الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مائة عام من العزلة

محمد زكريا توفيق

2022 / 4 / 14
الادب والفن


رواية "مائة عام من العزلة"، لغابرييل غارسيا ماركيز، هي تاريخ ماكوندو، وهي بلدة صغيرة في منطقة غير مسماة من أمريكا الجنوبية. مؤسس البلدة، هي عائلة بوينديا. تتبع الرواية سبعة أجيال من العائلة، مع صعود وسقوط البلدة.

تبدأ الرواية بقتل جوزيه أركاديا بوينديا لرجل أهانه. فقام هو وزوجته أورسولا بترك بلدهما الأصلي، وظلا يجولان في البقاع لمدة طويلة، إلى أن رأى جوزيه في أحد الليالي، رؤية، عن بلد جل جدرانها من المرايا. تعكس أضواء العالم كله. لقد وجدا بلدة أسمياها ماكوندو، وهي مكان أحداث الرواية.

جوزيه وأورسولا أنجبا أبناء، والأبناء أنجبت أحفاد، والأحفاد أحفاد، إلى أن نصل إلى سبعة أجيال لنفس العائلة. لكن حالا سيظهر آخرون. أولا، الغجر، بعد ذلك جنود الحرب الأهلية، ثم جاءت السكة الحديد، وبعدها الرأسمالية، والانفتاح.

ثم جاءت كولومبيا، لكي تفرض ملكيتها على ماكوندو. هذا استدعى السياسة، والحرب والثورة والعنف، وأحداث غريبة مثل سنوات الأرق وعدم القدرة على النوم. في النهاية، تخرب ماكوندو، وتصبح خاوية على عروشها.

الرواية مليئة بالجنس، العنف، الخيانة، القتل، الإعدامات، الأحداث الغريبة، حتى سقوط البلدة، مثل سقوط الامبراطوريات العظيمة. حالا كل شيء سوف يمحى بالكامل. الجيل الأول يموت بالموت العادي. الجيل الثاني وحتى الرابع، بسبب الحروب. الخامس، بسبب أبنائه. الأخير بسبب الأمطار والنمل.

الرواية بها الكثير من الشخصيات المميزة. لكنهم يموتون، ويستعاض عنهم بآخرين. لذلك، هي صعبة على القارئ العادي. لا يعرف ماذا تعنيه الرواية. ومن هو البطل الحقيقي فيها؟ لكن البطل الحقيقي في الرواية، هو الجدة أورسولا.

في البداية، أصبحت أما، ثم جدة، ثم أم الجدة، إلخ. والتي عاشت لكي تتخطى المائة عام، وهي تشاهد زوجها وأولادها وأحفادها وأحفاد أحفادها، يموتون بين يديها الواحد تلو الآخر. بسبب تقدمهم في السن، أو بسبب غباوتهم وطيشهم.

الرواية نموذج مصغر لتاريخ البشرية. تركز الأحداث على بلدة واحدة، وعلى عائلة واحدة. تاريخ ماكوندو، هو تاريخ البشرية. منذ كانت الأشياء ليست لها أسماء. إلى أن جاءت الرأسمالية.

الزمن نسبي. يبطئ ويسرع، يتمدد وينكمش بالأحداث خلال الرواية. يذهب الرجال إلى بيوت البغاء للاستشفاء. وعند الولادة، يفحص الطفل هل له أم بدون ذيل؟ لأن الناس تخاف من تحول من له ذيل إلى قرد.

هناك حكاية يحب غابرييل غارسيا ماركيز أن يرويها عن روايته الأكثر شهرة، "مائة عام من العزلة". يدعي أنه كتب الرواية أثناء دراسته في المكسيك، بعد أن رأى رؤية.

في أحد الأيام، بينما كان هو وزوجته وأطفاله في سيارتهم متجهين إلى أكابولكو في المكسيك، رأى أنه "عليه أن يروي قصته بالطريقة التي اعتادت جدته أن تروي بها حكاياتها. وأنه عليه أن يبدأ من عصر ذلك اليوم، الذي أخذ فيه الأب طفله لكي يريه الثلج".

