الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كازاخستان تختار الخط الاوراسي الحليف لروسيا والصين وايران

جورج حداد

2022 / 5 / 29
العولمة وتطورات العالم المعاصر


إعداد: جورج حداد*

الكازاخ والعرب
هناك فكرة سائدة هي ان العلاقة التاريخية بين العرب وكازاخستان تنحصر في توسع الفتوحات العربية الاسلامية القديمة ووصول الاسلام، بهذه الواسطة، الى آسيا الوسطى ومنها كازاخستان.
ولكن الواقع التاريخي للعلاقة بين كازاخستان واسيا الوسطى عموما وبين العرب، هي اعمق من ذلك واكثر تعقيدا. فبعد ان استولى صلاح الدين الايوبي على السلطة في مصر، ثم في المشرق العربي، بالمكر والخديعة وطعن الفاطميين والعباسيين والمصريين وكل العرب في ظهورهم، اخذ هو، وعشيرته الكردية الايوبية الحاكمة من بعده، في استقدام المماليك واستعمالهم للتسلط على العرب وحكمهم. وحينما كثرت اعداد المماليك وقويت شوكتهم انقلبوا على الايوبيين واستأثروا بالسلطة في الدولة الاسلامية التي اصبحت عربية بالاسم فقط. وصارت الخلافة العربية (العباسية) مركزا شرفيا رمزيا فقط. اما الحكم الفعلي فصار للمماليك وسلاطينهم، الذين تابعوا "رسالة!" السلاطين والامراء الايوبيين الاكراد في حكم العرب بالسيف والسوط ووقف تطورهم الحضاري وانزالهم الى اسفل الدرجات على سلم الحضارة الانسانية. وكانت اعداد كبيرة من المماليك تتحدر من شعوب اسيا الوسطى البدوية، بمن فيهم الكازاخ (او الكازاخستانيين بالتعبير المعاصر). وكان أحد أولئك المماليك الكازاخ ــ كما تقول المرويات التاريخية ــ السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، الذي كان القائد العسكري الابرز في جيش السلطان المملوكي سيف الدين قطز الذي أوقف زحف المغول على مصر بعد استيلائهم على العراق وسوريا، وانتصر عليهم ودحرهم في معركة عين جالوت في 1260م. وبعد معركة عين جالوت قتل الظاهر بيبرس قطز وحل محله كسلطان.
وفي هذه الحقبة بالذات (في القرن الثالث عشر) كان المغول، بقيادة جنكيزخان وابنائه، قد سيطروا على الصين، ومنها قاموا بغزو اسيا الوسطى بما فيها كازاخستان وحكموها بالحديد والنار كما في كل بقعة دخلها المغول الهمجيون. وفي المرحلة ذاتها تبنى المغول الاسلام، ومن اسيا الوسطى بما فيها كازاخستان اجتاحوا الاراضي الروسية يدعمهم التتار، بوصفهم فاتحين مسلمين، ودمروا واحرقوا موسكو وكييف والعديد من المدن الروسية الاخرى، وفرضوا الضرائب التعسفية على الروس بالاسم الديني "المقدس": "الجزية".
وعلى هذه الخلفية يمكن القول، ان كازاخستان كانت احد معابر الاجتياح المغولي لروسيا من ظهرها. كما يمكن القول، من زاوية نظر محددة، ان صراع المماليك بقيادة السلطان الكازاخي الظاهر بيبرس ضد المغول هو احد تعبيرات الصراع الكازاخي ضد المغول مثلما او اكثر مما هو صراع الدولة الاسلامية ــ العربية بالاسم، ضدهم.
وقد اسفرت معركة عين جالوت وما تلاها من معارك المماليك ضد المغول عن نتيجتين:
الاولى ايجاية ــ وهي ازاحة طاعون المغول عن سوريا الكبرى والعراق (وما بعدهما بلاد فارس).
والثانية سلبية ــ وهي ترسيخ حكم المماليك بالنظر اليهم كمحررين، والنظر الى الظاهر بيبرس كبطل اسلامي قاد تحرير الدولة العربية ــ الاسلامية من المغول، كما سبق النظر الى السفاح الطائفي والعنصري المعادي للعرب صلاح الدين الايوبي كبطل اسلامي قاد تحرير القدس من الصليبيين.
وتقول المعلومات الصحفية الروسية انه كان قد قدم الى سوريا للمشاركة في الجهاد لاجل اقامة "الخلافة الداعشية" الوف المقاتلين من دواعش آسيا الوسطى وكازاخستان. وطبعا ان هؤلاء الدواعش كانوا يحلمون بإعادة امجاد اجدادهم المماليك، كما كان يحلم رجب طيب اردوغان باعادة امجاد اجداده العثمانيين.
وانطلاقا مما تقدم يمكن القول ان العلاقة العربية مع كازاخستان ينبغي ان تحظى باهتمام خاص وتشريح خاص، تاريخي ــ ديني ــ سياسي، من قبل حركة التحرر الوطني العربية، والا... فإن دواعش اليوم، احفاد المماليك، حاملي جوازات السفر الاميركة او التركية او السعودية او الاماراتية الخ، يتربصون خلف الابواب بسكاكينهم "المقدسة" لنحر العرب، المسلمين والمسيحيين، الخارجين على "الاسلام!" الايوبي والمملوكي والعثماني والسعودي.
XXX
كازاخستان وروسيا
كانت كازاخستان تاريخيا اقليما جغرافيا شاسعا، تقطنه قبائل رحّل، رعوية ــ بدوية، طورانية (تركية قديمة). وقد غزاها في مراحل مختلفة ملوك الفرس والصينيين والمغول والقياصرة الروس. وفي القرن الثامن عشر دخلت كازاخستان كليا في قوام الدولة الروسية القيصرية. والى اليوم فإن قسما كبيرا من الرأي العام الروسي لا يزال يطالب باعادة كازاخستان الى كنف الدولة الروسية، كما كانت قبل سنة 1917.
