الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الطّاهر الهمّامي والمعارك الأدبيّة

إبراهيم العثماني

2022 / 6 / 19
الادب والفن


مـــــــــــــــقدّمة:

ممّا لا جدال فيه أنّ أهميّة المعارك الأدبيّة تكمن في تحريك السّواكن وتفجير الطّاقات الكامنة في نفوس المجادلين، وإذكاء جذوة الجدل. والمعارك الأدبيّة أمارة من أمارات حيويّة المجتمعات وعلامة من علامات رغبة كتّابها ومثقّفيها في إثارة الأسئلة الحارقة وبلورة المفاهيم الملتبسة لإغناء السّاحة الأدبية بمتن نقدي ثريّ ومفيد حاضرا ومستقبلا. وقد عاش المجتمع التّونسي مثل هذه المعارك في عقدي السّبعينات والثّمانينات من القرن العشرين.
وقد لا نجانب الحقيقة إن قلنا إنّ الطّاهر الهمّامي (1947 -2009) هو بطل هذه المعارك ومفجّر قضاياها ومغذّي صراعاتها. فقد كان من أكبر الفاعلين في حركة الطّليعة الأدبيّة (1968- 1972 ) إبداعا وتنظيرا ومجادلة، وكان كذلك رأس مدرسة نقديّة منظّرا للواقعيّة وشارحا أسسها ومقوّماتها ومتصدّيا لخصومها أثناء الجدل الّذي عرفته الأيّام الشّعريّة في بداية الثمانينات. وقد أبى إلاّ أن يثير، في المنتصف الثاني من الثّمانينات، معركة جديدة محورها علاقة الشّعر التّونسي المعاصر بالحداثة والواقعيّة من خلال مقالة موسومة ب"نزعات شعريّة غائبة عن زمانها باسم الحداثة"(1) تناول فيها بالدّرس والتّحليل واقع الشّعر التّونسي في الثّمانينات. وهي موضوع دراستنا.

1- غربة شعر الثمانينات في تونس عن زمانه

لم يتناول الطّاهر الهمامي دراسة الشّعر التّونسي بمعزل عن المؤثرات الخارجية بجناحيها الكوني والعربي. لذا تحدّث في المقدّمة العامّة الّتي وطّأ بها مقالته عن الحداثة في السّاحة الشّعرية العربية والتيارات الرّافعة للواء التّجديد، والنّظرة الّتي قادت هذه التيارات. وقد لاحظ أنّ الحداثة تجاذبتها نظرتان: نظرة شكليّة تقنويّة ركّزت على ما هو صوتي ولغوي ومعماري...ونظرة شموليّة" لا ترى تحديث القصيدة والخطاب الشّعري خارج الاستجابة لتطوّر حقيقي يشمل البنية والوعي معا" (ص9).
وتوقف طويلا عند المدرسة العصرانيّة الغربيّة واستراتيجيّتها. فقد آخذها على تعتيم رؤية المثقّفين ودفعهم إلى العزلة والانطواء. فهذه المدرسة تعبّر" في مجال الأدب والفنّ عن طور الانحطاط الكامل للبورجوازيّة وقيمها المجتمعيّة"، وهي" مجنّدة لمحاربة الواقعيّة والواقعيّة الاشتراكيّة خاصّة".
ثمّ استعرض بإسهاب مقوّمات الإستراتيجية الجماليّة والفكريّة لهذه المدرسة والمتمثّلة في العناصر التالية:
1) اعتبار الجنون أرقى درجات الإبداع الأدبي والفنّي، ونفي دور المنطق والعقل، والتّبشير ب"كتابة أوتوماتيكيّة"..وبفنيات " اللامعقول" والثّرثرة والهذيان والقيء لدى"أبطال" كتّاب المسرح والرّواية الفرنسيّين.
2) تقديم الهموم الضيّقة للفرد على أنّها المعين الوحيد للفنّان
3) تقديم الفنّان على أنّه من طينة خاصّة وجنس مخصوص واعتبار المجتمع عدوّا له والجماهير كتلة بليدة.
