الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في ان مفهوم الترييف : مفهوماً عنصرياً / الجزء الاول

اسماعيل شاكر الرفاعي

2022 / 6 / 10
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة


في ان مفهوم : الترييف مفهوماً عنصرياً
الجزء الاول
1 -
تتكثف في مصطلح : " الترييف " كل الدلالات السلبية التي تشير الى ان ما جرى في مدن العراق ( - من تصحر ثقافي ، ومن سحق لنواتاة الحداثة الاجتماعية والسياسية ، ومن النظر الى العصبيات الطائفية والقبلية والمناطقية على انها هي المجتمع المدني - ) سببه اغراق المدن العراقية بطوفان متواصل من هجرات الفلاحين ، وانه لولا هذه الهجرات ، لما حدث داخل المدينة العراقية ما حدث من تراجع ونكوص حضاري ، وان هذه الهجرات لم تحدث نتيجة لأسباب ارضية تتعلق بظلم الاقطاع ، وتصحر التربة ، والانخفاض الشديد في إنتاجيتها ، وانعدام الخدمات التام في القرى ، بل ان هذا المفهوم - او مَن نحته - يرى : ان التآمر على الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية التي يزعم انها كانت جارية على قدم وساق في العراق ، هو الذي دفع الفلاحين الى الهجرة ...
2 -
لم تكن مدناً : تلك القصبات والبلدات التي نشأَت على ضفاف الأنهار كمخازن للحبوب ( مناثر ) ، لتُسهّلَ على البواخر النهرية ، التي بدأت تمخر نهري دجلة والفرات في ثلاثينات القرن التاسع عشر ، نقلها الى بغداد وتصديرها الى الخارج . صحيح انه تمت تسميتها في التقسيم الإداري اللاحق للعراق : أقضية ونواحي ، ولكنها لم تكن مدناً بالمعنى الحديث للمدينة . لقد ظلت اهم هذه المدن ( الموصل ، بغداد ، البصرة ) تتوارث مهماتها القديمة يوم باشر بتأسيسها الغزاة العرب وجعلوها مراكز لتجمع الجيوش الغازية ( البصرة ) او مركزاً للخلافة ولتجمع الجيوش ( بغداد ) او مركزاً لانطلاق الجيوش الاسلامية ( الموصل ) ، اي ان هذه المدن التي تشكلت منها خارطة العراق الحديث لم تجد لنفسها مهمات جديدة : مستلة من الافق الحضاري الصناعي الجديد تقع خارج مهماتها القديمة المرتبطة بالغزو ، رغم مرور القرون على انطلاقة الثورة الصناعية ( عام 1750 ) في بريطانيا . تبعت بريطانيا اهم الدول الاوربية ، في مهامها الحضارية الجديدة المتمثلة بالخروج من قيم وقوانين ومهمات الحضارة الزراعية : عبر التأسيس لقيم وقوانين ومهمات حضارة جديدة هي الحضارة الصناعية ، فيما ظلت مدن الحضارة الزراعية : البصرة وبغداد والموصل تراوح مكانها على ارضية الحضارة الزراعية : مادياً وفكرياً ، ولم تتخطها...
3 -
في مفصل الحرب العالمية الاولى التاريخي الهام : انتقلت قيادة العالم من الامبراطوريات الزراعية الهرمة : العثمانية والروسية والألمانية وإمبراطورية النمسا والمجر والصينية والهندية ، الى دول فتية هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا توحدت قومياً ، وامتلكت جيوشاً سريعة الحركة : تستخدم بكثافة تكنولوجيا عسكرية متطورة ، وجاءت بمؤسسات جديدة غير مسبوقة في الحكم : كالدستور والبرلمان وتقسيم السلطات ، وباشرت كل منها في بناء إمبراطورية جديدة لا تقوم على ما قامت عليه الامبراطوريات الزراعية من ضم اراضي الدول الزراعية واستحصال الضرائب منها ( الخراج والجزية ) إنما قامت على اسس جديدة في التاريخ هي الأسس الصناعية : لسد حاجات صناعاتها