وبعد قيام الثورة الاشتراكية الكبرى في روسيا في 1917، والاطاحة بالقيصرية، طرح الشيوعيون الروس لاول مرة في التاريخ شعار حق تقرير المصير للشعوب. وبناء على هذا الشعار الانساني، القومي ــ الاممي، قام الشيوعيون الروس والكازاخستانيون بفصل كازاخستان عن الدولة الروسية، وشكلوا في 1918 الدولة الكازاخستانية لاول مرة في التاريخ بوصفها "جمهورية كازاخستان الاتحادية الاشتراكية السوفياتية".
ولكن هذه البقعة الجغرافية الشاسعة، المأهولة بالعشائر البدوية المبعثرة، لم تكن تملك اي مقومات لقيام دولة. وخلال المرحلة السوفياتية، وتلبية لنداءات الحزب الشيوعي (البولشفيكي)، انتقل للعيش في كازاخستان مئات الوف الشبان والشابات الروس، من العلماء والخبراء والاختصاصيين والمثقفين والعمال المهرة والمزارعين الطليعيين، متطوعين للعمل على اخراج كازاخستان من المرحلة البدوية للقرون الوسطى وادخالها في القرن العشرين. ويعود لهؤلاء المتطوعين الروس، ثم ابنائهم واحفادهم، الذين ولدوا على الارض الكازاخستانية، الفضل الاول في تشييد كازاخستان جديدة تَمثّـل في بناء المؤسسات الصناعية، ولا سيما الصناعة المنجمية والتعدينية، والزراعية الكبيرة الممكننة، وشق الطرقات ومد السكك الحديدية، وبناء الجسور والانفاق وشبكات الكهرباء والمياه والمدن والجامعات والمعاهد ورياض الاطفال والمستشفيات والمسارح ودور السينما وكل اشكال العمران الاخرى. وقد انفقت الدولة الروسية السوفياتية الوف مليارات الروبلات، المأخوذة من عرق وجهد وضنك وجوع اجيال من الكادحين الروس، لانشاء مقومات الدولة الكازاخستانية الجديدة. وكان اهم انجاز تم تحقيقه على هذا الصعيد الحضاري هو تشكيل الطبقة العاملة الكازاخستانية، وجماهير الفلاحين المرتبطين بالزراعة المعاصرة، ومكافحة الامية وتعميم التعليم وتشكيل شريحة واسعة من الانتلجنتسيا، من المثقفين والمتعلمين الكازاخستانيين. وبنتيجة هذا الدور التنموي، التحضيري، التثقيفي والتعليمي الذي اضطلع به المواطنون الكازاخستنيون من اصل روسي، وبدعم مالي واقتصادي وعلمي شامل من قبل الدولة الروسية ــ قلب الاتحاد السوفياتي السابق ــ ، اصبحت اللغة الروسية واسعة الانتشار وتعتبر مع اللغة الكازاخية اللغتين الرسميتين للدولة الكازاخستانية الجديدة.
ولكن في الوقت ذاته وُجد في كازاخستان تيار شوفيني ــ اسلاموي ــ ارتجاعي معاد لروسيا، ويحن الى العصر الرعوي، وهو ينقسم الى جناحين:
ــ1ــ جناح "ليبيرالي" مزعوم متطرف يدعو الى التحرر من "الاستعمار" الروسي المزعوم، وتحرك خيوط هذا الجناح المخابرات الاميركية والاسرائيلية والتركية.
و ــ2ــ جناح اسلاموي رجعي مكشوف تمتد خيوطه الى المنظمات الارهابية المرتبطة بالسعودية من جهة، والى تركيا من جهة ثانية. وكان هذا الجناح ينظر الى كل جامعة ومستشفى ودار توليد ودار حضانة وروضة اطفال بأنها طعن للتقاليد والعادات و"الاخلاق!" و"الشرف!". وهو يلتقي مع التيار الداعي الى توحيد الدول الناطقة بالتركية، سواء على طريقة رجب طيب اردوغان او طريقة نورسلطان نزاربايف، وهو ما سنتناوله لاحقا.
XXX
لمحة عامة
ولدى انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، كانت كازاخستان آخر جمهورية سوفياتية اعلنت انفصالها عن الاتحاد واستقلالها في كانون الاول 1991.
وتعتبر كازاخستان تاسع دولة ذات اكبر مساحة في العالم، اذ تبلغ مساحتها 2.700.025 كلم مربع (اكبر من مساحة اوروبا الغربية بمجملها واكبر 5 مرات من مساحة فرنسا). ولكنها من الدول الاقل كثافة سكانية في العالم، اذ يعيش فيها اقل من ستة اشخاص في كل كلم مربع. وهي تتشكل من جبال منحنية وصحارى وسهوب وسهول شديدة الاتساع، صالحة للزراعة الكبيرة والاقتصاد الريفي بكل اشكاله، وقادرة نظريا على اطعام العالم كله وتأمين جميع المتطلبات الغذائية للعالم اجمع لعدة مرات في الموسم الواحد، فيما لو اقتضت الضرورة ذلك. وتشترك كازاخستان في حدودها مع روسيا والصين وقيرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان، كما تشغل جزءًا كبيرًا من ساحل بحر قزوين المغلق، وتجاور عبره ايران التي تطل ايضا على بحر قزوين.
