الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


امريكا بين الواقع والطموحات

جاسم ألصفار
كاتب ومحلل سياسي

(Jassim Al-saffar)

2022 / 5 / 13
مواضيع وابحاث سياسية



دخلت الولايات المتحدة الامريكية مرحلة من أعقد مراحل المواجهة مع عدويها الاستراتيجيين الصين وروسيا، فهل كانت قد أعدت لدخول هذه المرحلة في هذا الوقت تحديدا، أم أن عدويها، وخاصة روسيا، قد اضطراها للمواجهة في زمن يقودها الرئيس الأكثر عجزا في تاريخ الولايات المتحدة الحديث؟
جزء من الإجابة على هذا السؤال له علاقة بالعمليات النشطة للتحضير لهذه الحرب، والتي بدأت مع تصريح باراك أوباما في مايو 2016: "على أمريكا أن تكتب القواعد وتتخذ القرارات، وما على الدول الأخرى الا أن تلتزم بالقواعد التي وضعتها أمريكا وشركاؤها، وليس العكس ". في عهد ترامب، ظهر هذا المبدأ كآلية رئيسية لصنع القرار، متجسدة بشعار "أمريكا أولاً"، الذي اعتمد مبادئ الديكتاتورية الأمريكية القائمة على افتراض إمكانية عمل أي شيء دون اعتبار للقوانين الدولية من أجل رفاهية أمريكا.
منذ ذلك الحين، تم اعداد كل ممهدات الهيمنة الدولية ولم يتبقى سوى تشحيم الآلة، لقمع معاداة أمريكا، بزيت الدولار في الوقت المناسب. ولهذا الغرض، لا بأس حتى برئيس عجوز يقود الولايات المتحدة الامريكية، خاصة وأن الرئيس ترامب، النشط والمرتبط بآلة حزبية معينة، سرعان ما أصبح غير ملائم للأوليغارشية الصناعية والمالية في الولايات المتحدة وخارج حدودها.
على ان الرياح لم تجر، بما تشتهي السفن، أو كما كان يرغب السفان الأمريكي، فالوضع العالمي تغير بسرعة لم يحسب حسابها المخططون الاستراتيجيون في الإدارة الامريكية. ما كان معقولا قبل ستة أعوام، حين كانت أمريكا قادرة، ليس على كتابة "القواعد" فحسب، بل وفرضها على العالم، لم يعد واقعيا اليوم، بعد أن امتلكت دول أخرى كالصين وروسيا عوامل القدرة الكافية على التصدي للهيمنة الامريكية وتثبيت قواعد أخرى للعلاقات الدولية، أكثر عدالة وديمقراطية، تكون دليلا على نشوء "النظام العالمي الجديد".
بحلول عام 2016، كانت وكالة الأمن القومي قد غربلت تماما الوضع السياسي الداخلي وسيطرت عليه بصورة كاملة من خلال جمع وتحليل 200 مليار وثيقة من البيانات كل شهر، بما في ذلك سجلات الهاتف المحمول ورسائل البريد الإلكتروني وعمليات البحث على الويب والمحادثات، باستخدام برنامج التنقيب عن البيانات PRISM. "هذا الاستيعاب المعلوماتي الكامل للمواطنين، هو أعلى إنجاز لتحقيق السيطرة المطلقة على السكان"، وفقًا لـ BlackListed News. حققت الدولة "إنجازا" دكتاتوريا هائلا في الداخل وحان الوقت لتكرار ذلك خارج الحدود.
تسابقت أمريكا مع الزمن من أجل اضعاف روسيا واخضاعها بالكامل لإرادتها عبر مشروع "أوكرانيا"، ولم يبقى سوى القليل من الجهد والزمن لتحقيق ذلك. الا أن روسيا لم تنتظر اكتمال مشروع تطويقها وحصارها لحين فقدانها القدرة على ضمان سيادة قرارها. فتحول المشروع من تطويق و"احتواء"، الى مواجهة مباشرة مع روسيا من أجل القوة والنفوذ - القضية رقم واحد على أجندة البنتاغون.
أجبرت المواجهة في أوكرانيا الولايات المتحدة على التودد إلى الدمية زيلينسكي، الذي شعر بأهميته "الشخصية" الاستثنائية في استراتيجية البنتاغون "الدفاعية". أعمت مشاعر العظمة بصيرة زيلينسكي، ولم يعد يرى أو يدرك أن حمى ضخ الأسلحة الغربية الى أوكرانيا منذ الاجتماع في قاعدة رامشتاين الجوية الأمريكية في ألمانيا، حيث ناقش التحالف الغربي موضوع توريد الأسلحة الثقيلة لأوكرانيا، قد جعل من كييف كعكة حفلة عيد ميلاد في بيت الموتى (مع الاعتذار من فيودر دوستويفسكي).
