الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المثقّف والثّقافة البديلة

إبراهيم العثماني

2022 / 6 / 11
الادب والفن


لعلّ من مزايا ثورة 14 جانفي 2011 – وهي كثيرة- إثارة قضايا لم تكن تخطر ببال أحد في العهد السّابق. ولعلّ أهمّ قضيّة أصبحت تشغل بال المثقفين والمفكّرين والنّخب السّياسيّة على حدّ سواء في الأشهر الأخيرة هي طبيعة الثّقافة المنشودة. ويستمدّ هذا السّؤال مشروعيّته من دور الثّقافة في طرح قضايا تستجيب للواقع المعيش، وتجيب عن أسئلة حارقة وتُسهم في نحت إنسان جديد يختلف عن النّموذج الّذي صاغته سياسات العقود السّابقة.

1 – ثقـــــــافة الأمـــــــس بين الامتـــــــــثال والتــــّمرّد:

قد لا نجانب الحقيقة إن رسمنا لوحة قاتمة لواقع الثّقافة في تونس طيلة العقدين الأخيرين، وقد لا نجافي الصّواب إن أكّدنا حالة الفراغ الرّهيب الّتي عاشها المثقفون الدّيمقراطيّون، والعزلة المقيتة الّتي دٌفعوا إليها دفعا، والتّهميش القاتل الّذي فٌرض عليهم فرضا، والتّشويه المتعمّد الّذي لازمهم أينما حلّوا...فقد صودرت حرية التّعبير وهُمّشت الثّقافة الوطنيّة وشجّعت الدّولة ثقافة الميوعة والتّغريب والشّعوذة وقيم الرّبح السّريع وعبادة المادّة. ومن ثمّ تقلّص حضور ثقافة الالتزام والرّفض والمقاومة، وعمّقت ثقافة القمع هزيمة المواطن التّونسي ودفعته إلى مزيد الاستسلام. فالسّلطة السّياسيّة اغتصبت أحلامه وإيديولوجيّة القمع ثبّطت عزيمته ودولة البوليس وطّنت نفسه على الاستكانة والخنوع والخضوع. وهكذا أصبح هذا المواطن أشبه ب"إنسان يعمل ولا يسأل، يستجيب ولا ينقد، يعمل ويستجيب ولا يفهم. هو إنسان خاو ومهزوم أو إنسان ممتثل"( فيصل درّاج: ثقافة القمع وثقافة الثّورة ضمن كتاب "الثقافة والدّيقراطيّة" مؤلّف جماعي،الاتّحاد العام للكتّاب والصّحفيين الفلسطينيّن- فرع لبنان،الطّبعة الأولى 1981 ص6).
كُرّست الثّقافة في العهد السّابق لخدمة السّلطة الحاكمة والإشادة بسياسة الزّعيم الأوحد. فشاعت وحدانيّة الزّعيم ووحدانيّة الفكر والفهم والسّلوك، وعمّت سياسة الامتثال كلّ أوجه الحياة الثّقافيّة. لذا مُني الفكر الخلاّق والجدل المثمر بهزيمة نكراء، وخمدت حركيّة المجتمع، وقلّ عطاء النّخبة المثقّفة، وقنع البعض بحاضر بائس وولّى البعض الآخر وجهه شطر ماض تعس قوامه الجهل والظّلام. ذلك أنّ ثقافة الامتثال لا تقود إلاّ إلى الصّمت وعندما يلازم الفكر الصّمت ينتهي دوره ويبدأ في اجترار ذاته. ومن ثمّ ينتفي عنصر الخلق والإبداع والتّجديد.
إلاّ أنّه من الإجحاف أن نغمط حقّ المثقّفين الدّيمقراطيين والتقدّميين الّذين قاوموا التّهميش وتصدّوا للتّصحّر الثّقافي، وناهضوا ثقافة الامتثال وقدّموا بدائل تنوّعت أشكالها وتعدّذت مضامينها. فقد أوجدوا فلولا تسرّبت منها ثقافة الرّفض عبّر عنها المسرح والسّينما والشّعر والرّواية والفنّ الملتزم والفكر النّقدي. ولا أدلّ على ذلك من منع بعض التّظاهرات الفنية و مصادرة الرقابة عشرات الكتب ذات المضامين النّقديّة .وقد تبيّن أنّ نسبة الكتب المصادرة خلال العقدين الأخيرين ( أكثر من 80 مؤلّفا حسب رأي الأستاذ جلّول عزّونة) تجاوزت ما تمّت مصادرته طيلة العهد البورقيبي . ويقيم هذا العدد الكبير الدّليل على الإحراج الّذي يسبّبه النّقد للسّلطة الحاكمة الّتي لا يتّسع صدرها للرّأي المخالف، وعلى خوفها من حرية الفكر ومحاصرتها لكلّ تعبيرة تعتبرها نشازا.
تلك هي أهمّ سمات واقع الثّقافة قبل 14 جانفي 2011 وقد كان طموح المثقفين كبيرا في التحرّر من سلطة القمع الّتي تحكّمت في كلّ مجالات الحياة . لذا كانت مشاركتهم فعّالة في النّضال الّذي قاد إلى التّخلّص من رأس الدكتاتوريّة للاضطلاع بدورهم في نحت واقع جديد.