وتقع كازاخستان في اوراسيا اي بين اوروبا واسيا، ولكن معظم الاجزاء الغربية منها تقع في اوروبا. والنقطة الاهم على هذا الصعيد هي انها تقع بين الصين وروسيا. ويبلغ طول حدود كازاخستان مع روسيا اكثر من 7600 كلم ، وطول حدودها مع الصين حوالى 1800 كلم. وكانت كازاخستان احد اهم ممرات طريق الحرير القديم بين الصين واوروبا قبل 1500 سنة. وهي اليوم تشكل مع روسيا اقصر طريق لمشروع "حزام واحد ــ طريق واحد" (طريق الحرير الجديد) بين الصين واوروبا. واذا ما تمكنت اميركا وحلفاؤها من فرض حصار بحري على الصين او توتير الوضع الامني وتعطيل الملاحة التجارية في البحار المحيطة بالصين، فإن الممرات البرية من الصين الى اوروبا والعالم، عبر الاراضي الروسية والكازاخستانية، تصبح ذات اهمية حيوية استثنائية بالنسبة للصين وللتجارة والاقتصاد العالميين.
وفي العهد السوفياتي كانت كازاخستان مكاناً لعدة مشاريع سوفياتية كبرى ناجحة مثل مشروع سيميبالاتينسك ومختبراته النووية، الذي جرت فيه كل التجارب النووية السوفياتية حتى سنة 1989، ومركز بايكونور الفضائي الضخم الذي اطلقت منه كل الصواريخ والمركبات الفضائية السوفياتية، والذي انفقت في انشائه مليارات الدولارات ولا تزال روسيا الى اليوم تستخدمه بصيغة تأجيرية طويلة الامد.
ويكتسب المركز الفضائي بايكونور في جنوب وسط كازاخستان اهمية خاصة بالنسبة لروسيا، وقد كان المركز الرئيسي لبرنامج الفضاء السوفياتي من الستينات حتى الثمانينيات، إذ تم بناؤه في منتصف الخمسينات من القرن الماضي كمركز لتجارب الصواريخ بعيدة المدى، ثم تم توسيعه لاحقاً ليشمل مرافق الرحلات الفضائية، وتم إطلاق أول قمر صناعي، وأول إنسان إلى الفضاء من هناك، ويستخدم الموقع اليوم بكثافة لإطلاق رواد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية. ويبعد مركز بايكونور عن مدينة موسكو 2100 كلم فقط.
ولكن، ولضمان الاستقلالية التامة للبرنامج الروسي للصواريخ وعلوم الفضاء، عمدت روسيا ــ وبالاضافة الى متابعة استخدام مركز بايكونور المستأجر في كازاخستان ــ الى بناء مركز فضائي جديد، في الشرق الاقصى ضمن الاراضي الروسية، على بعد 5500 كلم عن موسكو، وسمي "فوستوتشني" (اي الشرقي)، وهو مركز لاطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية، تم اطلاق اول صاروخ منه في 2016، وتم استكمال عملية بنائه في 2018، وبلغت تكلفته مليارات الدولارات.
وبعد اطلاق الرئيس الصيني تشي جين بينغ لمشروع "حزام واحد ــ طريق واحد" (طريق الحرير العالمي الجديد) في 2012، وظفت الصين مئات مليارات الدولارات في اسيا الوسطى وكازاخستان، لتشييد البنى التحتية البرية والجوية لطريق الحرير الجديد.
ومنذ بداية العمل بمبادرة "الحزام والطريق" في عام 2013، وحتى تشرين الثاني 2021، استثمرت الصين نحو 755.17 مليار دولار في مشروعات الطاقة والنقل والمباني، ومعظم هذه المشروعات تمرّ عبر كازاخستان ودول آسيا الوسطى التي تُعَدّ الممر الرابط بين أوروبا وآسيا والمنطقة العربية وإيران.
ووفقا لبعض التقديرات، تعود لكازاخستان نسبة 40% من التجارة العالمية لليورانيوم، الذي تصنع منه الطاقة النووية او الاسلحة النووية، ولديها ثاني أكبر احتياطي عالمي من اليورانيوم والكروم والرصاص والزنك، ولديها ثالث أكبر احتياطي من المنغنيز، وخامس أكبر احتياطي نحاس، وتصنّف ضمن المراكز العشرة الأولى في تصدير الفحم الحجري، والحديد، والذهب. وهي أيضا مصدّر للألماس. وعلى غرار روسيا، توجد فيها جميع انواع المعادن، بما فيها بعض المعادن النادرة المفقودة في بقية اصقاع العالم. وربما الأكثر أهمية بالنسبة للتنمية الاقتصادية، فإن كازاخستان لديها أيضا حاليا أكبر احتياطي عالمي مؤكد لكل من البترول والغاز الطبيعي. وتعتبر كازاخستان من اكبر مصدّري النفط والغاز الطبيعي الى الصين، عبر الانابيب البحرية والبرية الممتدة من البر ومن القطاع الكازاخستاني في بحر قزوين الى الصين.
ويبلغ انتاج وتصدير النفط والغاز نسبة 70% من الدخل القومي لكازاخستان. ويبلغ اجمالي الناتج المحلي فيها مرتين اكثر من الناتج المحلي لجاراتها قيرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان مجتمعة، مما يساهم في اعطاء كازاخستان طابع "الاخ الاكبر" لجمهوريات اسيا الوسطى الاسلامية السوفياتية السابقة.
وتستورد كازاخستان من روسيا، تقريبا جميع حاجياتها الاستهلاكية المستوردة، وتعتبر روسيا الشريك التجاري الاكبر لكازاخستان.
وفي العهد السوفياتي تم اكثر من مرة تغيير الحدود الادارية لكازاخستان، وضم اليها قطاع كبير من سيبيريا الروسية. وكانت هذه التغييرات الجغرافية تعتبر "مسألة ادارية داخلية" ضمن الدولة السوفياتية الواحدة.