حمل النصف الثاني من شهر نيسان / أبريل أنباء مهمة من مسرح المواجهة الشرقي. حيث أعلنت الصين إنها وقعت اتفاقية أمنية مع جزر سليمان، مما أثار مخاوف أستراليا والولايات المتحدة بشأن تنامي النفوذ الصيني في جنوب المحيط الهادئ. لماذا؟ جزر سليمان هي مجرد جزر مبعثرة في ميلانيزيا، حيث يعيش نصف مليون شخص. لسنوات عديدة، بالكاد لاحظت الولايات المتحدة جزر سليمان، ولم تكن هناك حتى سفارة أمريكية في عاصمة الجزر، هونيارا، منذ ما يقرب من 30 عامًا، الى أن تم افتتاحها قبل عام "لمحاربة الصين"، كما كتب مركز آسيا والمحيط الهادئ للأبحاث.
الاتفاق الأمني المبرم بين الصين وجزر سليمان خطير لأنه يقضي على فكرة كون جنوب المحيط الهادئ مجال نفوذ مطلق للولايات المتحدة. ورغم أن تفاصيل الاتفاق النهائي مع الصين لم يتم الإعلان عنها بعد، الا أن ما تسرب من معلومات وتصريحات سواء من الصين أو جزر سليمان أثار قلق المسؤولين في البيت الأبيض.
تسمح الاتفاقية الأمنية التي أبرمتها بكين مع الجزر بإرساء سفنها هناك، ونشر قوات الأمن لحماية البنية التحتية التي شيدتها، ومساعدة حكومة البلاد على استعادة النظام، عند الحاجة. لذلك شعرت الولايات المتحدة وأستراليا بالذعر، فبعثت واشنطن كبار مسؤولي البيت الأبيض ووزارة الخارجية إلى هونيارا. حاول المسؤولون جهدهم لثني إرادة قيادة جزر سليمان عن التصديق على الاتفاقية مع الصين، مما اضطر رئيس وزراء الجزر للرد على الأمريكيين بحدة: "نجد أنه من المهين للغاية ... أن نوصم بعدم القدرة على إدارة شؤوننا السيادية".
اعتبرت خسارة جزر سليمان في كانبيرا "أكبر خطأ في السياسة الخارجية الأسترالية في منطقة المحيط الهادئ" منذ الحرب العالمية الثانية. انتقد حزب العمال الأسترالي الحكومة الائتلافية بشدة لدرجة أنهم اقترحوا غزو الجزر والإطاحة بالحكومة هناك. وقال رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون إن ظهور قاعدة عسكرية صينية في جزر سليمان سيكون "خطا أحمر" لكانبيرا وواشنطن.
تجدر الإشارة الى أن الكثير من التحليلات السياسية في الولايات المتحدة وأستراليا تصور قضية جزر سليمان على أنها "مبارزة" شخصية بين سي وبايدن، خسرها الأخير، وتحث الولايات المتحدة على التحرك قبل أن تبدأ المزيد من قطع الدومينو بالسقوط، في "النظام العالمي الجديد". دون الاعتراف بأن التغيرات العالمية تتجاوز بايدن والاستراتيجية الامريكية المعتمدة على سياسة القطب الواحد.
ومع الاعتراف بحقيقة إن خطر المواجهة الاستراتيجية مع روسيا والصين في نفس الوقت سيكون، كما يشير الخبراء الأمريكيون بحق، "كابوسًا جيوسياسيًا" للولايات المتحدة. الا أن ذلك لا يعكس الحقيقة كلها والتي تتمثل، بحسب ما أثبتته الاحداث في اوكرانيا، في أن قدرات واشنطن لم تعد تتناسب مع طموحاتها الجيوسياسية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحالف كواد -لن يتهاون- مع أي محاولة لتغيير الوضع القائم بالق


.. هبة طوجي وأسامة الرحباني في -ليلة أمل- ببيروت.. ومفاجأة من إ


.. لندن: القوات الروسية تكثف عملياتها في دونباس




.. روسيا تدرس إنشاء قاعدة عسكرية في -خيرسون-


.. سوريا.. تصحر وجفاف في مناطق شمال شرقي البلاد| #مراسلو_سكاي |