2 – ثقــــــــافة الــــــيوم بـــين المـــــوجود والمــــــــــنشود:

استبشر المثقّفون بهروب رمز الدّكتاتوريّة واحتفوا بهذا الحدث المفصلي في تاريخ تونس المعاصر، واستعدّوا لرسم ملامح مرحلة جديدة تقطع أيّ صلة بالماضي،مرحلة يحتلّون فيها موقعا متميّزا باعتبارهم أصحاب رسالة ومسؤولين عن منزلة الثّقافة في البلاد.
لكن ما إن تخلّص الشّعب من سلطة مستبدّة تصادر كلّ فكر حرّ وتناهض كلّ صوت رافض للامتثال حتّى وجد المثقّفون أنفسهم يواجهون تيّارات دينيّة متطرّفة أتت بدعا لم تعرف البلاد مثيلا لها، وأقحمت النّخب المثقّفة في أتون صراعات هامشيّة، وألهتها عن طرح قضايا تفيد البلاد والعباد. وهكذا تضاعفت مسؤوليّة المثقفين والمفكّرين في هذا الواقع الجديد الّذي ازداد تشعّبا وتعقّدا، والتبست فيه مسائل كثيرة وعسُر فهم العديد من القضايا. فالتّشويه المتعمّد لأطروحات العلمانيين والتقدّميين كان واضحا جليّا، وتقديم مفاهيم غريبة للقضايا الّتي يطرحونها لم يعد خافيا على أحد . وهكذا أصبحت الهويّة، في معجم هذه التيّارات وخلافا لما هو متداول بين القوى الديمقراطيّة، قطعا لصلة الشّعب بدينه ومعتقداته وتراثه، واستحالت الحداثة كفرا وأضحت حرّية المعتقد استباحة للأماكن المقدّسة والحرمات كأن يسمح الإنسان لنفسه بشرب الخمر أمام المساجد أو أمام بيوت الآخرين، وصارت التيّارات الحداثيّة الّتي قاومت الدّكتاتوريّة خطرا يهدّد مقوّمات هذا الشّعب بل يسعى إلى استئصالها...ومن ثمّ استعاضت هذه التيّارات عن الجدل بالافتراء، وعوّضت حجّة الإقناع بالدّجل واختارت الحلول السّهلة لتحقيق مآرب زائلة.
إنّ مهامّ المثقّفين ملحّة وجسيمة في هذه اللّحظة الحسّاسة من تاريخ البلاد. لذا يُطرح عليهم تكريس ثقافة بديلة تتّخذ من الإنسان وسيلة وغاية في آن واحد، تنطلق منه لتهدف إلى تحريره من كلّ عوامل الرّقابة و الخوف والإحباط، وتجعل منه إنسانا قادرا على القول والفعل والخلق والإبداع والتّمحيص والتّمييز، ثقافة تُسائل السّائد وترفض الثّبات وتنزع إلى المستقبل حتّى يفكّ الفرد ارتباطه بماضي السّعادة الوهميّة والبطولات المزيّفة والأحلام المريضة.
إنّ الثّقافة لا تكون فاعلة إلاّ إذا كانت ديمقراطيّة تعبّر بكلّ حرّيّة عن إرادة الشّعب وتترجم بصدق وعمق آماله وطموحاته وتطلّعاته إلى مستقبل أفضل، وتنقل بأمانة حركيّة المجتمع والصّراعات الّتي تعتمل في صلبه والتّناقضات الّتي تشقّه، وتعكس جدل التيّارات الفكريّة بشأن قضايا العدالة والمساواة والدّيمقراطيّة والعقلانيّة والحداثة والتّقدّ م...
وعندما تتكرّس الثّقافة الدّيقراطيّة فوق أرض الواقع فإنّها تكون بالضّرورة وطنيّة تناهض كلّ أشكال الاستعمار والتّبعيّة، وتعادي الصّهيونيّة وتقاوم دسائسها وتحالفاتها المريبة مع قوى الرّجعيّة العربيّة والغربيّة على حدّ سواء، وتتصدّى للميز العنصري وتفضح الغزو الثّقافي ودوره المقيت في مسخ ثقافات الشّعوب النيّرة وتراثها التّقدّمي .

خــــــــــاتمــــــة:

إنّ المثقّف في تونس مطالب اليوم بالمحافظة على الحرّيّة الّتي اكتسبها بنضالاته وبالسّعي إلى مزيد تعميقها حتّى تصبح مكسبا لا رجعة فيه. ذلك أنّ قوى الرّدة تهبّ من كلّ حدب وصوب، وتعمل جاهدة على نسف ما تحقّق والاستعاضة عن مفاهيم العصر بمفاهيم ماضويّة تجاوزها التّاريخ، وفقدت نجاعتها واستنفدت وظائفها. أمّا رياح الإقصاء الّتي اعتادت الفرز السّلبي والتّهميش ووطّنت نفسها على المحاباة فليس من اليسير أن تغيّر عادات وسمت سلوكها عقودا وعقودا، وتمكّنت منها حتّى أصبحت مقوّما من مقوّمات شخصيّتها لا تحيد عنه.
إنّ الحرّيّة تحصّن المثقّف من الانزلاق نحو متاهات التّضليل والتّمويه والإسفاف، وتجميل القبيح وتقبيح الجميل، وتدفعه إلى تكريس قناعاته بعيدا عن كلّ أشكال الضّغط والإكراه، وتمنحه مساحة أكبر للدّفاع عن القضايا العادلة والقيم الإنسانيّة الخالدة.
إنّ ثقافة الدّيمقراطيّة مدخل إلى ديمقراطيّة الثّقافة وإنّ الثّقافة حرّة أو لا تكون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عأساس بدّن يمدّوا كابل...????‍?? صار بدّن يصوروا ببيت عبدو و


.. الأبطال | الرواية الكاملة لتحرر 6 أسرى فلسطينيين من سجن جلبو


.. فنانون ونقاد يحتفون بحصد -الاختيار- جائزة الشارقة للاتصال ال




.. لويس ميغيل بوينو: الاستفتاءات الروسية هي مسرحية ولم يكن هناك


.. - علاقة اللغة بالتفاهم، في هذه الحلقة من واقعنا بين الأسئلة