الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بصدد عقوبة الإعدام

مصعب قاسم عزاوي
طبيب و كاتب

(Mousab Kassem Azzawi)

2022 / 5 / 25
الغاء عقوبة الاعدام


حوار أجراه فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع في لندن مع مصعب قاسم عزاوي.

فريق دار الأكاديمية: ما هو رأيك بعقوبة الإعدام؟

مصعب قاسم عزاوي: من الناحية المبدئية والأخلاقية أعتقد بأن أي عاقل مؤمن بوجود حقوق إنسان أساسية لكل كائن بشري، والتي لا بد أن تنطوي في قائمتها على «حق الحياة»، لا بد أن يختلف كليانياً مع مبدأ حق أي سلطة مهما كان مصدر شرعيتها في سحب هذا الحق الأصيل من كينونة أي فرد بغض النظر عما اقترفه من مخالفات قانونية أو غيرها.
ومن الناحية العلمية المحضة فإن مميزات عقل الإنسان الرشيد الحصيف التي تميزه عند تمظهر ذلك العقل سلوكياً عن غيره من الحيوانات مرتبطة عضوياً بنضج منطقة خاصة في الدماغ البشري تدعى القشرة ما قبل الجبهية Prefrontal Cortex، وهي المنطقة التشريحية التي يعتبر تكاملها التشريحي والوظيفي من أعقد الوظائف البيولوجية في بدن الكائن البشري، نظراً لتعقد آلية تخلقها في رحم الأم الحامل، والتي يمكن لأي من السموم البيئية إعاقتها كما هو حال الظروف البيئية الحيوية المحيطة بالأم الحامل خاصة تلك المرتبطة بسوء التغذية والشدة النفسية وما كان على شاكلتها، بالتوازي مع الأمد الزمني الطويل لصيرورة نضجها التشريحي المحض والوظيفي في آن معاً، وهو الذي لا يتكامل في أحسن الأحوال قبل عمر 24 سنة في حال كانت ظروف حياة الإنسان مثالية من ناحية تغذيته وظروف المحيط البيئي والحيوي الذي يعيش في كنفه. والحقيقة أن عسر تغذية الإنسان وخاصة خلال السنوات الأربعة الأولى من عمره، قد يؤدي إلى ما يشبه الاستعصاء في تطور تلك المنطقة الدماغية الحساسة، بشكل يتركه متكئاً على قدرات الأجزاء الدماغية الأخرى التي يدعوها علماء وظائف الدماغ «الدماغ القديم»، وهي أجزاء الدماغ التي تنظم سلوك البشر بشكل يسعى لحفظ النوع من الفناء بشكل انفعالي ارتكاسي قد يكون سريعاً وعنيفاً في كثير من الأحيان، وذلك لتعسر بنيوي ووظيفي في قدرة جزء الدماغ الكامن في القشرة ما قبل الجبهية السالفة الذكر على ترشيد تلك الأنماط من السلوكات ليس لعلة في الفرد نفسه، وإنما لعلة عميقة في المجتمع الذي لم يتح لذلك الفرد فرصة النمو الطبيعي للقشرة الدماغية ما قبل الجبهية في دماغه.
وبشكل أكثر وصفية يمكن الإشارة إلى الارتباط الإحصائي العميق بين معدلات التسمم بالرصاص في أبدان وأدمغة المحكومين بجرائم جنائية في جل الدول التي فيها إحصائيات ودراسات بذلك الصدد. والتسمم بالرصاص جريمة بيئية ليست إلا نموذجاً وصفياً عن تحول الأطفال بشكل خاص إلى ضحايا لا نصير لهم في جريمة عالمية من مفاعيل الشركات الصناعية الكبرى، وخاصة تلك العابرة للقارات في سياق حصادها لثمار الأرباح الطائلة من صناعاتها الملوثة للبيئة، والتي لا يعرف العلماء إلا قمة جبل الجليد منها، وهي الصناعات التي قامت بإنتاج أكثر من 200000 مادة صنعية غير موجودة في الطبيعة سابقاً، معظمها مواد عصية على التفكك مع مرور الزمن، خاصة بعد تحولها إلى نفايات يتم نبذها إلى أعماق المحيطات وأعماق الأرض لتخرج مع مياه الأمطار والمياه الجوفية لتدخل في السلسلة الغذائية التي يقتات منها بنو البشر وتدخل في دمائهم، وتعبر من خلالها إلى أدمغتهم وشرايين وأوردة مشيمة كل أم حامل لتنتج أجيالاً من «المسممين المظلومين» دون أن يعرفوا بذلك.
