الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


(في بعض الغياب حضور أكثر - عن ماذا حضر أكثر بغياب شيرين؟)

علي حمدالله

2022 / 5 / 14
القضية الفلسطينية


إنّ اللغة تعجز عن ابتكار كلمة تعبر فيها عن شعور الفلسطيني اتجاه شهيدة الحق والحقيقة شيرين أبوعاقلة. شعور بالحزن العميق والفرح التوّاق والغضب وطلب الثأر في آن، مشاعر تجيش في الصدر، تختلج معاً في لحظة فقدٍ شعبيِّ عام، وتضرب جدران الصدر، تتفلّت في جنازات ممتدة تصل جنين بالقدس، جنازات حزن وفرح وغضب تلتحم في جنازة واحدة على شكل مسيرة تحرير، ترفع تابوتاً يأبى كما العلم النكوص والتنكيص، ويرفض الدفن قبل أخذ الثأر.
بنادق جدعان جنين الأسطورة حرست التابوت هناك، والمد الشعبي الذي أعلن السيادة الفلسطينية في القدس حرس التابوت في عاصمتنا الحبيبة مهد الديانات والحضارات.
هذا الحزن القومي ليس غريباً، فصوت الشهيدة شيرين أساس في الذاكرة السمعية للانتفاضة الفلسطينية الثانية وما قبلها وما بعدها، إنّ شيرين مكوّن أصيل في ذاكرتنا القومية الحديثة. نعاها البعض الذي لم يلتقيها يوماً، بأنّ خسارتها كخسارة أحد أصدقاء الطفولة، فهي صديقة الطفولة لجيل كامل من الفلسطينيين لم يعرف من الطفولة إلّا الحجر والبندقية والشهادة والأسر والنضال والدمار وإشعال الكاوتشوك والهتافات الحماسية وأغاني الكتائب وأغنية فتنت روحي يا شهيد.
تختفي ذاكرة الانتفاضة الثانية ويوميّاتها وحيثيّاتها من حياة الفلسطينيين، فنادراً ما تظهر في الحوارات العادية، إذ أنّ هول صدمتها كان عميقاً في الذاكرة بحيث يصعب استعادته، كما لعبت المنظومة الصهيونية وسلطة أوسلو ومن خلال مجموعة واسعة من الأدوات والسياسات دوراً مهماً في وأد الذاكرة الجمعيّة للانتفاضة الثانية، وإجهاض أي احتمال لاندلاع انتفاضات جديدة.
يكاد يصعب علينا جميعاً استعادة يوميات الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ولكن!
إنّ انطباع ذاكرة الانتفاضة الثانية عميقاً في وجدان الفلسطينيين، جعل من الصعب على العقل التعامل الواعي مع هذه الذاكرة، وبقيت أسيرة أعماق الوجدان، مدفونة تحت ركام كبير يصعب نبشه، إلّا أنّها ذاكرة رغم اختفاءها كانت وما تزال تفعل فعلها فينا دون أن ندرك. وهنا إذ أركّز على ذاكرة الانتفاضة الثانية، لا أذهب أبداً إلى تهميش الذاكرات التي سبقتها والتي تشكّل معاً ذاكرة قومية فلسطينية، بل أخصّ الانتفاضة الثانية لأنني أتحدث عن جيل محدد، اختمر وعيه في انتفاضة الأقصى التي شكّلت جوهر ذاكرته. وجزء من هذه الذاكرة، كان صوت شيرين أبوعاقلة.
برز صوت شيرين أبوعاقلة عبر قناة الجزيرة في الانتفاضة الثانية، كصوت يوميّ، ينقل لنا أخباراً كثيفة وثقيلة يومية، تترك فينا مشاعر مختلطة، فخبر الفقد يتبعه خبر الثأر، وخبر الاعتقال يتبعه خبر الاضراب، وخبر الدمار يتبعه أخبار شعوب العالم تنتفض لأجل فلسطين. ارتبط صوتها بمشاعر وجدانية أصيلة وعميقة يصعب الفصل فيها بين الفرح والحزن والغضب والحقد والخوف والقلق والترقب والأمل، ذلك أنّ الانتفاضة نفسها تبعث في القلوب كل هذه المشاعر معاً. وبقليل من الجرأة يمكن القول أنّ الفلسطيني غير قادر أبداً على الشعور بالفرح كما أنّه غير قادر أبداً على الشعور بالحزن أو الغضب أو الخوف أو القلق، ليس لأنّ الشعور صعب عليه، بل لأنّ شعوره صعب على هذه المشاعر المنفردة السطحية، ذلك أنّ مشاعره الوجدانيّة أعمق وأوسع وأكثر أصالة من تلك الكلمات التي تدعي قدرتها على التعبير، لأنّ الفلسطيني لم يختبر أبداً شعور الحزن دون الفرح، شعور الفقد دون الغضب، شعور الخوف دون الاقدام.
جيل كامل لم يختبر أبداً في أي لحظة من حياته المشاعر العادية، إذ نحتاج دوماً لاجتراح لغة جديدة، وإلى ذلك الحين، تخرج مشاعرنا بأشكال صوتيّة بدائية مثل الزغرودة، والتي كغيرها من التعبيرات الفلسطينيّة، تعبّر عن الحزن والفرح معاً، الحزن العصي على اللغة والفرح العصيّ على اللغة. وشيرين كذلك. تأمّل اسمها، استذكر صورتها، أعد صوتها، ماذا تشعر؟ هل تستطيع الإجابة؟
