الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما يشبه السرد ( 5 )

اسماعيل شاكر الرفاعي

2022 / 5 / 28
الادب والفن


ما يشبه السرد ( 5 )

مرت عليه ليلة كاملة وهو على قارعة الطريق . بكى طويلاً وتمرغ كثيراً في التراب ، ولكنه لم يفلح في تحرير يديه او ساقيه من القماط الذي شدوه حوله بقوة . وأخيراً توقف عن البكاء والحركة وسقط في غيبوبة عميقة من النوم نتيجة الإجهاد والعطش والجوع .

نساء حي البلدة القريب خرجن فجراً لجمع الحطب ، ذلك هو اول نشاط يقمن به في نهارهن الجديد . يتركن افراد عوائلهم مستسلمين لإغفاءة عميقة تحت تأثير برودة الفجر ، ويخرجن بهدوء : فؤوسهن فوق رؤوسهن ملفوفة بعناية بلفات صغيرة من الحبال لربط ما يجمعنه من شوك وحشائش جافة وعاقول ، وبعض جذور الأشجار . عند بوابة البلدة يغلقن افواههم الطافحة بالحكايات ، ويتفرقن في الفضاء الواسع الذي يضم حقولاً متعددة : ولكن عودتهن الى بيوتهن ستكون متفاوتة الزمن ، تفاوت سرعتهن في جمع الحطب ، وستظل تنانير المتأخرات منهن باردة بلا السنة لهب وبلا خبز حار ، وستبقى مناقل تهيئة الشاي الصباحي بلا جمر متوهج ، مقلوبة على وجوهها ، نظيفة من رماد صباح اليوم السابق ...

اخفت إحداهن قلقها واضطرابها وهي تدلف بالرضيع ، دافعة باب البيت الحديدي الخفيض بأناة ، خوف ان ينبعث صريره عالياً ويوقظ النائمين الذين سيستفزهم مشهد امهم داخلة عليهم بطفل رضيع وليس بكارة حطب ، فيواجهونها بما لا تعرف الاجابة عليه من الاسئلة . انها مثلهم ليس لديها معلومات عن الطفل ولا معرفة سابقة به ، وهي لم تنحن عليه وترفعه من قارعة الطريق لأنه قطعة كبيرة نافعة من الحطب ، ستغنيها اليوم عن الدوران في الحقل ، ولكنها التقطته بدافع لا تقوى على شرحه وتوضيحه ، خال من المنفعة : دافع من الاحساس ببشاعة ما ستقوم به الكثير من المخالب التي تطوف المكان ، والتي لن تتإخر عن التهام لحمه الطري ، وربما مضغت عظامه الهشة معها . لكن حتى لو نجحت هذه المرأة في التعبير عن هذا الدافع ، فانه لن يكون العذر الكافي لإسكات افراد عائلتها عن التساؤل . سيتوالى سقوط الاسئلة على رأسها من الجميع : من الوالد والأولاد والبنات ، فإدخال فرد غريب الى العائلة ، حتى لو كان رضيعاً ، ليس قراراً انثوياً في عالم العشائر والقبائل والحسب والنسب ، وليس قراراً صائباً من جانب تشريعات الدولة الناشئة التي حصرت منح المواطنة بدائرة النفوس التي تعتمد على شهادات الميلاد الصادرة عن دائرة البلدة الصحية ...

المرأة التي رأت الرضيع مسجىً على حافة الطريق الترابي ، لم يشل يديها ويؤخرهما عن التقاطه : التفكير بتشريعات الدولة وبدوائرها الجديدة ، ولا التفكير بالعواقب الاجتماعية التي تتعلق بسمعتها وبسمعة بناتها . انحنت بسرعة ورفعته من الارض الترابية الى صدرها والقمته ثدييها ، ونست مهمتها الصباحية في جمع الحطب ، ولم تتساءل عن كيفية اتمام الفطور لزوجها : الذي لا يخرج الى عمله قبل ان يتناول رغيفاً حاراً مع الشاي ، وشيئاً من مشتقات الحليب الذي ستجلبه " المعيدية " بعد قليل ...

نجحت المرأة في الدخول بالرضيع الى باحة البيت ، من غير ان يتسبب صرير الباب بإيقاظ النائمين ، ولكن الصرخات التي اطلقها كانت كافية لإيقاظهم ، اذ اضطرت الام الى الذهاب به مباشرة الى زاوية البيت التي يوجد فيها حِب ماء الشرب ، والمصخنة التي تجلب بها الماء من نهر البلدة القريب ، وسلبچة غسل الأيدي مع الإبريق ، وجردل من مطاط مع بضع علب من التنك مملوءة بالماء ، استعانت بماء احداها في تنظيف جسد الطفل الذي اطلق صرخات عالية أيقظت افراد العائلة جميعاً ، ثم أسرعت في الدخول الى الحجرة الطينية ، وتناولت صرة ملابسها ، واستخرجت من ثيابها القديمة قطعة مسحت بها جسد الرضيع ولفته بقطعة ثانية ، وشدتها عليه بالقماط نفسه الذي كان يلف جسده حين عثرت عليه . استسلم الطفل لدفء القماش ولانفاس المرأة الحارة ، فكف عن البكاء وعاد الى النوم ثانية . لقد عب من ثدييها على طول مسافة العودة الى بيتها : ما ملأ جوفه ، وسد جوعه .