رجع بالسيارة عائدا على الطريق السريع، ولم يصلوا أبدا إلى أكابولكو. ثم حبس نفسه في غرفته. وبعد خمسة عشر شهرا، خرج ومعه الرواية مكتوبة، ليلتقي بزوجته وهي تحمل كومة من الفواتير. تبادلا الأوراق، وتم إرسال النسخة المكتوبة في البريد إلى ناشره. ويقال إنه لم يكن معه أجرة البريد، فاضطر إلى إرسال نصفها الأول، على أن يتبعه بالنصف الآخر حين ميسرة.

لاقت رواية "مائة عام من العزلة" بعد صدورها عام 1967 نجاحا شعبيا لا يصدق. في مرحلة ما كان يعاد الطبع كل أسبوع. ثم تم نشرها باللغة الإنجليزية عام 1970، وفازت بالعديد من الجوائز في مختلف البلدان. كما فاز غابرييل غارسيا ماركيز بجائزة نوبل للآداب عام 1982.

رواية "مائة عام من العزلة"، تعتبر أعظم أعمال ماركيز، فضلا عن كونها تحفة أدبية. أصبحت تمثل نقطة تحول بين الحداثة، وما بعد الحداثة. كما أنها مهدت الطريق لنجاح روائيين آخرين من أمريكا اللاتينية، مما جعلها تمثل نهاية الهيمنة الغربية على الرواية الحديثة.

مثل كل ما كتبه ماركيز، هناك بعض الحقائق والكثير من الخيال في هذه الرواية. من هذه الحقائق، أنها رواية شخصية للغاية للمؤلف. لم يكن ليكتبها لو لم يمر بأحداث الطفولة التي عاشها. رواية أخرى لماركيز، "الحب في زمن الكوليرا"، كتبت بناء على قصة حب والديه التي أثمرت عن زواج و11 طفلا.

نشأ ماركيز مع جديه من الأم في أراكاتاكا، كولومبيا. كان الجدان ابني عمومة، انتقلا إلى أراكاتاكا في نهاية حرب الألف يوم (1899-1902).

تحكي حكايات طفولة ماركيز عن منزل كبير مليء بالأشباح، والمحادثات بالشفرة، والأقارب الذين يمكنهم التنبؤ بميعاد موتهم. كان أيضا منزلا مليئا بالضيوف والمناسبات الاجتماعية، مظللا بأشجار اللوز ويعج بالزهور.

عندما توفي جد ماركيز، تم إرساله للعيش مع والديه. بعد غياب جده، لم تعد جدته، التي قاربت على فقد بصرها، قادرة على العناية بالمنزل أو بالحفيد. لذلك، ترك البيت للخراب، وقام النمل الأحمر بقتل أشجاره وزهوره.

في وقت مبكر من طفولة ماركيز، شهد مذبحة عمال الموز المضربين في مزرعة تدعى ماكوندو عند محطة القطار. بذلت الحكومة كل محاولة لحجب المعلومات عن شعبها وتهدئة أصحاب المزارع الأجانب. كان ماركيز مرعوبا، وشعر برعب أكبر، عندما وصل إلى المدرسة الثانوية، وعلم أن الحدث قد تم حذفه من كتاب التاريخ المدرسي.

الرواية تبين العديد من هذه العناصر. ليس هناك شك في أنه لولا نشأة ماركيز في أراكاتاكا، وكونه مستمعا ومراقبا جيدا منذ طفولته، لما كتبت الرواية ورأت النور. من ناحية السياق، الرواية هي حنين ماركيز الشخصي للطفولة، ولأجداده، ولمنزل كبير، مليء بالأشباح والمرح ودفئ العائلة.