وقد يستقيم تسمية الواقع المرير الآنف الذكر وشعبتيه المزدوجتين، وأعني بهما هنا سوء التغذية المزمن، والتعرض للسموم البيئية المخاتلة، كما لو أنهما صنوا «حال المفقرين المنهوبين المظلومين» في أرجاء الأرضين، والذين تشير كل الدراسات الإحصائية والعلمية على أنهم على اختلاف بقاع الأرض التي يعيشون فيها، فهم الأكثر معاناة من عقابيل قلة أو عدم اتزان الوارد الغذائي المتاح لهم، بالتوازي مع عيشهم في مناطق مهملة أو عشوائية، وعملهم في أحياز مهنية تزيد من احتمالات تعرضهم لكل السموم البيئية المخاتلة وآثارها المهولة على صحتهم الجسدية والعقلية.
ويمكن أن نضيف إلى الشعبتين المزدوجتين السالفتي الذكر أقنوماً ثالثاً لصيقاً في جل حيوات أولئك «المفقرين المظلومين»، وأعني هنا «معاناة الشدة النفسية المزمنة» وما تفضي إليه من اكتئاب مزمن مقنع يتمثل في ذلك الإحساس الوجداني العميق بانغلاق الآفاق، وعدم وجود معنى أو هدف لحياة الإنسان الذي يحتضر في كل لحظة من حياته في خضم مطحنة «القهر اليومي» لأولئك المفقرين الذين لا يمكن لهم التنصل من «كينونتهم البشرية»، وآلية عمل «جهازهم العصبي المركزي» الذي يقتضي «استقالة القشرة ما قبل الجبهية» من واجبها في «التحليل والاستنتاج والحكمة والرشاد» في ظروف الشدة النفسية والجسدية إذ أن أدمغة بني البشر تطورت بشكل يرغم القشرة الدماغية ما قبل الجبهية على التنحي في ظروف الشدة، إذ لا يعقل لإنسان في مرحلة الصيد والالتقاط التفكر الرشيد في أخلاقية أكثر السبل منطقية في الهرب من وحش يتلطى ليفترسه في الأكمة المجاورة، وهو ما يعني وجوب تصدر أجزاء الدماغ القديم التي يشترك بها البشر مع كل أقرانهم من الفقاريات والتي تدعى إجمالاً «الدماغ القديم» أو في بعض الأحايين تندراً «دماغ السحالي» نظراً للتشابه الكبير في بناه التشريحية و حتى الوظيفية بين البشر و بين السحالي من ذوات الدم البارد؛ و تصدر الدماغ القديم لتوجيه سلوك الفرد يتخذ دائماً نسقاً نمطياً جوهره القيام بواجب اتخاذ القرار «الارتكاسي الانفعالي السريع» لحفظ النوع في حالة الشدة العقلية أو الجسدية، والتي ليس لها إلا وجهان في غالب الأحايين هما «القتال أو الهرب»، بشكل لا يتفارق كثيراً عن سلوك الحيوانات الأخرى حين تعرضها لتهديد بيولوجي لحياتها أو ذريتها أو حينما يعضها الجوع و ما كان على شاكلته.
والحقيقة العلمية الدامغة تشي بأن بني البشر المعاصرين، وعلى الرغم من تعقد نمط الحياة التي يعيشون فيها، فإن أدمغتهم وآليات عملها وقدراتها الفيزيولوجية لا تختلف قيد أنملة عن أسلافهم من البشر في مرحلة الجمع والصيد والالتقاط؛ وهو ما يعني بأن تنحية قدرات القشرة الدماغية ما قبل الجبهية وطاقات «العقل العاقل» ناتج طبيعي في سياق تعرض أي إنسان معاصر لحالة شدة جسدية أو عقلية مزمنة؛ وهي الشدة التي يحتاج أي مراقب حصيف لصفحات لا تنتهي لعرض قائمة أسبابها ومآلاتها في حيوات «المقهورين المفقرين المنهوبين» في أرجاء الأرضين، والتي لا بد أن يكون على رأس قائمتها المعاناة السرمدية لإيجاد قوت يسد رمقهم ويملأ أجواف معدات أبنائهم الخاوية إلا من عصارات الجوع المزمن، بالتوازي مع محيط اجتماعي ضنين في مرحلة الرأسمالية الوحشية المعولمة، والتي يدعوها البعض الليبرالية المستحدثة، والتي في حياضها يعتبر «الفقر جريمة نكراء» في مجتمع لا بد أن يكون «غابة وحشية البقاء فيها فقط للأكثر فتكاً وبأساً»، ولا مكان فيها «للمستضعفين» حتى لو كانوا ضعفهم ناتجاً عما تعرضوا له من استغلال تاريخي طويل مرير حرمهم من كل فرص النمو الطبيعي جسدياً وعقلياً وإنسانياً واجتماعياً واقتصادياً. وفي ذلك السياق الأخير المتعلق بآلية تشكل «العقل العاقل المستقيل» في نسيج الهلام الاجتماعي لكينونات «المفقرين المنهوبين المظلومين» لا بد من الإشارة إلى الحقيقة العلمية الراسخة والتي تشير إلى أن معاناة الشدة الجسدية والنفسية المزمنة بالشكل المضني الذي يكابده كل المفقرون المظلومون في أرجاء الأرضين، يقتضي فيزيولوجياً من جهازهم الهرموني إغراق كل خلايا أبدانهم بما يدعى «هرمونات الشدة»، وهي هرمونات «الكورتيزول، والأدرينالين، والنور أدرينالين»؛ وتشير الدراسات العلمية في علم وظائف الجهاز العصبي المركزي إلى أن زيادة تركيز هرمون الكورتيزول بشكل مزمن في دم أي إنسان يؤدي إلى ضمور مترق في القشرة الدماغية، وخاصة تلك الواقعة في منطقة القشرة ما قبل الجبهية المسؤولة عن المحاكمة المنطقية والحصافة والرشاد والتعقل كما أشرنا إليه آنفاً، بالإضافة إلى ضمور في خلايا مكون تشريحي آخر في الدماغ يدعى «الحصين» وباللغة الإنجليزية «Hippocampus» وهو المسؤول عن الذاكرة وتسجيل الخبرات المتعلمة سابقاً، بالإضافة إلى ازدياد ملحوظ في نشاط اللوزة الدماغية التي تدعى باللغة الإنجليزية «Amygdala» وهي المسؤولة عن مشاعر الخوف والتهيب والوجل، والتي تعمل لتحفيز مناطق أخرى في الدماغ القديم تدعى منطقة ما تحت المهاد وباللغة الإنجليزية «Hypothalamus»، والتي هي مسؤولة عن قدح وتحفيز مشاعر الغضب والهياج والسلوك العنفي الذي قد لا يختلف في كثير من الأحيان عن أنماط السلوك الهياجي العنيف الغاضب الذي يقوم به أبناء عمومة بني البشر في مملكة الحيوانات، وأعني هنا الرئيسيات وباللغة الإنجليزية Primates، والتي تضم قردة الشمبانزي، وقردة البانوبو وغوريلا الجبال.
و لا بد في هذا السياق من الإشارة إلى ناحية علمية أخرى مهمة وذات حضور عريض في حيوات جل المقهورين في عموم أرجاء الأرضين، ألا وهي المرتبطة بحقيقة أن مكابدة القهر المزمن والشدة الجسدية والعقلية بشكل سرمدي لا بد أن تؤدي إلى ارتفاع مزمن في مستويات هرمون الكورتيزول في بدن من يتعرض لها، وهو الهرمون الذي يحفز ارتفاعه المزمن إلى ازدياد معدلات الإصابة بمختلف أشكال الأورام، لكونه هرموناً قامعاً للجهاز المناعي أساساً، بالإضافة إلى تأثير جوهري آخر لصيق بموضوع نقاشنا السالف، ألا وهو ارتفاع سكر الدم بشكل مزمن، وهو الارتفاع الذي يؤدي مع إزمانه لمعاناة الإنسان بالداء السكري من النمط الثاني، والذي قد يصاب به المريض سنيناً و عقوداً دون أن يدري بذلك، و هو الذي يقود أيضاً إلى ترد مترق في قدرات العقل العاقل السالف الذكر، وهي القدرات التي تنتج عن نشاط القشرة الدماغية ما قبل الجبهية أساساً؛ وهو ما يعني عملياً زيادة إغراق المقهور المعذب في مكابدة العسف والإفقار والتهميش الذي يعانيه بشكل عياني مشخص يومياً في حياته، لتصبح معاناة مركبة بأبعاد حياتية يومية وجسدية فيزيولوجية وعقلية نكوصية كما أشرنا إلى ذلك آنفاً.