من المواد الخام ، وايجاد الاسواق لتصريف منتجاتها الكثيفة . تزامنت ولادة هذه الدول مع ولادة طبقة اجتماعية جديدة في التاريخ هي الطبقة البرجوازية التي قادت الثورة الصناعية انطلاقاً من العلم والمختبرات لايجاد وتطوير واختراع تكنولوجيا متشعبة الخدمات : للجيوش ، وللزراعة ، ولإدارة الدولة ، وللطب ، وللنقل ، وللطاقة ، دامجة بين الارتفاع بمستوى معيشة الانسان وبين الحصول على أقصى الأرباح : انطلاقاً من رؤية جديدة للكون ، ومن تحوّل في النظر الى مهمات الانسان على الارض . لم تولد الطبقة البرجوازية في العراق ابداً ، ولن تولد ، مهما زركشنا بعض العصبيات برتوش المجتمع المدني . فالطبقة البرجوازية لم تكن تملك المال فقط ( وهو الشرط اللازم والضروري لدعم مشاريعها الصناعية والتكنولوجية البحثية ، وهو ما تمتلكه العوائل المالكة للخليج ، وامراء العوائل الحاكمة في العراق وفي باقي البلدان العربية ) ولكن لانها امتلكت الى جانب المال : رؤية عقلية جديدة لا يمكن تنفيذها الّا بتحويل مهمة الانسان ووظيفته الارضية من تنفيذ اوامر السماء ( كما كان الحال مع تحشيد وتبشير الكنائس الكاثوليكية والبيزنطية والأرثوذكسية والبروتستانتية ، وهو ما يجري الآن في جوامع وحسينيات المسلمين من تحشيد وتبشير بحروب الجهاد لهداية ابناء الطوائف " الهرطوقية المارقة " وهداية البشرية الغارقة في " ماديتها " ) الى تنفيذ اوامر آلهة الربح الارضية . فالمدينة الحديثة : صنعتها حضارة جديدة هي الحضارة الصناعية ، التي باشرت ببناء عالم جديد ، عالم يقوم على مؤسسات لم تكن موجودة في مدن الحضارة الزراعية القديمة ، وهي مستمرة في انتاج المؤسسات التي تعمق من افق الحريات العام والدفاع عنه بالاستمرار بانتاج المؤسسات التي تشرف على تنظيم الحياة داخلها كالدستور وتقسيم السلطات والرقابة المتبادلة بينها على المستوى المركزي ، وكالبلديات والخدمات وشرطة المرور على المستوى المحلي .
4 -
حين فكّت بريطانيا العظمى اثناء الحرب العالمية الاولى وبعدها : صلة العراق السياسية بالإمبراطورية العثمانية ، وتولت الوصاية المباشرة عليه ، كان العراق يتكون من ثلاث مدن أساسية هي بغداد والموصل والبصرة التي كانت خالية تماماً من اي حركة لتجديد الحياة وتطوير مستوى العيش ، وظلت رؤيتها للكون ونظرتها لوظيفة الانسان في الارض : امتداداً لمهماتها الجهادية الاولى قبل 1300 سنة ، وكان الفقه غالب على نشاطها الفكري ، ومنه يستمد عموم النشاط الادبي والفكري رؤيته العامة للحياة التي يوجزها دائماً القول المتوارث : كل جديد بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " .
وقد ورثت البصرة وبغداد والموصل عن القرون الوسطى حِرَفاً يدوية كدباغة الجلود والصباغة وكبس التمور ، والنجارة وبعض المدارس واسواق الصفارين واسطوات البناء ، وهي حرف منتشرة في جميع أنحاء العالم ، ولم تشكل العوامل الاساسية وراء انطلاقة الثورة الصناعية التي قامت بالضبط على قواعد ادّت الى تهديم بنى الحرف اليدوية المادية وتجاوزت اطروحاتها الفكرية . كما ان هذه المدن الثلاث كانت خالية من اي مؤسسة من مؤسسات ادارة الشأن العام الحديثة ، وتمارس التجارة عن طريق الحيوانات وقوافل الجمال التي كانت سائدة يوم منحها الفاتحون العرب هوية دينية : صارت هي هوية السكان الغالبة في ما