من ناحية أخرى، فإن الرواية تعبر عن معتقدات ماركيز السياسية، وعن حقائق مريرة، في معظم الأحيان، عن النشأة في بلد فقير نام مضطرب. لقد نشأ ماركيز في كولومبيا، ذات التاريخ الاجتماعي والاقتصادي الطويل والمأساوي، وتعلم شيئا عن السياسة والاقتصاد في وقت مبكر.

كولومبيا هي دولة من 50 مليون نسمة، تقع في الجزء الشمالي الغربي من قارة أمريكا الجنوبية بالقرب من خط الاستواء. معظم سكانها كاثوليك. مشهورة بالبن والأدب والوجه الحسن.

ولد ماركيز عام 1927، وتوفي عام 2014. اشتراكي كان وثيق الصلة بفيديل كاسترو، الزعيم الكوبي السابق. في عام 1976، تلقى ماركيز لكمة في وجهه من أديب آخر من بيرو، حاصل على جائزة نوبل في الآداب، هو ماريو فرجاس لوسا، بسبب علاقة ماركيز بزوجة ماريو.

في محادثاته مع كتاب أمريكا اللاتينية الآخرين، كان الروائي المكسيكي كارلوس فوينتيس، هو أحد الكتاب الذين قدموا لماركيز عدة تعليقات ونصائح بخصوص الفصول الأولى للرواية، جعلته يعدل من وجهات نظره بخصوص الكتابة والسياسة.

كثيرا ما كان يقول "إن الواجب الأول للكاتب، هو الكتابة بشكل جيد". وهو يعني أن الكتابة يجب ألا تكون نقدية بعنف. لكن، ليس هناك شك في أن التاريخ الاقتصادي لأمريكا اللاتينية، وهو تاريخ مرير من الظلم وعدم المساواة والاستغلال، كان له تأثير حاسم على جميع كتاباته.

كان لنهج ماركيز في كتابة "مائة عام من العزلة"، الذي يجمع بين ذكرياته وخياله، مع جماليات مركزة، وعين على التاريخ المأساوي لبلاده، تأثير لا يقاس على كتاب العالم الثالث في جميع أنحاء العالم.

لقد جاء ماركيز في خضم طفرة الكتابة الأدبية في أمريكا اللاتينية. وتم الاعتراف به على الفور كواحد من أرقى الكتاب، إن لم يكن الأرقى، الذين ظهروا في تلك الفترة. الأهم من ذلك، أن الرواية قد عبرت كل الحدود، لتصبح من أكثر الكتب مبيعا، وتصبح ظاهرة عالمية. حتى كتاب أمريكا اللاتينية الذين لم يكونوا على وفاق مع ماركيز، لم يستطيعوا أن ينكروا أنه قد وجه انتباه العالم الأدبي إلى أمريكا اللاتينية.

لقد حققت الرواية نجاحا تجاريا، ونقدا إيجابيا فوريا، عندما ظهرت عام 1967. ومنذ ذلك الحين، تمت ترجمتها إلى 30 لغة، وبيعت منها 30 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم.

سار كتاب آخرون، من دول العالم الثالث، على خطى ماركيز، للفت الانتباه إلى بلدانهم ونضالات شعوبهم. وكما تقول الناقدة ريجينا جيمس: "لم تتبن رواية العزلة المنظور الغربي المتفوق، ولم تقلد صورا أجنبية متخيلة".

لقد حول غارسيا ماركيز الحيرة والغضب إلى عمل يثير العجب، وبين غرابة الواقع للعالم الخارجي. لذلك نرى تأثيره اليوم في كتاب مشهورين مثل توني موريسون من أمريكا، و"في إس نابيول" من ترينيداد.

ما الذي جعل "مائة عام من العزلة"، رواية ناجحة للغاية، وجعل مؤلفها مشهورا بين عشية وضحاها؟ هناك ثلاثة أسباب رئيسية:

أولا، الرواية لها أسلوب مميز. إنها رواية رائعة حقا. بها أحداث لا يمكن تخيلها: امرأة شابة تأكل الطين وبياض الجير بعد أن تنزعه من الحيطان. وتصعد أخرى إلى السماء، تحملها رياح العاصفة.

