . كيف يتجرأ هذا الخطيب وسواه على جعل اصواتهم البشرية تتجاوز المسافة التي كان يقطعها صوت " مؤذن الرسول " ؟
اين حرمة المقدسات ؟ لقد اصبح صوت بلال مقدساً منذ اللحظة التي أمره النبي فيها بتسلق الكعبة ، والجهر بالأذان من فوقها في يوم معلوم هو يوم : فتح مكة .
ملحق / 2
تتحرك عمامة هذا الولد على رأسه من كثرة تحريك اعضاء جسده وهو يخطب ، وتتحرك عمامة هذا الولد على رأسه وهو يمشي قافزاً كالغربان ، وكثيراً ما كان يرفعها ليهرش شعره وهو جالس في مكتبه ويعيدها اليه : ولكنه يسارع الى تثبيتها على رأسه حين يتشمم خبراً يتعلق بتقرير مصير قصور منطقة " الكرادة " ودورها الفارهة . فالعمامة الى جانب مكبرات الصوت منحاه هوية أسطورية صنعت من قيادة حزبه كتيبة تتحرك في كل طرق وزوايا الكرادة لتنفيذ اوامره بسرعة البرق ، وهو يأمر بالاستيلاء على دور وقصور منطقة الكرادة : واحدة بعد الاخرى ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بيتر ميمى يطرح برومو -شلبى- قبل عرضه 4 يناير ويعلق: فيلم لكل


.. أيام قرطاج المسرحية.. أزمات المسرح التونسي والعربي تتصدر اهت




.. أزمات المسرح التونسي والعربي تتصدر اهتمامات أيام قرطاج المسر


.. فعاليات مهرجان الجزائر الدولي للسينما تستمر في تحدٍ لمنافسات




.. سينما -كل شي ماكو: فيلم عراقي يرصد الأسى الذي لحق بالعراقيين