وخلاصة تلك الجلجلة من المعاناة المتطبقة والمتعددة الأبعاد هي حرمان المفقرين المنهوبين المظلومين والمهمشين من قدرات العقل العاقل والقشرة الدماغية ما قبل الجبهية، ليس لعلة بيولوجية أو عصبية أو عقلية أو نفسية بنيوية في كينونة أي منهم، وإنما لعلة كونهم ضحايا لتقصير المجتمع «الجرمي مع سبق الإصرار والترصد» بحق أولئك المظلومين المستضعفين الذين تُركوا ليكابدوا «عجلة المجتمع الضنين الشيطانية» لتطحنهم وتتركهم عُزَّلاً إلا من قدرات «دماغ السحالي» الانفعالي الارتكاسي العنيف لمواجهة ظروفهم المضنية في كل تفاصيل حياتهم، وهو ما يظهر جلياً في حقيقة أن جل الجرائم بحسب المنظار القانوني الجائر التي تستدعي عقوبة الإعدام هي أفعال عنفية يقوم بها المفقرون المهمشون بحق بشر آخرين من أقرانهم في محنة الاستضعاف والإفقار والنهب المنظم لحيواتهم وأحلامهم وحقهم في حياة كريمة.
وفيما يتعلق بالأنظمة القضائية المعنية بإصدار حكم الإعدام على البشر هنا وهناك في دول العالم، فلا بد للمراقب الحصيف من التفريق بين ملحوظتين مهمتين، الأولى تتعلق بالأنظمة القضائية في دول العالم الصناعي المتقدم والمرتبطة عضوياً بأنظمة الديموقراطيات الشكلية التي تتصدر الواجهة التنفيذية فيها، وهي أنظمة قضائية مصممة بعناية للحفاظ على توازن القوى في المجتمع لصالح توطيد هيمنة الأقوياء الأثرياء على مفاصل الحل والعقد في المجتمع، وضمان عدم تعكير ذلك التوازن بأي محاولات من «قطعان المقهورين المظلومين المفقرين» لكسر مفاعيل تلك الهيمنة والانعتاق منها جزئياً أو كلياً. وهو التوازن الذي أفرز خلال صيرورة تكونه وتوطده التاريخية في تلك الدول منظومة متطبقة ومتشابكة ومعقدة لبنيان السلطات القضائية فيها قد يصعب على المراقب غير المدقق استكناه عراها وآليات عملها الداخلية، وهي التي تتمحور حول عنصرين اثنين؛ أولهما القضاء المكلف الباهظ التكاليف، الذي يحتاج إلى موارد غير محدودة لتغطية نفقات التقاضي والمحامين الفلكية في غالب الأحيان، والتي لا بد أن تكون بعيدة عن متناول الفئات المسحوقة في المجتمع بشكل طبيعي. والعنصر الثاني يتمثل في البنية التكوينية العنصرية التمييزية ضد الفئات المستضعفة، وهو ما يتمثل أساساً في المرجعية الفكرية والطبقية لمن يسمح لهم بالتصعد إلى مراتب الجهاز القضائي العليا، والذين في جلهم ينتمون إلى «علية القوم من الفئات المهيمنة على مصادر الثروة والسلطة في المجتمع»، والذين من خلال شبكة علاقاتهم الشخصية والمصالح المتشابكة التي تتواشج معها، ومستوى التأهيل العلمي الرفيع لأبنائهم الذي يستطيعون دفع تكاليفه الباهظة في جل دول العالم الصناعي المتقدم، وهو ما يمكنهم من الوصول والتصعد بشكل مخاتل إلى الرتب العليا في السلطة القضائية، وخاصة في مستويات المحاكم الجنائية والاستئنافية والمحاكم العليا. وكمثال وصفي على ذلك، في دولة متقدمة مثل بريطانيا، قد تكون المثال النموذجي عن اقتصادات الرأسمالية الوحشية المعولمة والديموقراطيات الشكلية في آن معاً، يمكن مشاهدة الكثير من القضاة في محاكم فض الخلافات المدنية والتي تدعى باللغة الإنجليزية (Tribunal) من الملونين ومن مرجعيات اقتصادية ترتبط بالطبقات العاملة والطبقات الوسطى، ومن الملونين غير البيض، وبنسب تتسق مع نسبتهم في المجتمع، ولكن حينما تقرر العين الفاحصة المدققة النظر إلى نسيج القضاة في المحاكم العليا وخاصة تلك الجنائية والاستئنافية، فإن الغالبية شبه المطلقة بنسب شبه كليانية في غالب الأحيان تشير إلى مرجعيات أولئك القضاة المرتبطة بموقع طبقي رفيع متواشج