ثم رجل تتبعه سحابة من الفراشات أينما يسير، بينما يقوم آخر بعمل اشكال سمكية من الصفيح. ويعيش الناس ليتخطوا المائة عام سنا، ثم يموتون ويبعثون. يتم ربط هذه الأحداث بصوت واثق وخيال جامح وأسلوب رائع. وكما كتب ماريو فارغاس يوسا: "لقد كسر الخيال قيوده، وركض بعنف وحمى، وتخطى كل التجاوزات".

ثانيا، تحقق الرواية هدف غارسيا ماركيز المتمثل في تصوير أراكاتاكا، التي قضى فيها طفولته. في الرواية، أصبح اسم القرية "ماكوندو". تمتد الرواية على مدى قرن من الزمان، هي تاريخ القرية. بدءا من إنشائها، ثم تتتبع حياة مؤسسيها، عائلة بوينديا، إلى أن تم تدميرها نهائيا بالفيضان والنمل.

ثالثا، تدمج الرواية الكثير من تاريخ كولومبيا وسياستها. لذلك، يمكن تفسير الرواية على أنها تمثل التاريخ العام لكولومبيا كأمة. وفقا للناقدة الأدبية ريجينا هامز، لاحظ ماركيز ذات مرة أن القارئ الذي لم يكن على دراية بتاريخ بلاده، كولومبيا، قد يقدر الرواية على أنها رواية جيدة، لكن الكثير مما يحدث فيها لن يكون له معنى بالنسبة له.

"مائة عام من العزلة"، ليست رواية نموذجية من حيث أنه لا توجد قصة واحدة ولا جدول زمني واحد. المؤلف، غابرييل غارسيا ماركيز ، لديه أسباب موضوعية حاسمة للبناء غير العادي للرواية. إنه ينوي إظهار أن التاريخ يتحرك، ليس فقط في دورات، ولكن أيضا في دوائر.

لهذا السبب، لا توجد شخصية رئيسية واحدة يمكن التركيز عليها، ولا تتبع الرواية تسلسل زمني واحد منتظم. قد يكون هذا في بعض الأحيان مربكا للقارئ. في محاولة لجعل الأمور أقل إرباكا، أدرج ماركيز شجرة عائلة في بداية الكتاب، ثم يضيف اختلافا طفيفا على هذه الأسماء لكل شخصية مختلفة.

أنت لا تقرأ الرواية بحثا عن قصة وحبكة. أنما عن خبرة، وعن معنى الوجود الإنساني، مع الاستمتاع باللغة الجميلة. قراءة الرواية تجعلك تشعر بأنك جالس أعلى التل، تراقب الناس وهي تغدو وتروح.

لكن تلمح بطرف عينك أورسولا الجدة. فهي هناك دائما، قوية رحيمة وظريفة. في ماكوندو أو في كولومبيا أو في العالم كله. هي رفيقة القارئ طول الوقت. حتى لا يشعر بالعزلة وهو يقرأ مائة عام من العزلة.

ملخص رواية "مائة عام من العزلة":

أسس بطريرك العائلة خوزيه أركاديو بوينديا بلدة ماكوندو مع زوجته أورسولا إيغواران. ولأن خوزيه وأورسولا، كانا أبناء عمومة، لديهما خوف من إنجاب أطفال بذيول خنزير. وسيبقى هذا الخوف طول الوقت.

لسنوات، لم يكن للمدينة أي اتصال بالعالم الخارجي، باستثناء الغجر الذين يزورون من حين لآخر، ويبيعون تقنيات مثل الجليد والتلسكوب والمغناطيس. بطريرك العائلة، خوزيه أركاديو بوينديا، متهور وفضولي. يحاول تحويل المعادن إلى ذهب فيفشل.