وبلغ عدد سكان كازاخستان في 2020 حوالى 19 مليون نسمة، منهم حوالى 4 ملايين نسمة (حوالى 20%) من الروس، مقابل 65% من الكازاخيين، والبقية هم من الاوكرانيين وغيرهم من جميع الدول السوفياتية السابقة ومن الالمان والصينيين (الاويغور المسلمين) والكوريين واليهود ذوي الاصل الخزري (الاشكنازي).
ويبلغ عدد المسلمين في كازاخستان نسبة 70%، و26% من المسيحيين الاورثوذوكس والباقون من مختلف الاديان والمذاهب الاخرى واللادينيين.
وتنتمي كازاخستان الى هيئة الامم المتحدة وجميع المنظمات الدولية الرئيسية، والى منظمة الدول الناطقة بالتركية، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تقودها روسيا، وتضم: كازاخستان، أرمينيا، قيرغيزستان، طاجيكستان، وأوزبكستان. كما تنتمي الى "الاتحاد الجمركي الاوراسي" الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وارمينيا وقيرغيزستان.
وهي عضو أيضاً في منظمة شنغهاي للتعاون. وهذه المنظمة تضم الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى، وانضمت إليها إيران مؤخراً، وينظر إليها في الغرب وكأن الهدف منها هو تشكيل معادل لحلف شمال الأطلسي.
وبعد ازاحة الحزب الشيوعي عن السلطة، فإن الحزب الحاكم في كازاخستان الذي ينتمي اليه نزاربايف وتوكايف هو حزب "نور اوتان" (نور الوطن) الذي تأسس في 2006، كوريث لحزب "اوتان" (الوطن). وتأسس "نور اوتان" باندماج عدد من الاحزاب الليبيرالية الصغيرة مع حزب "اوتان". وهو حزب اسسه نزاربايف سنة 1996، كحزب ليبيرالي حليف لحزب "روسيا الموحدة" الروسي الموالي للرئيس بوتين.
ومنذ استقلال كازاخستان بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، حكم البلاد الزعيم الشيوعي السابق نورسلطان نزاربايف حتى سنة 2019، حينما قدم استقالته فجأة وحل محله الرئيس الحالي قاسم جومارت توكايف.
ولكن نزاربايف احتفظ لنفسه بمركز رئاسة مجلس الامن القومي في كازاخستان، الذي يمسك بزمام القوات المسلحة العسكرية والامنية في البلاد، وهو ثاني اهم مركز سياسي ــ عسكري ــ امني الى جانب مركز رئاسة الجمهورية. وهذا ما فسح المجال لنشوء نوع من ازدواجية السلطة في كازاخستان. بل ان بعض المحللين يذهب الى القول ان نزاربايف بقي هو الحاكم الفعلي لكازاخستان، وان الرئيس توكايف لم يكن سوى دمية في يده.
وفي عهد نزاربايف تم الانتقال الى اقتصاد السوق ودخل البلاد الكثير من الشركات الاميركية التي وظفت استثماراتها في قطاع الطاقة بشكل خاص. وتستحوذ شركة شيفرون الأمريكية العملاقة على 50% من حقل نفط "تنغيز" الذي يعطي ثلث الناتج السنوي للبلاد.
كما دخلت شركات تركية إلى السوق الكازاخستاني، وحصلت على مشاريع فاقت قيمتها 26 مليار دولار، بهدف تقليص العلاقات مع روسيا.
وخلال حكم نزاربايف تشكلت طبقة من الاوليغارخيا الاغنياء الذين استفادوا من المشاريع الكبرى التي انجزت في البلاد، من اجل مصالحهم الخاصة وتعزيز نفوذهم وتضخيم ثرواتهم.
وصرح وزير سابق في حكومة نزارباييف هو زمان بك نوركاديلوف إنه يجب على نزاربايف الرد على الاقاويل بأن مسؤولين في عهده تلقوا ملايين الدولارات كرشوات من شركات النفط الأميركية.
وتقول بعض المعلومات الصحفية ان نزاربايف نقل ما لا يقل عن مليار دولار من عائدات النفط إلى حساباته المصرفية الخاصة في بلدان اجنبية. وتتحكم عائلته في شركات رئيسية في كازاخستان.
وقد استفادت حاشية نزاربايف جيدا من وجوده في السلطة في مرحلة اقتصاد السوق وجنت ارباحا كبيرة. وللمثال فان ابنته دينارا نزارباييفا هي احد اكبر المساهمين في بنك "هاليك" وقدرت مجلة فوربس الاميركية ثروتها بـ 1.3 مليار دولار، وهي رابع اغنى الاغنياء في كازاخستان.
وينقسم الكازاخيون الى ثلاث قبائل تحمل كلها اسم "جوز" وهي: جوز الكبرى، جوز الوسطى، وجوز الصغرى.
وتحكم قبيلة جوز الوسطى البلاد، وينتمي اليها كل من الرئيسين السابق والحالي، نورسلطان نزاربايف وقاسم توكايف.
XXX
خطوط الصراع
في المرحلة ما بعد السوفياتية، ولا سيما في العقدين الاخيرين، ظهرت في كازاخستان، وتقاطعت وتضافرت، وتنافست وتضاربت، عدة خطوط جيوسياسية رئيسية، يمكن تشخيصها فيما يلي:
ــ1ــ الخط الروسي ــ الصيني وتدعمه ايران:
باعتبار كون كازاخستان جمهورية سوفياتية سابقة، فإن الحدود الروسية الطويلة جدا معها، وكذلك الحدود الصينية الطويلة، كانت بمثابة "حدود داخلية"، ولم تكن مهيأة ومجهزة دفاعيا كحدود مع عدو واقعي او محتمل، كما هي حال الحدود الغربية لروسيا، او الحدود الشرقية للصين. ولذلك فإن الحدود مع كازاخستان تعتبر الى حد ما بمثابة "خاصرة رخوة" دفاعيا لكل من روسيا والصين. ويزيد الطين بلة على هذا الصعيد ان جميع مواطني كازاخستان والجمهوريات السوفياتية السابقة لا يزال يحق لهم الدخول الى الاراضي الروسية والتنقل والاقامة والعمل فيها، بدون تأشيرات دخول (فيزا) مسبقة وبدون تصاريح خاصة. وهذا ما يسهل على اي قوة معادية منظمة، استغلال هذا الوضع على امتداد حدود طولها الاف الكيلومترات.