4) اعتبار التّعتيم والتّعقيد والفوضى عنوان الإبداع "الطّليعي" الرّائد
5) التّحلّل من كلّ خصوصيّة وطنيّة وقوميّة جسرا للعالميّة وشرطا للشّهرة وذيوع الصّيت باسم "الكوسموبوليّة" أو الكونيّة.
6) تقديم واقعيّة الأدب والفنّ على أنّها أمر خارج عن طبيعته وحاطّ من قيمته واعتبار السّياسة عدوّته الأولى.
7) الدّعوة إلى لزوم "الاستقلاليّة" و"الحياد" في القضايا الاجتماعية حفاظا على"قدسيّة" الفن و"نقاوة" يد الفنان.
8) اعتبار التّقنية كلّ شيء والإنسان لاشيء وبالتّالي الرّفع من شأن الشّكل على حساب المضمون.
9) الدّعوة إلى نقد أدبي وفنّي "علمي" أي متخلّص من" ربقة الإيديولوجيا" و"غير منحاز" يهتمّ بدراسة الأشكال والبنى ويصف الظّواهر ويحصيها دون التّدخّل في المضامين.
ويستنتج الطاهر الهمامي أنّ غاية هذه التّنظيرات هي"شلّ مدارك الإنسان، الفنّان أو غير الفنّان، وتدمير ملكته النّقدية، وإحباطه والقضاء على خصوصيّته الثقافيّة والحضارية المميّزة، والحيلولة أخيرا دون تحوّله إلى بشر واع يعرف المصدر الحقيقي لشقائه ويقوى على مقاومته ".
وقد لاحظ أنّ منتوج المدرسة العصرانيّة لم يتجذّر في الواقع الإنساني ولم يستجب لحاجات اجتماعيّة حقيقيّة. لذا ظلّ يتناسل ويتعاقب تيّارا بعد آخر دون أن يقوى على البقاء. وهذه التيارات المتعاقبة (المستقبلية والدادائيّة والسّريالية والوجوديّة والعبثيّة والتجريدية والرّواية الجديدة واللامسرح واللاشعر والتّجريبية...) "تترجم في الحقيقة فترة انحطاط ثقافي وروحي عام تعيشه الرأسمالية المتعفّنة خلال هذا العصر".
تلك هي أهمّ سمات المدرسة العصرانيّة كما قدّمها الطاهر. وهي مدرسة تقدّم تصوّرا خاصّا للظّاهرة الأدبيّة وعلاقتها بمبدعها، والواقع الموضوعي الّذي يفرزها، والمرحلة التّاريخيّة الّتي تعبّر عنها.
إلاّ أنّ المدرسة العصرانيّة بقدر ما تشيّع لها متشيّعون، ونافح عنها تُبّع متحمّسون ناوأها مناوؤون واعترض عليها معترضون. فقد قاومها مفكّرو الواقعيّة وكتّابها "الّذين تولّوا الكشف عن قاعدتها الاجتماعية البورجوازيّة وخلفيتها الفلسفيّة المثالية- الغيبيّة ومغزاها التّاريخي الانحطاطي، وردّوا على دعاويها " التحديثية الزّائفة".
ويدعّم الطّاهر الهمّامي كلامه بشواهد من كتابات النّقاد الواقعيين. فبليخانوف يرى أنّ الميل إلى إعلاء الشّكل على حساب المضمون هو دليل على الأفول الأدبي، وينحو أرنست فيشر المنحى نفسه مؤكّدا أنّ من مقوّمات الفنّ العصراني " التّعمية واللّجوء إلى الأساطير لتجنّب اتخاذ موقف من المسائل الاجتماعيّة الجوهريّة". أمّا بريشت فيعطي للحداثة مفهومها الصّحيح ويبرز الدّور الحاسم للمضمون في كلّ عمل فني.