ليس بشخصها، بل بما مثلّته شيرين من صوت نقشت به ذاكرتنا في الانتفاضة، أعاد مشهد اعدامها، إحياء ذاكرة الانتفاضة فينا، فكان غيابها حضوراً للانتفاضة، طوبى لها.
كان مشهد تشييعها من مشاهد الانتفاضة و(أكثر). وسنعود (لأكثر) هذه بعد قليل.
في صورة استشهادها أمام ناظري مرافقتها الصحافية شذى حنايشة استعاد الفلسطينيون مشهد محمد الدرة أمام والده. تبعه مشهد الشاب شريف العزب متحدياً رصاص الموت في محاولة منه لإنقاذها أو على الأقل إكرامها بنقلها، لنتوقّف هنا قليلاً، لنتذكر، كم مرّة تكرر هذه المشهد في الانتفاضة الثانية، أمام عينيك أو عبر التلفاز؟ مشهد شاب يحاول انقاذ جسد مصاب متحدياً الرصاص والموت.
جنين كما عرفناها وعرفنا مخيمها في الانتفاضة الثانية، تضع دائماً البندقية في مقدمة أي حدث سياسي، وتدرك تماماً أنّها الحل، تشييع شيرين في جنين ليس استثناء، تحيط البنادق بالتابوت حارسات، تابوت تحمله أكتاف لم ينهكها يوم حمل البنادق. يترحّم عليها كل أبناء فلسطين والعالم أجمع، في جنازات ممتدة من جنين إلى نابلس إلى رام الله وصولاً إلى القدس، وكأنها جنازة واحدة/ مسيرة تحرير واحدة. ولطالما كانت جنازات الشهداء انطلاقاً لموجة جديدة من النضال، الحزن بالضرورة عندنا يتبعه الحقد والغضب والشجاعة على أمل الفرح بالنصر، هذا هو تعريف الحزن عندنا في أبسط صوره.
كان مشهد تشييعها من مشاهد الانتفاضة وأكثر، ولماذا أكثر؟
في رام الله، تم تحضير مراسم رسمية لوداعها، من قلب المقاطعة، دخلت التابوت، وبدأ الحضور بالتصفيق احتراماً وإجلالاً لها ولزملائها تحديداً وليد العمري وجيفارا البديري، تسمع أصوات هتافات تنطلق بعفوية من شتّى أركان الحضور ومن زوايا مختلفة، كما تسمع الزغاريد، وبعض أصوات العصافير والكثير من الصمت، وهتافات عند الخروج على باب المقاطعة تندد بالتنسيق الأمني والتطبيع وتطالب بالثورة والانتفاضة والثأر.
في القدس، يأبى التابوت محروساً بمد شعبي مهيب النكوص، حرسته هناك البندقيات، وهنا يحرسه المد الشعبي الغفير.
كقطيع من الحيوانات، تعتدي الشرطة الإسرائيلية على التابوت ومن يحمله، التابوت كما العلم يأبى النكوص، بل يستمر ويتسع، وخلفه آلاف الفلسطينيين من كل الجغرافيا الفلسطينية يهتفون ويتعرضون للاعتقال والضرب والجرح ويهتفون ويهتفون ويستمرون، مايزالوا حاملين التابوت والعلم، معلنين السيادة في شوارع وأزقة القدس، في مشهد من مشاهد النصر المرتقب والقريب.
"بعض الغياب أكثر حضوراً" هكذا نشرت يوماً شيرين على صفحتها في تموز 2021، وجاء غيابها ليجعل مقولتها أكثر حضوراً، ليجعل حضورها أكثر حضوراً، ليجعل حضورنا أكثر حضوراً.
غياب شيرين، جعل من ذاكرة الانتفاضة بما تحمله من مشاعر عصيّة على الفهم أكثر حضوراً، مشهد من مشاهد الانتفاضة لكنّه ينتهي بنصر وسيادة واستعادة.
بعد أن سجّل الفلسطينيون نصراً مدوياً العام الماضي (لن آتي على تفاصيله هنا) نسجّل اليوم نصراً جديداً، نصر أصيل ومدوي يجوب شوارع القدس مختالاً فرحاً، نصرٌ يصرخ بنا بصوت شيرين نفسها أنّ زمن الهزائم قد ولّى، يملأ صدورنا ثقة وأملاً وتحتهما محيط من المشاعر المختلطة، التي تثير حيرتنا وتدب الرعب في جوف العدو.
برحيلها قدمت شيرين أبوعاقلة العديد من الإجابات السياسية والوجودية والشعبية والشعورية.
أمّا الإجابة الشعورية:
- نحن الآن ندرك تماماً أنّ ذاكرة الانتفاضة الثانية ماتزال فينا حية وتفعل فعلها، وتلح كما يلح الجني في القمقم على صاحبه بالخروج.
- نعي الآن تماماً، أنّه من العصي على الفسطيني إدراك مشاعره إلّا شعورين اثنين: قدرتنا العالية على الحب، وتوقنا الشديد للنصر، وسننتصر حتماً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 3 أشهر من الرعب في أوكرانيا • فرانس 24 / FRANCE 24


.. صواريخ -الشيطان- النووية.. روسيا تهدد بـ-سلاح الرعب- مجددا


.. ما هي أبرز التعقيدات التاريخية التي مرت بها تايوان مع الصين؟




.. نيمار جونيور يصل إلى الهدف رقم 100


.. أردوغان: لن نوافق على انضمام السويد وفنلندا للنيتو حتى يتراج