تلا من قرون . اما المسافات الفاصلة بين هذه المدن فتملأه قبائل البدو مع رعاة قطعان الماشية والمزارعون . وقد لعبت فيه القبيلة البدوية دور القائد وتحكمت بمسألة البلاد الأمنية ، تشهد على ذلك معارك العثمانيين المستمرة مع قبائل البدو من غير حسم : وفقط حين تغلغل النشاط الرأسمالي في العراق : ارتبط البدو بمهمة جديدة تتمثل بمزاولة الزراعة فاستقرت الكثير من قبائلهم بتشجيع من الوالي العثماني : مدحت باشا عام 1869 ثم بدعم وتشجيع من البريطانيين اذ استطاعت الرأسمالية العالمية ان تهيء البواخر النهرية لنقل ما يراكمه المزارعون من حبوب استراتيجية . لقد توضح انه لا يمكن عزل المسألة الأمنية عن مسائل الاقتصاد ومعيشة الناس وسواها من المسائل الحساسة والتي بدأ يبرز من بينها : دور النشاط الرأسمالي في تشجيع الاستقرار وزراعة المحاصيل الاستراتيجية وشرائها ونقلها الى بغداد عن طريق شركات النقل النهرية البريطانية خاصة ...
5 -
يضفي مفهوم : " ترييف المدن " على هجرة الفلاحين : مهمات تآمرية سرية تقودها قوى شيطانية غير مرئية : تقوم باغراء الفلاحين على هجر الريف ودخول المدن والقيام بأعمال تخريبية : تشبه الأعمال التخريبية التي يقوم به البرابرة حين يغزون المدن والمجتمعات . ولكي يعمق هذا المفهوم -او مَن نحته - هذه الرؤية : لا يتطرق الى ذكر الاسباب الارضية التي دفعت الفلاحين الى هجر الريف والتوجه الى المدن...
6 -
يلح صنّاع مفهوم " الترييف " : على تكرار الاشارة الى تشويه المهاجرين الريفيين لجمالية المعمار العام لمدينة بغداد ، بسكنهم الاعتباطي في احياء عشوائية من اختيارهم : تتكون من الصرائف المصنوعة من القصب والطين ، لا تضم مرافق صحية ، ولا تحتوي شوارعها على مجاري لتصريف مياه القاذورات : ولهذا تحيط بيوتهم المستنقعات وأكداس الزبالة من كل جانب .
والحقيقة ان قصصاً كثيرة تشير الى ان ضباط المحتل البريطاني هم الذين منعوا هؤلاء المهاجرين من الاقتراب من بيوتهم وأحيائهم الجميلة ، وأبعدوهم عن مجال رؤيتهم ( يؤكد ذلك اصحاب نظرية الترييف الذين يرجعون بدايات فعل الترييف الى الفترة التي كان فيها المندوب السامي البريطاني هو الحاكم الفعلي للبلاد ، يعاونه مستشارون في كل وزارة هم اصحاب القرار وليس وزراء الحكومة ، وقد وصف هذه الحالة الشاذة الشاعر محمد باقر الشبيبي بالقول :
( المستشار هو الذي شرب الطلا *** فعلامَ يا هذا الوزير تُعَربدُ )
7 -
تمارس الشعوب الغزو ( بحجج مختلفة : دينية وغير دينية ) لسرقة خيرات الشعوب الاخرى ، وفي حالة الاستيطان تحتكر جيوش الغزاة سكن المواقع الاستراتيجية ، ويحتكر قادتها سكن المناطق الصحية والجميلة خاصة قرب الأنهار ، ولا يسمحون لسكنتها الأصليين بالاقتراب منها . فتتم عملية تبادل ادوار : تصبح فيها آراء المحتل عن الجمال والصحة هو المعيار الذي يفرض عليهم طرد السكان المهاجرين ونفيهم بعيداً عنهم ، وسيحاكي أوائل المتعاونين مع الاحتلال من المواطنين المستعمرَ في آرائه الجمالية والصحية ، ويحتكرون سكن البيوت التي ورثها البريطانيون عن العثمانيين او بنوها ، ويواصلون ما استّنَه البريطانيون من نفي وإبعاد لابناء جلدتهم .