وبالمقابل فإن لكل من روسيا والصين مصلحة رئيسية في الحفاظ على الاستقرار في كازاخستان، وعلى علاقات صداقة وثيقة معها، باعتبارها جزءا مهما من مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وبوابة رئيسية لطريق الحرير إلى آسيا الوسطى، ومنها الى اوروبا، وباعتبارها مؤهلة كي تضطلع بدور جسر تواصل اوراسي متعدد الاتجاهات، بين روسيا والصين والاتحاد الاوروبي وايران والعالم العربي ــ الاسلامي. وهناك تفاهم وتنسيق ضمني بين موسكو وبكين في منطقة آسيا الوسطى بأن تقوم روسيا بضمان الاستقرار السياسي والعسكري والأمني فيها، بينما تتولى الصين بشكل رئيسي الشؤون الاقتصادية.
ــ2ــ الخط الاميركي ــ الناتوي:
ويحظى هذا الخط بدعم ومساندة وتمويل اسرائيل واليهودية العالمية، من جهة، والسعودية ومشيخات النفط العربية، المتاجرة بالاسلام، من جهة ثانية.
وبعد ان سقط احتمال السيطرة على روسيا وتفكيكها واستعمارها بشكل مباشر في عهد يلتسين، والنهضة القومية الروسية ــ الاورثوذوكسية الجديدة في روسيا في عهد بوتين، اخذ الخط الاميركي يعمل بشكل حثيث في "الحوش الخلفي" الجنوبي لروسيا، من القوقاز الى اسيا الوسطى، وكازاخستان هي في القلب من ذلك الاقليم شديد الاهمية. وكانت القيادة الامبريالية الاميركية والناتوية تهدف الى زعزعة الاستقرار في كازاخستان، وزعزعة وإضعاف النظام القائم ومحاولة اسقاطه وتفكيك هذه الدولة مترامية الاطراف. وتضع الدوائر الاميركية نصب اعينها هدفين:
الهدف الاول ــ السيطرة على انتاج النفط والغاز في كازاخستان بوضع اليد بشكل كامل على حقل تنغيز الضخم، وهو ثاني أكبر حقول النفط بالعالم، بعد حقل الغوار في السعودية، ويقع بمستنقعات الشاطئ الشمالي الشرقي لبحر قزوين، ويبلغ انتاجه حوالى 900.000 برميل يوميا. كما على حقل كاشاغان (البحري) الواقع في المياه الاقليمية التابعة لكازاخستان في بحر قزوين وينتج ما بين 370,000 إلي 400,000 برميل يوميا (احصاءات 2019).
ويمكن زيادة انتاج النفط في كازاحستان الى 1.500.000 برميل يوميا.
وهذا بالاضافة الى انتاج الغاز.
واذا تمكنت اميركا من تحقيق هذا الهدف، فهذا يعني، من جهة، امكانية تقليص او الغاء اعتماد اوروبا على استيراد الغاز والنفط من روسيا، ومن جهة ثانية، التحكم بجزء هام من تصدير النفط والغاز الى الصين.
والهدف الثاني ــ تحويل كازاخستان الى ليبيا ثانية من حيث التفكيك القبلي للدولة وتحويلها الى اوكار ومراكز تجميع للارهابيين والمخربين والمرتزقة القتلة من شتى بقاع الارض، وخصوصا السفاحين التابعين للجيش الارهابي التكفيري الاسلاموي العالمي لداعش واخواتها، وللاويغور الصينيين، ومن ثم تحويلها الى بؤرة لاوكار الذئاب الارهابية، التي تنطلق فرادى او في مجموعات صغيرة، لارتكاب المجازر ضد المدنيين والاهداف المدنية في القرى والبلدات والمدن الروسية على امتداد 7600 كلم، والصينية على امتداد 1800 كلم. وطبعا تحت شعارات نشر الدمقراطية وحق تقرير المصير للشعوب على الطريقة الاميركية. واذا ما قامت روسيا او الصين بضرب تلك الاوكار والمجموعات دفاعا عن شعبها وارضها وامنها القومي، فستنطلق آلة البروباغندا الاميركية لاتهام روسيا والصين بالاعتداء على سيادة الدولة الكازاخستانية وشعبها الصغير، وستفرض شتى انواع العقوبات ضدهما، وربما تتدهور الامور نحو اشعال حرب اقليمية كبرى لا يوجد اي ضمانة تمنع تحولها الى حرب عالمية جديدة، قد تكون نووية.
ــ3ــ الخط التركي (العثماني الجديد):
وتتبنى هذا الخط حركة "الاخوان المسلمين" ذات الانتشار العالمي، والتي تتخذ من الدولة التركية قاعدةً مركزيةً لها، وتعمل لاستقطاب جميع الدول والشعوب الناطقة بالتركية حول هذه القاعدة.
وينقسم هذا الخط الى ثلاثة اجنحة هي:
الاول ــ جناح محافظ يقوده رجال الدين التقليديين، المرتبطين خصوصا بالارياف في الدولة التركية، الذين يرون ان خلاص العالم الاسلامي هو في نبذ الاختلافات القومية، وبعث الخلافة العثمانية، بكل تقاليدها القديمة، وتوحيد "الامة الاسلامية" حول تلك الخلافة، المرتكزة الى العنصر التركي. ويحظى هذا الجناح بدعم غالبية رجال المؤسسة الدينية السنية في كافة ارجاء العالم وخصوصا في السعودية.