وأشار الطاهر الهمامي إلى أنّ التيار الواقعي تطوّر في السّاحة الأدبية والفنية العربية منذ الثلاثينات بدفع من الانتصارات الاشتراكية، وتأثير مباشر من أدب الروائي الرّوسي غوركي، وبرز شعراء يتبنون الفكر الاشتراكي وينافحون عنه، ويكرّسونه في أشعارهم من أمثال السياب والبيّاتي وشعراء المقاومة الفلسطينيّة.
إلاّ أنّ هذا التيّار نافسته مدرسة"شعر"(1957 – 1964) المتأثّرة بالمدرسة العصرانيّة والّتي أدّت، حسب رأي الطاهر الهمامي، دورا سلبيّا في السّاحة الشعرية العربيّة حيث حوّلت القصيدة "إلى مولود مخبري غريب عن الحياة والنّاس وعمّقت بذلك الجفوة بينهم وبين الشّعر". ومثّلت تجربة"شعر" رأس جسر " الطّليعية" العصرانيّة في الشّعر العربي الحديث وعكست بيانات أعلامها وتصريحاتهم ومنتوجاتهم جوهر أرضيّة هذه المدرسة ( الطّابع الميتافيزيقي للعمل الإبداعي، مهزلة الجنون، فرديّة الشّعر وانغلاقه، اعتبار الشّاعر نبيّا وضحيّة والمجتمع جلاّدا والجماهير بليدة وغبيّة...).
وقد تبنّت جماعة" شعر" قصيدة النّثر وبلورت أسسها وحدّدت أهدافها. وبقدر ما اعتبرت الجماعة قصيدة النّثر رمزا للتّجديد والحداثة رأى فيها الطّاهر الهمامي رمزا لانتكاسة الشّعر العربي وتخلّيه عن دوره في تطوير وعي الإنسان. لذا يقول:"وخلاصة ما عبّرت عنه الجماعة هو أنّ "قصيدة النّثر" لاغاية لها خارج ذاتها وأنّها كتابة "لازمنيّة" وأنّ عصر المجانيّة ونفي الهدف يمثّل أحد شروطها".
ويرى الطّاهرأنّ تأثير الحداثة لم يقف عند حدود المشرق. فمنذ الستينات طال هذا التّأثير المجال الإبداعي والمجال النّقدي في تونس، وظهرت نصوص جديدة لمحمود التّونسي ومحمّد مصمولي قريبة من مواصفات " قصيدة النّثر"، وكانت حركة الطليعة (1969 – 1973) مجالا للتّجريب إبداعا ونقدا. فعزالدين المدني يكتب "الإنسان الصّفر" ومحمّد صالح بن عمر وأحمد حاذق العرف يمارسان نقدا مطابقا ل"قصيدة النّثر"و"القصّة التّجريبيّة".
ولم يكتف الطاهر الهمامي بهذه الأمثلة بل استعرض الأسس الّتي قامت عليها حركة"الطّليعة الأدبيّة"وفهمها للظّاهرة الأدبية والمضامين الّتي احتوتها كتابات رموزها، والاختلاف بين الشّعراء والنقاد. وقد أكّد أنّ الموضوع حظي عنده وعند محمد الحبيب الزناد "بحضور واضح وارتبط التّحديث الشّكلي والجمالي لديهما بدرجة من الوعي الاجتماعي" خلافا لما ذهب إليه النّقد على يدي محمد صالح بن عمر الّذي عاب على الأدب العربي عدم تخلّصه من المضمون، ورأى أنّ أزمته متأتية من محافظته على ذلك...
والحداثة في الشعر التّونسي حسب الطاهر الهمامي حلقات متلاحقة ومترابطة في آن واحد وتمثّل مرحلة الثّمانينات إحدى حلقاتها. إلاّ أنّ ما يميّز هذه الحلقة هو "تقلّص حضور قصيدة الموضوع باختلاف أشكالها لصالح القصيدة "التّجريبيّة" باختلاف أشكالها أيضا".