الأب الذي ايقظه مع أولاده صراخ الطفل ، دخل الغرفة وراء زوجته ، فأخبرته الام بما حدث ، وبما سيحدث لو انها تركت الطفل وتجنبت انقاذه ، فتعاطف معها ، ووافقها على ما فعلته ، ثم التفت الى أولاده الذين تبعوه مدهوشين قائلاً لهم : لا بد من التكتم على وجوده ، سيقاطعنا أعمامكم وأخوالكم لو سمعوا بما فعلنا ، وستضعنا الحكومة في السجن ..

نام الطفل في كنف حنان العائلة بشكل سري ، وفيها كان افراد العائلة متكتمين على وجوده بصورة دقيقة . ولم يستيقظ ويخرج الى النور الّا حين بلغ سنته الثالثة ، اما حين بلغ السادسة فقد وجد نفسه يجلس على رحلة خشبية في صف دراسي ، ويردد مع التلاميذ : دار ، دور ، نار ، نور ..

هو يتذكر تماماً صينية الخوص التي قدمها ابوه الى ضيوف الصباح ، وكيف التهموا ما عليها من خبز حار وزبدة وگيمر بعجالة . لقد تمرست امهم بصناعة مشتقات الحليب بعد ان جلب ابوهم معه في زيارته الاخيرة لأعمامه بقرة حلوب " يشرب منها الاولاد الحليب الذي يقوي عظامهم " ويتذكر ان ضيوف الصباح طلبوا الشاي مرة ثانية ، قبل ان يقدم لهم والده بعض الأوراق التي سمعهم يسمونها مستندات ويسميها هو الآن وثائق . ثم نظروا اليه وسألوه عن مكان الولادة وزمانها فأجابهم الأب : - في هور الكسّارة ، تمت ولادته ، كنا في زيارة الى أعمامي هناك . اما سنة الولادة فهي السنة نفسها التي اصبح فيها : ياسين الهاشمي متصرفاً لِلواء المنتفج .. هكذا حلّ الإحصاء الشامل الذي قامت به الدولة اشكالية مواطنته ، وتم قبوله في المدرسة رسمياً بناء على الجنسية التي منحته اياها دائرة النفوس ، معتمدة على ما ورد في سجلات الإحصاء الرسمي التي اشارت الى ان مكان ولادته هو : هور الكسّارة ، وسنة ولادته 1922 ...