والثاني ــ جناح اسلاموي ــ ليبيرالي مفتوح، مرتبط بالبرجوازبة الكومبرادورية للدولة التركية، ذات المصالح المرتبطة بالشركات الاجنبية متعددة الجنسية والرأسمال الاحتكاري العالمي، واساسه في المرحلة التاريخية الراهنة: الامبريالية الاميركية والطغمة المالية العليا اليهودية العالمية.
والمثال الذي يعمل هذا الجناح على تطبيقه هو النموذح اليهودي ــ الصهيوني، الذي انتجت دولة اسرائيل المصطنعة بناء عليه، والذي يجمع الفعالية الرأسمالية الاحتكارية، والتعصب الديني، والتعصب القومي الشوفيني التركي (بالمعنى الواسع، الذي يشمل جميع الشعوب والاقوام ذات الاصول التركية داخل وخارج الدولة التركية الراهنة). ويتزعم هذا الجناح الداعية الاسلاموي ــ التركي فتح الله غولن المقيم في اميركا منذ 1999. وينتظم هذا الجناح في ما يسمى حركة "هِزْمَت" او "خِزْمت" (اي "خدمة")، التي تحظى بدعم الامبريالية الاميركية واليهودية العالمية، وتمتلك عشرات الوف المدارس والمعاهد والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والخيرية والصحف والمجلات والاذاعات والتلفزيونات وشتى المؤسسات الربحية وغير الربحية في تركيا واسيا الوسطى وفي جميع مناطق الانتشار التركي في العالم، وتدير هذه الحركة استثمارات بمئات مليارات الدولارات. وقد اتهمت حركة غولن هذه بمحاولة الانقلاب الفاشلة على نظام اردوغان في ليل 15 ــ 16 تموز 2016، والتي شارك فيها قطاع من الجيش. وبعد فشل محاولة الانقلاب قام نظام اردوغان باعتقال عشرات الالوف من انصار غولن العسكريين والمدنيين، وقدم الالوف الى المحاكم وحكم على اعداد كبيرة منهم بالسجن المؤبد، كما تم اغلاق عشرات الصحف والمجلات والاذاعات والتلفزيونات، وفصل مئات الالوف من رجال القضاء والمعلمين والموظفين والعسكريين من اعمالهم ووظائفهم.
والثالث ــ جناح رجب طيب اردوغان، الذي يمسك العصا من وسطها في ما بين الجناحين الاولين. ويعتمد هذا الجناح على حركة "الاخوان المسلمين" العالمية الاساسية، وقد نجح في اقامة علاقات وثيقة وارضية مفاهيمية ــ سياسية اساسية مع الجسم الرئيسي للجيش التركي ذي التقاليد الاتاتوركية: "العلمانية" "الحداثية" و"الاوروبية". ويقوم مشروع اردوغان على ما يمكن تسميته "العثمانية الجديدة"، وهو يقضي بان يقوم العنصر التركي (بالمعنى الضيق للكلمة، اي اتراك الدولة التركية الراهنة) ببعث "الخلافة الاسلامية العثمانية" في قالب "مدني"، "علماني"، "حداثوي"، "اتاتوركي"، يقوده الجيش، ويكون مواليا للغرب الامبريالي الاميركي وحلف الناتو والاتحاد الاوروبي. وتعمل هذه "الخلافة العثمانية الجديدة" على المطالبة و"الجهاد" لاجل استعادة اراضي السلطنة العثمانية القديمة، في القوقاز والبلدان العربية والاوروبية الشرقية، والوقوف ضد الدولة الروسية والدولة "الفارسية"، وتضليل الشعوب التركية في اسيا الوسطى بشعارات "القومية التركية الكبرى"، والشعوب العربية والاسلامية بالشعارات "الاسلامية" المناهضة للرافضية الشيعية عموما وللدولة الفارسية "المجوسية المارقة" خصوصا، واخيرا ــ وبالتعاون الوثيق مع ألة البروباغندا الاميركية واليهودية الجهنمية والبابوية الفاتيكانية ــ تضليل شعوب اوروبا الشرقية بشعارات: حوار الاديان الكبرى التقليدية وتآخي الاديان الابراهيمية التوحيدية المناهضة لـ"الهرطقة" الاورثوذوكسية عموما وللشعب الروسي خصوصا.
ويذكر انه قبل مائة عام اقام كمال مصطفى اتاتورك علاقات تقارب مع السلطة الثورية السوفياتية الجديدة في روسيا والتظاهر بالصداقة معها، من اجل التمويه والتظاهر باستقلالية رمي تركيا في احضان الغرب الامبريالي تحت شعارات "الحداثة" و"التمدن".
وعلى المنوال ذاته، فإن نظام رجب طيب اردوغان يحتفظ اليوم بعلاقات وثيقة، سرية او مكشوفة، مع اسرائيل واميركا والناتو، وفي الوقت نفسه ينتهج سياسة ألعبانية، مكيافيلية ــ براغماتية، و"مستقلة" شكليا، في العلاقات مع بعض فصائل المقاومة الفلسطينية وروسيا وايران، وذلك من اجل الكاموفلاج السياسي واستمالة الجيش التركي وتسجيل النقاط على الجناح العثماني المحافظ وجناح فتح الله غولن، في تركيا.
ــ4ــ الخط الزعامتي والشوفيني لنزاربايف:
انتخب نورسلطان نزاربايف لرئاسة كازاخستان منذ استقلالها في كانون الاول 1991، واعيد انتخابه عدة مرات متتالية حتى استقالته المفاجئة في شباط 2019. وكان الدستور لا يسمح للشخص الواحد بالترشح اكثر من مرتين. ولكنه جرى تعديل الدستور خصيصا لنزاربايف كي يسمح له بالترشح كما يشاء ومدى الحياة.