وأكّد أنّ عدوى القصيدة التجريبيّة شملت شعراء المقاومة وشعراء القوميّة وهذا دليل، حسب رأيه، على المأزق الّذي تردّت فيه البورجوازيّة الصّغيرة، وعلى انسداد الآفاق أمامها وعودة بعض المقولات إلى السّاحة الشّعريّة التّونسيّة، وذكر آراء بعض الشعراء التونسيين الّذين عبّروا عنها في صحف تونسيّة. فيوسف رزوقة يعتبر الشعر" عمليّة انتحار بطيء" (2) و"جنونا ناسفا للسّلاسل" (3)، ومنصف المزغنّي يرى أنّه "لابدّ للشّاعر من نسبة جنون"(4). أمّا أولاد أحمد فيعتقد"أنّ الجنون هو جوهر الإبداع"(5). ولمّا حاضر محمّد أحمد القابسي عن "قصيدة النّثر:الواقع والآفاق"(6) ردّد تنظيرات الشّكلانيين في لبنان وتونس والمغرب واعتبر قصيدة النّثر"محصّلة تاريخيّة لنثر عربي، لقيم جماليّة".
ويختم الطاهر الهمامي هذه المقالة بالحديث عن مأزق القصيدة الحديثة اللاهثة وراء الشّكلنة ويرى أنّها "تحمل في ذاتها بذور عجزها وهامشيّتها لأنّها نصّ بدون متقبّل"، وتفتقر إلى النّموذج وتمثّل الاحتفال باللّفظ دون المعنى والنّظم على حساب الشّعر.
ويبدو النّاقد متفائلا مؤمنا بقدرة قصيدة الموضوع على احتلال الموقع المناسب لها والقادر على أداء دوره رغم سيطرة قصيدة اللامعنى والتّجريب والتّعتيم وانتشارها شرقا وغربا.
هكذا نتبيّن أنّ الحداثة الحقيقيّة عند الطاهر الهمامي هي تلك الّتي تؤصّل القصيد الشعري في زمانه وتقرّبه من أذهان النّاس وأفهامهم وتجعله يترجم أشواقهم وآمالهم وطموحاتهم وما عدا ذلك فهو زبد. واقتصار الحداثة على الجوانب الشّكلانية يبعد القصيد عن هموم النّاس ويجعله متعاليا عن الواقع غريبا عن زمانه وفي زمانه.
ويبدو الطّاهر الهمّامي، من خلال هذه المقالة، ملتزما بأسس المدرسة الواقعيّة في النّقد منذ أن تبنّاها في بداية الثّمانينات، وبلور مرتكزاتها في كتابه "مع الواقعيّة في الأدب والفنّ" وطبّقها على نماذج من الشّعر العربي، واعتبرها المدرسة الأقدر على فهم الظّاهرة الأدبية والفنية. وقد ظلّ يردّد، منذ أن تخلّى عن التوجّه الشّكلاني الّذي ميّز أطروحاته وكتاباته خلال مرحلة الطّليعة الأدبية، أنّ الظّاهرة الأدبية لا يمكن عزلها عن الواقع الموضوعي، وأنّ المبدع يتأثّر بما يعتمل في صلب المجتمع الّذي يعيش فيه ف"يعكسه" في إبداعه ومواقفه على حدّ سّواء.فكيف تفاعل شعراء الثمانينات في تونس مع هذه الآراء والمواقف؟

2- ردّ القابسي على الطاهر الهمامي

استفزّت هذه المقالة بعض الأقلام وأثارت غضب بعض الشّعراء. فتصدّى لها محمد أحمد القابسي مفنّدا ما جاء فيها ومؤكّدا أنّ النزعات الشّعريّة الّتي اتّهمها الطّاهر الهمّامي بالغربة عن زمانها هي، خلافا لما ذهب إليه، "نزعات شعريّة حاضرة في عصرها لأنّها في ضمير الحداثة"(7).