وهذه الفترة هي من اقسى الفترات التاريخية التي مرت على العراقيين : اذ تم فيها حرمانهم من التفكير والتخطيط لحياتهم ، ومنعهم من اختيار الأمكنة التي تناسب سكنهم ، والوقوف بقوة بوجه تقرير مصيرهم . وقد تكرر حدوث هذا الكبت ومصادرة حرية الاختيار في جميع البلدان التي احتلتها اوربا اثناء حروبها الاستعمارية . وقد مارست الانظمة الوطنية التي خلَّفت المستعمرين في الحكم : القسوة التاريخية نفسها ، اذ استمرت بالحكم وفق المنهج الاستعماري ذاته : منهج حرمان شعوبها من المشاركة في الحكم ، ورفض التخطيط لحياتهم باستقلال عن سلطتها ، وهو ما مهد الطريق لاحتكار السلطة وبروز الدكتاتوريات ، ومنع تشكل معارضة وطنية ، وقد قاد كل ذلك الى سحق كل براعم الحداثة السياسية ...
8 -
وهنا يبرز الزيف التاريخي في صياغة مفهوم : الترييف ، بأجلى اشكاله ؛ اذ يتضمن المفهوم الاشارة كذباً الى وجود مديني لا اثر له في الفترة الممتدة من دخول الجيش البريطاني مدينة بغداد في 1917 الى تاريخ بداية هجرة الفلاحين أواسط ثلاثينيات القرن المنصرم . ويستمر المفهوم في بث زيفه اذ يعقد محاكمة متهماً فيها الفلاحين المهاجرين بتهمة تخريب وسحق وجوداً مدينياً لا شواهد على وجوده على ارض الواقع ، كما يفترض هذا المفهوم وجود مدينة عراقية لها نفس مهمات المدينة التي بدأت تتخلق بعد الثورة الصناعية في بريطانيا وفرنسا ودول أوربية اخرى ، اي ان المدينة العراقية في عرف مفهوم : الترييف تنطوي على نشاط صناعي تتحول من خلاله المواد الخام الى بضائع وسلع جديدة ، تمارسه المعامل التي تضم داخلها أصنافاً مختلفة من المكائن والآلات المختصة بتحويل المواد الخام : كالصوف والقطن مثلاً الى ملابس جاهزة .
9 -
تخضع المدينة بتعريفها الجديد الى قوانين الدولة الجديدة التي يضمها الدستور . ولا تخضع ابداً الى ما يقرره العرف البدوي المحيط بالمدينة . لكن الاحتلال البريطاني اصدر قانون العشائر 1918 الذي جعل من العشائر كياناً مستقلاً يعالج مشاكله وتحدياته عن طريق أعرافه وليس عن طريق قوانين دستور الدولة ، في الوقت الذي كان الريف البريطاني والفرنسي وسواه خاضعاً لقوانين الحكومة المركزية الذي اصدرته المدينة بعد الثورات البريطانية 1688 والفرنسية 1789 ، فضيّع البريطانيون والمؤسسة الملكية على الريف العراقي فرصة الاستفادة من انتاج المدينة المعرفي ، فأصبحت المدينة العراقية عملياً خاضعة للاعراف العشائرية السائدة في القبيلة القريبة جغرافياً من المدينة ، ولما يقرره شيخها . لقد يسّرَ قانون العشائر الصادر عام 1918 على البرلمان العراقي عمله في اضفاء الشرعية على سندات الطابو التي باشر البريطانيون منحها لرؤساء العشائر ، والنفخ في صورتهم كطبقة اجتماعية جديدة هي : طبقة الاقطاع مالكة الاراضي الزراعية في الريف ، في الوقت الذي تحتاج المدينة - لكي تصبح مدينة بالمعنى الحديث للمدينة - الى طبقة اخرى : اسمها البرجوازية لها مهمات حضارية اخرى لا بمكن إنجازها في البداية الّا داخل المدينة : الشيء الذي لم يحدث في العراق .
10 -








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ثلاث قمم صينية في السعودية، ماذا تريد الرياض و ما مصلحة بكين


.. عودة ظهور -النمر البربري- في ساورة بجنوب الجزائر




.. ماذا تعني زيارة الرئيس الصيني الى السعودية؟ ولبنان قوي.. بضع


.. علي العنزي: السعودية تسعى مع الأشقاء العرب إلى تنويع الخيارا




.. حوجن.. قصة حب بين عالمين متوازيين | #الصباح