وفي ايار 2010 منحه مجلس النواب لقب "زعيم الامة".
وخلال مدة ولايته الطويلة احيط نزاربايف بهالة من التمجيد الخاص، ونصبت له عدة تماثيل وانصاب في المدن والمؤسسات الرسمية، كما في احدى الساحات العامة في العاصمة التركية انقرة.
ولدى استقالة نزاربايف، كان اول اجراء اتخذه خلفه قاسم جومارت توكايف هو تغيير اسم العاصمة "استانا" ليصبح اسمها "نورسلطان" تكريما لنزاربايف.
كل ذلك اوجد لدى نزاربايف نزعة زعامتية وشعورا مزدوجا بالعظمة الشخصية، من جهة، وبـ"فرادة" كازاخستان، من جهة ثانية. وكانت الحاشية المحيطة به تغذي لديه هذه النزعة وتستفيد منها.
وخلال مدة رئاسته كان نزاربايف يتصرف وكأنه "الزعيم الاوحد للامة". وظل كذلك حتى بعد استقالته من الرئاسة.
وطوال هذه المدة التي استمرت اكثر من ثلاثين سنة، من 1991 وحتى 2022، كان نزاربايف يعمل على مسارين جيوسياسيين هما:
المسار الاول ــ اثناء مدة حكمه شبه الفردي، والمدعوم من الاوليغارخيا الجديدة الملتفة حوله، فتح نزاربايف الابواب لدخول التوظيفات الاميركية والاوروبية والتركية الى كازاخستان، واقامة مختلف العلاقات المباشرة مع الاوليغارخيا والموظفين الكبار، الكازاخستانيين، وكذلك امام التوظيفات الصينية. وكان يضع نصب عينيه هدف تقليص الوجود الاقتصادي والثقافي والاجتماعي الروسي، وجعل كازاخستان ساحة منافسة دولية: اميركية ــ اوروبية ــ تركية ــ صينية ــ روسية، كان يتوهم انه هو وسلطته يمسكان بخيوطها.
والمسار الثاني ــ على صعيد مشروع "تركيا الكبرى": فقد كانت كازاخستان، ونزاربايف شخصيا، عضوا نشطا في منظمة الدول التركية واسمها الرسمي هو مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية (CCTS). وكان نزاربايف يطمح لايجاد "اتاتوركية" معاصرة جديدة يقودها هو شخصيا، ولتوحيد الدول الناطقة باللغة التركية (بمختلف تلاوينها)، وتكوين "اتحاد تركي" على غرار "جامعة الدول العربية" او "الاتحاد الاوروبي"، يكون محوره دول آسيا الوسطى الاسلامية السوفياتية السابقة بقيادة كازاخستان، في مواجهة مشروع رجب طيب اردوغان الذي يطمح ليكون محور هذا "الاتحاد التركي" دولة تركيا الحالية.
ــ5ــ الخط الاوراسي لتوكايف:
ان الرئيس الحالي قاسم توكايف هو دبلوماسي محترف خريج المعاهد السوفياتية الروسية، وعمل لسنوات طويلة كدبلوماسي سوفياتي في الصين، وهو يتقن اللغتين الروسية والصينية، بالاضافة الى الانجليزية. ويعتبر مواليا لروسيا، كما يعتبر صديقا جيدا وثابتا للصين كما وصفه الرئيس الصيني تشي جين بينغ.
وتقوم ستراتيجية توكايف على استغلال العاملين الجغرافي والدمغرافي لتعزيز الدور الاوراسي لكازاخستان استنادا الى العوامل التالية:
ــ1ــ اتساع الرقعة الجغرافية لكازاخستان، وموقعها بين اسيا واوروبا، وبين روسيا والصين (بالحدود البرية) ومجاورتها لايران (عبر بحر قزوين المغلق).
ــ2ــ التعددية القومية والدينية والاتنية لشعب كازاخستان، ووجود حوالى 4 ملايين مواطن كازاخستاني من اصل روسي كان لاجدادهم وآبائهم الفضل الاكبر في اخراج كازاخستان من عصر التخلف والبداوة وبناء كازاخستان المعاصرة، ووجود 70% من السكان من المسلمين واكثر من ربع السكان من المسيحيين غالبيتهم من الاورثوذوكس التابعين للكنيسة الروسية، ووجود نظام اجتماعي مدني يقوم على المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.
ــ3ــ العلاقات الممتازة بين كازاخستان من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة ثانية.
ــ4ــ امكانيات التعاون مع روسيا لتعزيز وتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية والامنية والاجتماعية والدينية (الاسلامية) مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، للوقوف بوجه الجيش الارهابي التكفيري العالمي الاسلاموي، من جهة، وبوجه الدور التوسعي الشوفيني والرجعي التركي، المرتبط بالغرب الامبريالي، من جهة ثانية.