وقد انقسم ردّ القابسي إلى قسمين غير متوازيين: قسم أوّل لايمتّ بأيّ صلة إلى النّقد والجدل إذ تحدّث فيه عن دوغمائيّة الطاهر ونرجسيّته وإثارته المعارك الخاسرة، وجرّه الشعراء إلى الاستفزاز. وقد أكّد في بداية ردّه احترامه للطاهر الهمامي وخوفه عليه في آن واحد. فهو يحترمه "لأنّه يجتهد منذ سنوات لنحت منهج فكري خاصّ به يمارسه وينشره بين النّاس"، وهو خائف عليه لأنّه " مازال يردّد إلى الآن طروحات بداية السّبعينات وبالتّالي فهو لم يتطوّر قيد أنملة بل ولعلّه لايريد أن يفعل ذلك..."، ولاحظ القابسي أنّ الهمامي ظلّ متشبّثا بأطروحات الواقعيّة الاشتراكية الّتي تخلّى عنها روّادها، واستنتج أنّ غاية الطاهر الهمامي من كتابة هذه المقالة هي استعادة البريق الّذي افتقده منذ أن كفّ عن كتابة الشّعر منذ سنوات، و هي أيضا استفزاز زملائه الشعراء.
أمّا القسم الثّاني فقد عرض فيه القابسي تصوّرين مختلفين ورؤيتين متناقضتين لجملة من القضايا. وقد تكلّم القابسي باسم جيل الثّمانينات مستعرضا نقاط الاختلاف مع الهمامي والتيّار الشّعري الّذي يتزعّمه والمدرسة النّقديّة الّتي يتبنّاها.
ولمّا عدّد القانسي نقاط الاختلاف بينه وبين الطاهر الهمامي احتلّت الحداثة صدارة هذه النقاط. فالحداثة عند القابسي ليست نقيضا للتّراث بل هي جزء منه والفرد يظلّ ظاهرة تراثيّة خلافا لما يذهب إليه الطاهر الهمامي الّذي يعتبر،حسب رأي القابسي، الحداثة موجة أو نزوة مستحدثة وعابرة.
ويخصّص القابسي فقرة مطوّلة للحديث عن الحداثة من منظورين مختلفين، وتحظى اللّغة بموقع متميّز في هذه الحداثة بل إنّه يقصر حديثه على اللّغة وهو يتحدّ ث عن الحداثة، ويعتبر التّراثي محاكيا للّغة الجاهزة ومستهلكا لها في حين يرتقي الحداثي باللّغة"إلى مرحلة التّوليد والتّفاعل من خلال إنتاج لغة جديدة تحمل فكرا جديدا ومتحدية السّائد وملتزمة أكبر شروط الإبداع"، " ومن هنا تصبح الحداثة حالة دائمة وليست نزعة أو نزوة وهي حالة همّها جعل اللغة جسدا مبدعا منتجا متحوّلا..."
ثمّ ينتقل إلى الحديث عن الشّعر التّونسي ليقوّمه ويصدر حكما على مساره الطّويل فيعتبره شعرا ثابتا يكرّر نفسه منذ عقود- باستثناء الشابي-، شعرا لم يشهد أيّ منعرج إلاّ مع نهاية السّبعينات أي مع الجيل الّذي يمثّله القابسي. ومن ثمّ ينفي عن هذا الشّعر أيّ مظهر من مظاهر التّجديد. فالحداثة تبدأ مع جيل الثمانينات.
وعندما يتحدّث القابسي عن النّقد العربي يصنّف الطاهر الهمامي ضمن الّذين ينظرون إلى الإبداع على أنّه ثابت ملغين" شرط التّحوّل والنّسبية والحركة". فهذا النّقد يكرّس الموجود السّاكن والمطلق الدّائم، والطّاهر الهمامي ينتمي إلى حركة تسير في اتجاه معاكس للحداثة، و"طرحها ينبع من رؤية تاريخيّة مسبقة تكرّس قانونا معياريّا ينفي ما يخالفه"، و"النّصّ الإبداعي عنده يخضع لمعايير مسبقة وصارمة غايتها التّبرير الميكانيكي لتلك المقولات".