هو رئيس العائلة، لكنه أيضا انعزالي، ينفر منه الجميع، بسبب انشغاله وهوسه بالعلوم والأمور الغامضة. هذه السمات الشخصية ورثها أحفاده طوال الرواية. يفقد خوزيه عقله في النهاية، مما يجبر رجال البلدة على ربطه بشجرة.

يتم اظهار نقاط قوته وضعفه بين رجال بوينديا، بدءا من ابنيه خوزيه وأوريليانو. يرث خوزيه قوة والده الهائلة وعجزه. أما أوريليانو، فيرث إحساسه الأخلاقي القوي وتميزه.

يذهب كل من هذين الرجلين إلى أقصى حدودهما. يبلغ خوزيه أركاديو مفتول العضلات أقصى قوته، ثم يموت في ظروف غامضة بعد اغتصابه للأراضي. ويصبح أخوه أوريليانو، المعروف في الرواية باسم العقيد أوريليانو بوينديا، واحدا من أعظم المتمردين، وأكثرهم شهرة في البلاد، أثناء فترة طويلة من الحرب الأهلية.

بلدة ماكوندو، التي كانت ذات يوم جنة بريئة، تنفتح على العالم الخارجي خلال فترة الحرب الأهلية. خلال هذه الفترة يأتي الموت وسفك الدماء أولا إلى باب ماكوندو. لا تزال البلدة مرتبطة بالعالم الخارجي بسبب شهرة العقيد أوريليانو بوينديا.

على النقيض من زوجها، فإن أورسولا إيغوران، هي امرأة عملية جدا، تمتلك الكثير من الحس السليم. إنها نشطة عنيدة، عاشت طويلا لدرجة أنها لم تعد تعرف كم مر بها من السنين. لقد قضت جل عمرها في رعاية أفراد أسرتها.

لسوء الحظ، لا تضاهيها امرأة من عائلة بوينديا في شجاعتها وجلدها. ابنتها أمارانتا، عنيدة بالنسبة للأمور الشخصية، في حين أن حفيدتيها، ريناتا وأمارانتا، تمتلكان طاقتها لكن لا شيء من حسها السليم. إن فشل الأجيال القادمة في امتلاك مزايا أسلافهم، قد تسببت في تعثر العائلة مع عصف الأحداث وإدخال الحداثة إلى ماكوندو.

يأتي الرأسماليون البيض إلى ماكوندو، ويبدو أنهم قد اغتصبوا القدرة الإلهية على تغيير الفصول وتدفق المياه. لقد أقاموا مزرعة موز استغلت سكان ماكوندو. عندما احتج العمال وأضربوا، تم إعدامهم جميعا بشكل منهجي في مذبحة رعتها الحكومة. كان خوزيه أركاديو سيغوندو، أحد أبناء بوينديا، منظما رئيسيا. لذلك، لم يستطع مواجهة العالم بعد هذا الحادث.

بالنسبة لماكوندو، جلبت لها مذبحة الموز تغييرا كبيرا. لقد بدأت الأمطار ليلة المذبحة ولم تتوقف لمدة اقتربت من خمس سنوات. أزاحت مزرعة الموز وتركت ماكوندو في حالة من اليأس. لقد فقدت البلدة الفقيرة أهميتها وحداثتها، وأصبحت في حالة تراجع مستمر.

تعجل الأمطار بسرعة سقوط البلدة وتراجعها. كبار السكان، أضاعوا جهودهم ودفنوا أحزانهم بالحنين إلى الماضي والفخر به. الشبان والأصغر سنا، انغمسوا في الفجور والمخدرات والعزلة عن الواقع.

مع تخلي الكل عن البلدة، يستسلم آخر أفراد العائلة لزواج المحارم، فيولد لهم طفل بذيل خنزير. في نهاية الرواية، يتم اكتشاف أن تاريخ عائلة بوينديا، مقدر ومكتوب منذ البداية في اللوح المحفوظ، وأنهم ليس لديهم فرصة ثانية لتغييره.