ملحق
1 -
هزته بعمق القصة التي بدأت ترويها الام بفم مرتعش وهي على فراش الموت ، تلّفت اكثر من مرة الى اخوته وأخواته المتجمهرين حول فراش موت امهم : متسائلاً عن حقيقة ما يسمع ، فتجيبه قسمات الوجوه الباكية بصحة ما تقوله الام ، حتى ان الوالد الذي عاد تواً من دكان عطاريته : طبطب على ظهره وهو يوميء اليه برأسه مؤكداً صحة ما يسمع .
2 -
تساءلت الأُم كثيراً مع نفسها قبل ان تخبره بحقيقة كونه : ابناً بالتبني ، وحين استقر رأيها على أخباره بحقيقة وجوده ، تمنت لو انها قصت عليه حكايته وهي على فراش الموت : انها لا تقوى على تحمل نظرات الدهشة التي ستطل من عينيه ، ولا الاسئلة الكثيرة التي ستنطلق كالنافورة من شفتيه . يمنعها حبها الشديد له من زرعه في موقف الحائر الذي يستجدي المعرفة ، بعد ان ادهش اخوته ووالده وجميع مدرسيه وأساتذته بتفوقه الدراسي ، وحصوله على الكثير من هدايا هذا التفوق ...
3 -
حين وصلت الام بالحكاية الى ذروتها وأخبرته بالمكان الذي وجدته فيه ، شعر بالاختناق ، فخرج هارباً من الغرفة ، اذ أشعلت الحكاية التي روتها الام امواجاً عاتية من الدهشة والعجب والتساؤل ، وتمنى لو انه لم يسمع ما قالته الام ، اذ يصعب عليه تخيل انه هبط من رحم آخر ، وانه نسخة عن أبوين غائبين لم يشعر بطعم حنانهما يوماً ...
4 -
ولكنه تذكر ، وهو في ذروة غضبه واحتجاجه ، ان حكايته تشبه حكايات الاطفال المشهورة التي يتناقلها موروث امم مختلفة ، والذين يتم انقاذهم وهم في وضعيات مختلفة : فبعضهم يتم العثور عليه طافياً في سلة محكمة النسج فوق الماء ، او طافياً داخل صندوق خشبي مقفل ، او تعثر بعض قوافل البدو السيّارة على بعضهم مرمياً داخل بئر ، او يمتنع راعي أغنام الملك عن قتله ، او : كما حدث له ، تجده الام على قارعة الطريق . وغالباً ما يتكشف مستقبل هؤلاء الاطفال عن نجاح باهر وهم يبشرون برسالة ذات ابعاد اجتماعية ودينية وثقافية ، فغادرته مشاعر القلق والرفض والاحتجاج ، وبدا كما لو كان مستعداً لتقبل هذه الرؤى العجائبية التي أضفتها الحكايات على سيرة حياة الاطفال الذين تم انقاذهم ، ومزجتها بجملة من المغامرات والصدف الأسطورية ...
5 -
سحبه صراخ النسوة الى داخل الغرفة ، فرأى رأس امه قد مال قليلاً عن المخدة فأعاده اليها ، وقبلها على جبينها ، ثم اغمض عينيها ، وترك المكان الى نسوة الجيران والأقارب اللواتي بدأن بالتجمع حولها ، لكي يتولين امر تهيئتها وحملها الى التابوت الذي ينتظرها في باحة البيت المكشوفة ...
6 -
لم يحدث ما سمعه عن اصله انقلاباً في مشاعره واحاسيسه ، فيفضل الام البيولوجية على الام التي أنقذته وربته ، حتى انه لم تراوده يوماً فكرة تخيل شكل امه البيولوجية التي تخلت عنه ورمته الى مخالب الضواري ، وصار يشعر بنوع من اللذة وهو يتخيل نفسه ملفوفاً بقماط قوي ومرمي على قارعة الطريق ، وتتعمق لذته اكثر حين يدمج حكايته الشخصية كطفل لقيط بحكايات الاطفال اللقطاء التي تكررت روايتها في ازمنة مختلفة من قبل شعوب وامم مختلفة ، فكان يبتسم لنفسه ابتسامة من بدأ يؤمن بأنه وجد معنى لحياته ، وان القدر قد هيأه لاداء دور في الحياة غير عادي .
7 -
وحين ينغمس اكثر في تحليل انقطاع الام في ذلك الصباح عن عادتها في جمع الحطب ، وحرمان عائلتها مما اعتادته من فطور الصباح ، يستنتج بان ما وقع لم يكن خاضعاً لمنطق المصادفة وحده : فالأب الذي لم يتعود ان يشاركه احد في القرار ، وافق من غير صراخ وانفعالات على ضم الطفل الى افراد العائلة : " وهو لا يوافق بهذه السهولة " ان لم تكن ثمة قوة خارجية قد دفعته الى القبول بمشاركة زوجته في القرارات الداخلية للبيت . لقد بدأ يؤمن بانه كائن لا خيار له سوى تهيئة النفس لتلقي هذه الاوامر الخارجية والالتزام بها
8 -
لقد لاقت أساطير الاطفال الرضَّع الذين يُلقى بهم في ماء النهر الجاري ، او في غيابة الجب ، او يقوم الراعي بعدم تنفيذ مهمة قتل الطفل التي كلفه بها حاكم البلاد : لاقت هذه القصص هوىً في نفسه ، اذ أبعدت عنه الضيق الذي شعر به حين روت له الام حكايته كلقيط ، ولاحقاً منحته مقارنة محطات حياته مع محطات حيواتهم واكتشافه لتطابقها : الاستنتاج بالنجاح الذي ينتظره في نشر رسالته ، اذ ستساعده مواهبه الخارقة على نشرها ، فهو كأطفال الحكايات لا بدَّ وان يكون منطوياً على افعال إعجازية ، تمنحه قدرة السيطرة على ظواهر الطبيعة والاجتماع وتسييرها لخدمة اهداف حركته الانقاذية ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بيتر ميمى يطرح برومو -شلبى- قبل عرضه 4 يناير ويعلق: فيلم لكل


.. أيام قرطاج المسرحية.. أزمات المسرح التونسي والعربي تتصدر اهت




.. أزمات المسرح التونسي والعربي تتصدر اهتمامات أيام قرطاج المسر


.. فعاليات مهرجان الجزائر الدولي للسينما تستمر في تحدٍ لمنافسات




.. سينما -كل شي ماكو: فيلم عراقي يرصد الأسى الذي لحق بالعراقيين