ويحتجّ القابسي على الهمامي لأنهّ لم يتعرّض بالنّقد والتّحليل لنصّ أيّ شاعر من الشّعراء الّذين ذكرهم واكتفى بكلامهم الصّحفي، وعلّل هذا الإعراض ب"المنطق الآلي والآني الّذي جعل الهمامي يسقط إنتاجنا لأنّ هذا الإنتاج تجاوز طروحات المنحى الواقعي الاشتراكي". فالسبب الحقيقي إذن يكمن في الاختلاف بين إنتاج جيل القابسي وإنتاج أنصار الواقعية.
ويردّ القابسي على التّهمة الموجّهة إلى نصوص جيله والمتمثّلة في خلوّها من المضامين فيؤكّد عكس ذلك قائلا: "هي النّصوص الطّافحة بالرّؤيا الإنسانية الفنية التي تعتبر من أخصب مصادر الحلم ". ويحدّد مقوّمات القصيدة التي ينتجها جيله والتي تختلف مع القصائد الأخرى:
- قصيدة الحلم هي قصيدة إبداع وليست قصيدة ذاكرة قوامها التكرار
- هي قصيدة نابعة من الذّات فهي قصيدة الوعي الإنساني الدّقيق والشّامل.
هي قصيدة خالية من الإيديولوجيا المباشرة والشّعارات المستهلكة.
هي قصيدة لا تحتكم إلى شكل مسبق أو جاهز أو تخطيط سابق يفصل بين الشّكل كوعاء والمعنى كمضمون لهذا الوعاء.
ذلك هو التّصوّر الذي يقدّمه القابسي للقصيدة. فالشّعر منطلقها ومنتهاها، ومدارها على اللّغة. وهو تصوّر يختلف مع تيّار الواقعيّة الذي يتزعّمه الطاهر الهمامي ويولي المضمون أهمية معتبرة ويعتبر الواقع المعين الّذي تغترف منه القصيدة.
وتحتلّ علاقة جيل الثمانينات ب"في غير العمودي والحرّ" حيزا مهمّا في ردّ القابسي إذ تعرّض لأهمّ أطروحات هذا التيّار من قبيل هوية القصيدة ولغتها وشعريّتها وعلاقة الشعر بالإيديولوجية. فالقابسي يرى أنّ جيله لايؤمن بوجود قصيدة تونسيّة (8) بل هناك قصيدة عربيّة تنتمي إلى الثّقافة والحضارة العربيّتين، وتُكتب باللّغة العربيّة الّتي هي الهويّة وأصالة الإبداع، وفي الاقتصار على الكتابة باللّغة العربيّة رفض للّهجة المحلية (9) بدعوى"إثبات الشّخصيّة التّونسيّة"(10). كما يرفض القابسي أن تكون مظاهر التّجديد مقتصرة على الشّكل. فالإضافة الحقيقيّة إلى القصيد العربي لاتكمن، بالنّسبة إليه، في الخروج عن الشّكل العمودي والشّكل الحرّ بقدر ما تكمن في الرؤية الجديدة للّغة. أمّا البيانات التّفسيريّة والأدبيّات الّتي ترفع الشّعارات فتجرّد القصيدة من شعريّتها شأنها شأن الإيديولوجيا التي يعتبرها القابسي عدوّا للشّعر. ويعلّل فشل المنحى الواقعي الذي قاده الطاهر الهمامي بهيمنة الإيديولوجية على قصيده الشّعري.
ويعتبر القابسي حكم الطاهر الهمامي على شعر جيله من قبيل أحكام القيمة، وكلّ حكم قيمة يخضع للفكر الّذي يصدر عنه صاحب التّقويم. فهو حكم ذاتي.