ملاحظات على الرواية:

الحداثة:
هذا الموضوع مهم بشكل خاص للفصول التي تتناول مزرعة الموز. في غضون بضع سنوات فقط، تتحول ماكوندو من البرك الراكدة النائمة، إلى مدينة حديثة بشكل مخيف، بسبب التكنولوجيا والاستغلال الاقتصادي والغزو الأجنبي.

وصول الآلات والتقنيات الزراعية الجديدة لم تجعل ماكوندو مكانا أفضل للعيش فيه. في الواقع، قد ازدادت الأمور سوءا عن ذي قبل بالنسبة لسكانها. هذا يعني أن التكنولوجيا الحديثة، لا معنى لها من دون تحسين أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية. الحداثة يمكن أن تتحول إلى وحش كاسر، إذا كانت بدون خطة، تراعي الفوارق الطبقية والاقتصادية بين الناس.

العزلة:
معظم أفراد الرواية، تركوا جميعا وحدهم. وظلوا منسيين لسنوات. البلدة نفسها معزولة عن العالم الخارجي. في نهاية الرواية، يخلص الراوي إلى أن سكان بوينديا هم جنس محكوم عليه بالعزلة. الفرصة تأتي مرة واحدة، بالتالي لن يحصلوا على فرصة ثانية للتقدم.

يشرح ماركيز موضوع العزلة بعدة طرق مختلفة. إنه يحتج على عزل العالم الغربي لشعوب العالم الثالث، وحرمانها من الوصول إلى موارد العالم المتقدم وتقنيته. هو أيضا يبين أن العزلة، مدمرة لكل من الفرد والمجتمع ككل. العلاج، هو الانفتاح على العالم الخارجي، الذي يؤدي إلى تحسين أوضاء الناس، وليس بالانكفاء والتقوقع والرجوع إلى الماضي.

الدين:
غالبا ما يكون الدين المنظم في الرواية، موضوعا للنكات والسخرية. بشكل عام، ينظر ماركيز إلى الدين المنظم بريبة. من يمارس الدين، كعلاقة بين العبد وربه، مثل أورسولا، تعامل بمزيد الاحترام والتقدير.

الوقت:
بالنسبة للشخصيات في الرواية، يتردد مرور الوقت بين السرعة والركود لسنوات. يكبر الأطفال بسرعة، لكن عندما يبلغون، يتخلى عنهم الكبار، ويتركونهم مع المرارة وحنينهم للماضي لسنوات متتالية.

فيتخلى الزمن عن العقيد أوريليانو بوينديا بعد الحروب الأهلية، وعن خوزيه أركاديو سيغوندو. كلاهما محبوسان في معمل الغجري ميلكيادس، يرفضان الاتصال بالعالم الخارجي الحي. في سنواتها الأخيرة، عندما تفكر أورسولا في عائلتها، يبدو أن الوقت يتحرك في دائرة.

يتحول الأطفال الجدد إلى ما يشبه أسلافهم، لكن مع طفيف من التغيير وبعض العيوب أو القوة. الوقت يمر حقا، لكن في دائرة. وبدلا من التطور إلى الأمام، يدمر الوقت عائلة بوينديا. ما يريد أن يقوله ماركيز في روايته، هو أن الزمن يسير في دورات، وأن الناس لا تتقدم إلى الأمام دوما، بل في دوائر، لذلك يجب اقتناص الفرصة قبل أن تفوت.

زواج القربى:
زواج القربى هو دليل آخر للعزلة. الأطفال المولودين من زواج القربي قد يولدون بذيول الخنازير. وهذا يحدث حينما تنكفئ المجتمعات على نفسها وترفض الانفتاح على الخارج.

في نهاية الرواية، يولد طفل بذيل خنزير. بالنسبة لمعظم الأسر، لا يشكل زواج القربى تهديدا كبيرا. إلا أنهم غير قادرين على الهروب من منزل العائلة، وغير قادرين على النظر خارج أنفسهم. إنهم منعزلون للغاية. في الأساس، زواج القربى، يعني إبقاء أفراد الأسرة داخل الأسرة. هذا يجعل عائلة بوينديا منفصلة تماما عن العالم من حولها.