غالباً مع موقع اجتماعي من ضمن علية القوم الأرستقراطية التاريخية، والذين لا بد أن يكونوا حُكماً من ذوي البشرة البيضاء، والأصول الإنجليزية المعروفة، والمذهب البروتستانتي، وهي الفئة التي تحولت من موقع ملاك الأراضي الإقطاعيين من اللوردات وما كان على شاكلتهم في مرحلة ما قبل الرأسمالية إلى موقع سدنة النظام الإمبريالي الاستعماري الاستيطاني في مرحلة «المملكة التي لا تغيب عنها الشمس»، ومن ثم تحولت إلى الكادر البيروقراطي المعني بالحفاظ على الدور المحوري «للإمبراطورية الآفلة» في نسيج العولمة البربرية المتوحشة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الواقع العياني المشخص الذي يفرزه تعضي الجهاز القضائي في دول العالم الغربي بالشكل الآنف الذكر، فإن أهم إفرازاته ما يدعوه الباحثون الاجتماعيون «جريمة الفقر»، وهي التي تعني بأن هناك تفارق في الأحكام بخصوص أي جرم إن اقترفه «مستضعف من طبقة المفقرين» فيكون عقابه «أقصى الويل والثبور»، بينما نفس الجرم إذا اقترف من قِبل فرد لا يحمل إرث ووصمة «جريمة الفقر على جبينه وكاهله»، فحينها تظهر كل العناصر المخففة لوطأة ما اقترفه من فعل جرمي، وتصبح قاعدة أن «الإنسان خطاء بطبعه، وأن لكل جواد كبوة» جوهر المنطق المتهافت في التعامل مع جرمه في نفق الجهاز القضائي والشرطي بحيث ينتج عنه «أحكام مخففة وهزيلة» تتيح له الانفلات من مفاعيلها بعد أمد ليس بطويل من خلال ترتيبات «اختصار مدة العقوبة، وإخلاء السبيل المبكر»، والتي هي من اختصاص الأجهزة الشرطية، والتي لا تقل في تكوينها وبنيانها وآليات عملها الداخلية عنصرية عن تلك الكامنة في بواطن الأجهزة القضائية بالشكل السالف الذكر، وخاصة في فيما تفرزه من تعامل تمييزي بين من هم «مجرمون عتاة حتى يثبت عكس ذلك» إن كانوا من المفقرين المظلومين، وبين من هم «متهمون حتى تثبت براءتهم» إن كانوا من «المحظيين عنصرياً أو طبقياً أو كليهما معاً».
وفيما يتعلق بأنظمة دول الجنوب وخاصة تلك الغارقة منها في مستنقع الاستبداد المقيم، كما هو حال الأنظمة الفاشية العربية، فإن الحديث عن حال القضاء لا بد أن يحيل التوصيف مباشرة إلى الحقيقة الطبيعية الكامنة في كل تلك الأنظمة، والتي مفادها «إفساد كل من لم يفسد»، واعتبار كل من يرفض الانغماس في صديد الفساد مارقاً لا بد من استئصال شأفته، وهو ما يعني عملياً أن الجهاز القضائي في كنف الدولة الاستبدادية استطالة مباشرة لتغول المستبدين والطغاة وعسسهم وبصاصيهم ومرتزقتهم ومحتسبيهم عليه، ويعني أن «فرضية استقلال القضاء» أطروحة لا تستقيم إلا في مخيلة «المعتوهين ووعاظ السلاطين وأبواقهم الإعلامية»، وأن ذلك الجهاز القضائي هو استطالة مباشرة لمفاعيل «الدولة الأمنية» التي تستطيع إطلاق أحكام الإعدام على كل من سولت له نفسه «الأمارة بالانعتاق من نير الاستبداد» التفكر بذلك «الإثم الفاحش المبين»، فيصبح حكم الإعدام شرطاً «لإحقاق القسط والعدالة» بحق أولئك المحكومين بجرائم «إقلاق السلم الأهلي، والنيل من هيبة الدولة، وشتم رأس الدولة، ومقاومة النظام الاشتراكي أو غيره، وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني، ونشر أخبار كاذبة، والتحريض على العصيان، والمشاركة في مظاهرات محظورة، والانتساب إلى جمعيات وأحزاب محظورة»، وما كان على شاكلتها من تخرصات النظم الاستبدادية التي لا حصر لعديدها في جعبة الطغاة وأنظمتهم الفاسدة