XXX
على المحك
وفي 5-1-2022، وكما صاعقة تنفجر بشكل مباغت في سماء صافية، اندلعت في بعض المدن الكازاخستانية ولا سيما في ألماآتي اكبر مدن البلاد وعاصمتها الاقتصادية، مظاهرات عنيفة واعمال شغب وتخريب واحراق سيارات شرطة ومقر رئاسي ومبان حكومية واحتلال مطار المدينة من قبل المخربين، في الساعات الاولى للاضطرابات. وتحدثت الانباء عن ظهور مجموعات مسلحة، قدرت المراجع الامنية اعدادها بعشرين الفا، وقام هؤلاء المسلحون المندسون في صفوف المتظاهرين بقتل 25 ضابطا ورجل امن، وقطع رأسي اثنين منهم على الطريقة الداعشية. وكان شرارة انطلاق المظاهرات قرار متسرع وخاطئ للحكومة برفع اسعار الغاز المسال الذي تستخدمه عامة الشعب. ومع ان الرئيس قاسم توكايف اصدر امرا فوريا بإقالة الحكومة والغاء قرار رفع سعر الغاز المسال، فإن الاضطرابات لم تتوقف، بل اتخذت بسرعة طابعا سياسيا مكشوفا، متعدد ومتنوع الوجوه. فأصدر حينذاك الرئيس توكايف نداء طلب فيه النجدة من منظمة معاهدة الامن الجماعي التي تشارك فيها كازاخستان وتقودها روسيا، لارسال قوات ضاربة لحماية المقرات الرسمية والمرافق العامة (المطارات ومحطات السكك الحديدية ومحطات توليد الكهرباء وشبكة توزيع المياه والمستشفيات الكبرى الخ). كما اصدر توكايف امرا لقوات الامن باطلاق النار على المخربين وقتلهم بدون انذار مسبق. وعلى الفور اقامت روسيا جسرا جويا لايصال قوات منظمة معاهدة الامن الجماعي بسرعة. وفي خلال 48 ساعة احتلت قوات المنظمة مواقعها المحددة بدون اطلاق رصاصة واحدة، فيما تفرغت قوات الامن الكازاخستانية لمطاردة المخربين، وتقول الانباء انه تم قتل 150 شخصا واعتقال اكثر من 10 الاف شخص للتحقيق معهم.
ويقول المحللون الموضوعيون انه، بالمقارنة مع اندلاع الاحداث في سوريا في 2011، فإن المتآمرين والمخربين والارهابيين في كازاخستان كانوا على ثقة بامكانياتهم وعلى عجلة من امرهم انهم زجوا بالمجموعات المسلحة في خضم الاحداث منذ الساعات الاولى، الامر الذي جعلهم مفضوحين تماما منذ البداية.
وبالمقارنة مع احداث الانقلاب النازي ــ الناتوي في اوكرانيا في 2014، فإن الرئيس الاوكراني الشرعي آنذاك فيكتور يانوكوفيتش كان متهما بالفساد، وخشي على ارصدته وممتلكاته من العقوبات الاميركية، ولذلك امتنع عن اصدار الامر بمواجهة الانقلابيين بحزم، بل على العكس فإنه ــ تملقا لاميركا ــ اصدر امرا لرجال الامن بمن فيهم المدافعون عن البرلمان بعدم استخدام السلاح في مواجهة الانقلابيين، وهذا ما مكن النازيين والناتويين من اقتحام البرلمان بدون اية مقاومة وقتل رجال الامن المساكين، كالصيصان، بالرصاص وبهراوات البيسبول الغليظة التي زودهم بها حلف الناتو، وفي داخل قاعة البرلمان قام الانقلابيون ــ وعلى الهواء مباشرة ــ بتحطيم رؤوس بعض الوزراء وعدد من النواب الروس والمعادين للنازية وللناتو، وارسالهم الى المستشفيات مضرجين بالدماء، وفي هذا الجو "الدمقراطي جدا" على الطريقة الاميركية عين الانقلابيون حكومة عميلة واجبروا البرلمان المبتور على التصويت لها ومنحها الثقة.
اما في كازاخستان فإن الرئيس الشرعي قاسم جومارت توكايف لم يكن لديه ما يخشى عليه سوى مصير شعبه وبلاده. ولذلك طلب النجدة من منظمة معاهدة الامن الجماعي و"سمع النصيحة" وضرب بشدة على ايدي اعداء كازاخستان الخارجيين والداخليين. وتم في اقل من اسبوع دفن المؤامرة، وعودة قوات منظمة معاهدة الامن الجماعي الروسية وغيرها الى بلدانها.
وبعد خمسة ايام فقط من بدء الاضطرابات اي في 10-1-2022 لخص الرئيس بوتين الوضع بتصريح صحفي قال فيه: "إن بعض القوى الخارجية والداخلية استغلت الوضع الاقتصادي في كازاخستان لتحقيق أغراضها. وإن منظمة معاهدة الأمن الجماعي تمكنت من اتخاذ إجراءات مهمة لمنع تدهور الأوضاع في كازاخستان. فاتخذت القرار الضروري وفي الوقت المحدد".
ويقول محللون ان كازاخستان اكدت خيارها وان دروس ازمة كازاخستان في كانون الثاني 2022 ساعدت القيادة الروسية على اتخاذ قرار تنفيذ الحملة العسكرية الخاصة في اوكرانيا في شباط 2022، لتصحيح خطأ التساهل الروسي مع النازيين والانقلابيين الناتويين الاوكرانيين في شباط 2014.
وعليه ينبغي الان القول لجميع ابواق واذناب وعملاء اميركا واليهودية العالمية والسعودية في لبنان وفي كل مكان:
ـــ كفى! لقد ولى زمن العربدة والجعجعة والعهر السياسي والاعلامي والعمالة "الدمقراطية" و"الحيادية" و"السيادية"، وجاء زمن الحساب امام محكمة التاريخ ويقظة الشعوب!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيديو يظهر لحظة الاعتداء على زوج نانسي بيلوسي


.. الهجمات السيبرانية تشتعل بين الغرب وموسكو وسط تبادل الاتهام




.. شاهد| كاميرا مراقبة تظهر لحظة تنفيذ إطلاق النار في سلوان بال


.. الكابينت سيعقد اجتماعا طارئا بمقر الشاباك




.. -هنا لندن- إلى المنصات الرقمية: الزمن يتغيّر ولكن لا يتوقف