الواقعية السحرية:
غالبا ما يصف النقاد كتابات ماركيز بأنها "واقعية سحرية"، بسبب مزجه بين الحقيقي والخيال. توازن الرواية بعناية بين العناصر الواقعية للحياة، مثل الفقر والأعمال المنزلية، مع اساطير، مثل أسطورة الكاهن الطائر في الهواء.

الحضارة:
لاحظ بعض النقاد أن الرواية تتبع أيضا مسار الحضارة اليونانية الكلاسيكية، مع تسجيله الدقيق لكيفية ومتى يأتي العلم والفن والسياسة إلى ماكوندو، وسبب حدوث العزلة، ورؤية ماركيز الشاملة لماكوندو كعدسة يمكن من خلالها رؤية كل التاريخ البشري وكل الطبيعة البشرية.


الأوبئة:
يأتي الوباء مرتين على الأقل إلى ماكوندو. الأرق والأمطار، التي استمرت لمدة خمس سنوات تقريبا. يعتقد النقاد أن غزو رجال الأعمال الأجانب يشكل وباء ثالثا، فهم مثل الوباء، يجلبون الموت والدمار معهم بالتأكيد.

أول هذه الأوبئة تقريبا تسبب في فقد ماكوندو لذاكرتها. الثاني من هذه الأوبئة يؤدي إلى سقوط المدينة في النهاية. في الأساس، كلاهما خطيران لأنهما يمنعان ماكوندو من البقاء على اتصال بالحضارة والعالم من حولها، عن طريق إغراق سكانها في الحنين إلى الماضي ومحو ذاكرة المدينة.

"أينما يكونون، هم دائما يتذكرون أن الماضي كذبة كبيرة، وأن الذاكرة لا يمكن الرجوع إليها. فكل ربيع مضى، قد مضى ولا يمكن استعادته أبدا. وأن الحب، مهما بلغ من عنف وصدق، سريع الزوال في النهاية." غابرييل غارسيا ماركيز، مائة عام من العزلة.

كتب أحد النقاد:
"عندما وصلت إلى الصفحات القليلة الأخيرة من الرواية، أدركت أنني لم أكن راغبا أبدا في إنهاء قراءتها. لم أكن أتخيل وجود كتاب يمكنه أن يسحب خيالي إلى هذا الحد، ويأخذه للسفر بعيدا، إلى عالم السحر والغضب والانفعالات، مثل عالم الأحياء والأموات في ماكوندو".

وكتب آخر:
"إنها قراءة صعبة، لأن هناك العديد من الشخصيات المعقدة التي تحمل نفس الأسماء في الغالب. لحسن الحظ، نسخة روايتي بها رسم لشجرة عائلة يجب اتباعها. ومع ذلك، أضمن لك أنها ستكون تجربة قراءة غنية".
وكما ذكر غارسيا ماركيز في خطاب استلامه جائزة نوبل:
"إنه هناك أمل في عالم أفضل. حيث لن يتمكن أحد من أن يقرر للآخرين كيف يموتون. حينئذ، سوف يثبت الحب جدواه، وتكون السعادة ممكنة، وللأجيال المحكوم عليها بالعزلة، فرصة ثانية للحياة الكريمة".

ملحوظة:
شركة نتفليكس، تقوم الآن بإنتاج مسلسل بنفس العنوان، مقتبس من الرواية، سوف يعرض قريبا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفيلم الوثائقي حقائق النصر -شهادات واعترافات-


.. فعاليات الدورة الـ 38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض


.. بانوراما | تقارير غربية تحذر من اختفاء اللغة العربية.. ما ال




.. تفاعلكم | 25 سؤالا مع الفنان قيس الشيخ نجيب


.. تفاعلكم | مشهد صادم! سوداني يقتحم مناسبة ويهاجم الفنان وفرقت