المفسدة. وفي نسق التوصيف الأخير لآلية عمل الأجهزة القضائية في كنف نظم الاستبداد والفساد والإفساد، لا بد من الإشارة إلى «تباهي» الكثير من تلك النظم بحزمها «الصارم البتار» في تطبيق عقوبة الإعدام بكل «متعاط للمخدرات»، وهي حقيقة «مأساوية» لا بد من تفنيد أساسها المنطقي والأخلاقي الذي يستند إلى أطروحة مفادها أن من يتعاطى المخدرات هو «مجرم لا بد من استئصاله من المجتمع»، بينما هو في الحقيقة «ضحية لمعاناته السرمدية من عسف المجتمع بحقه»، خاصة وأن معظم متعاطي المخدرات هم من الفئات المفقرة المهمشة والمدنفة اجتماعياً واقتصادياً، وهي المعاناة التي تفضي إلى «ألم معنوي عميق» لا يقل في تبريحه عن أصعب الآلام الجسدية بشكل لا يترك لصاحبه خياراً سوى الالتجاء إلى أي ما قد يخفف من معاناته العميقة والمبرحة، والتي قد تكون التدخين، أو تعاطي الكحول، أو تعاطي المخدرات الأفيونية من قبيل الهروين والكوكايين، أو رافعات المزاج من قبيل الأمفيتامين، أو المخدرات القنبية من فئة الحشيش على الرغم من معرفته غالباً بجل أضرار تعاطي مثل تلك المواد الإدمانية.
وهنا تبرز «ماكينة الدول الاستبدادية» لتستقوي على الضعفاء كما كان دأبها السرمدي، وتعتبر أن تعاطي ما تصنفه في خانة المخدرات جريمة تستحق «الإفناء الجسدي»، بينما الحقيقة أن أضرار القائمة السالفة الذكر متباينة على الإنسان، و الحقيقة أن الأضرار الجسدية لتعاطي الحشيش أساساً شبه صفرية، حيث أن إدمانه نفسي فقط وليس جسدياً، وهو ما يتفارق عن أضرار التدخين وتعاطي الكحول، ونتائجهما الكارثية على بدن الإنسان، وهما المادتان أي الكحول والتبغ اللتان لا تجد ضيراً أي من الحكومات الاستبدادية غضاضة في الترويج لاستخدامهما بين «رعاياها أو ما قد يستقيم تسميتهم مستعبديها»، ودون أن يخفي ذلك «التباهي الخلبي» لأنظمة الدول الأمنية السالف الذكر «بحزم أجهزتها الشرطية و القضائية الصارم البتار محتز الرقاب» حقيقة انخراط الكثير من مافياتها وأجهزتها الأمنية بصناعة وترويج المخدرات الصنعية بمختلف أشكالها كأحد أهم وسائل مصادر دخلها اللاشرعي الذي لا بد منه لتمويل جحافل «العسس والبصاصين والمرتزقة» الذين لا بد من استدماجهم في بنيان آلية عمل ماكينتها القمعية للحفاظ على موقع «مستعبديها» من مواطنيها في حيز «الخضوع والتسليم بقدرهم البائس المحتوم» الذي يحتم عليهم العيش في سجون كبيرة يسميها سجانو الاستبداد «أوطاناً» لا يجمع المواطن معها سوى حظه العاثر الذي أدى به إلى «السقوط في فضائها الزماني والمكاني»، والذي قد يعني له «حالة من الموت البطيء مع وقف التنفيذ» بانتظار انتهاء «صلاحيته البيولوجية قهراً وكمداً»، أو بانتظار «إطباق مقصلة الجلاد» على عنقه الذي لا يعنيه الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحية في تراجيديا التغول السرمدي على حيوات المفقرين المنهوبين المعذبين ألا وهو «بأي ذنب قتل ذلك الإنسان المظلوم؟».








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تغطية خاصة | جهود الإغاثة والإنقاذ بعد زلزال تركيا وسوريا (3


.. فرق الإغاثة تسابق الزمن مع استمرار ارتفاع حصيلة قتلى زلزال س




.. زلزال سوريا وتركيا | تحرك دولي لإغاثة المنكوبين في الشمال ال


.. تغطية خاصة | جهود الإغاثة والإنقاذ بعد زلزالي سوريا وتركيا (




.. اللجنة العليا للإغاثة السورية: نواصل عمليات البحث عن ناجين ف