ويخصّص الجزء الأخير من ردّه لمفهومه للظّاهرة الشّعريّة وعلاقة الشعر بالواقع وظاهرة الغموض. فالشّعر، بالنّسبة إليه، حالة ذاتيّة استثنائيّة يمتلك أرضيّة معرفية وتجربة نوعيّة وأدوات تعبيرية، وهو أسمى من أن يتناول المتداول والعادي والسّطحي وغموضه، وهم أكثر منه حقيقة موضوعيّة بل إنّ "الغموض يعود إلى تقصير القارئ والنّاقد معا في مقاربة النّصّ الشعري أكثر ممّا يعود إلى نتاج واع للشّاعر"، وهو يتوسّل أدوات غير عاديّة ويختزل أرضيّة معرفيّة من مكوّناتها الفلسفة والدّيانات والخرافة والأساطير والتّاريخ.
تلك هي أهمّ الأفكار الّتي تضمّنها هذا الرّدّ. وهو ردّ يعكس الرؤية التي تقود القابسي وجيله في فهم الظاهرة الشعرية وحصرها في بوتقة مخصوصة هي ذات المبدع، وترى أنّ مدار التّجديد هو على لغة القصيد وتعتقد أن الواقع والإيديولوجية والمضامين هي عناصر لاتُعدّ من مقوّمات القصيد الحديث بل هي سبب ضعفه وعلامة من علامات تخلّفه، ويتجلّى تأثير المدرسة العصرانية بكلّ وضوح في هذا الّرد، وهو تأثير لاينفيه هذا الجيل بل يدين تطوّر الشّعر في تونس له. ومن ثمّ نتبيّن أنّ هذا التّصوّر يناقض الأطروحات الّتي بلورها الطاهر الهمامي في مقالته ودافع عنها بكلّ حماس مستندا إلى مقولات الواقعيّة التي أصبح يهتدي بها في تفسيره الظّواهر الأدبيّة والفنية. وهي مقولات سيعتمدها، مرّة أخرى، في ردّه على ما جاء في مقالة الشاعر محمد أحمد القابسي.

3 –الرّدّ على الرّدّ:

كتب الطاهر الهمامي ردّا على مقالة القابسي صدر في حلقتين تحت عنوان:"خصوم الفنّ الواقعي :الوجوه والأقنعة"(11). وقد استهلّ ردّه بمقدّمة عامّة اعتبر فيها كلام القابسي مجرّد خواطر وتعاليق تفتقر إلى الموضوعيّة والتّماسك، ولم يجد فيه نقاشا مركّزا متكاملا يتعرّض فيه للنّقاط الّتي أثارها في مقالته، ثمّ ذكّر بالمحاور الرّئيسيّة الّتي تناولتها مقالته واعتماده على آراء الشّعراء وبياناتهم وتصريحاتهم دون شعرهم "قصد مناقشة الأفكار ومجادلة المفاهيم ونقد التّصوّرات"، ودافع عن نفسه مفنّدا تهمة القابسي الّتي تزعم أنّه يريد خطف الأضواء بعد أفول إنتاجه ومدعّما كلامه بإصداره مجموعتين شعريّتين هما "صائفة الجمر"(1984) و"أرى النّخل يمشي" (1986).
وبعد هذه المقدّمة وهذه التّوضيحات سعى الطاهر الهمامي "إلى بيان التّضارب بين الادّعاءات الّتي تدّعيها المقالة والأقنعة الّتي يحملها صاحبها وبين حقائق الأمور لكشف الأساس الخاوي للنّزعات الشّعريّة الغائبة عن زمانها باسم الحداثة". واستعرض نقاط الاختلاف بينه وبين القابسي. وتتعلّق النّقطة الأولى بسمة الثّبات الّتي ميّزت طرح الطاهر الهمامي حسب رأي القابسي وتمسّكه بمقولات الواقعيّة الاشتراكيّة رغم تخلّي أصحابها عنها.
وقد ردّ عليه قائلا بأنّه كان "طليعيّا"في السّبعينات وواقعيّا في الثّمانينات، ورأى أنّ مقياس القابسي ذاتيّ وأنّ الحداثة عنده منصبّة على الشّكل دون المضمون في حين يرى هو أنّ محور العملية الإبداعيّة ومبرّرها هما الإنسان. وفيما يتعلّق بالواقعيّة الاشتراكيّة وتخلّي روّادها عنها يؤاخذ الطاهر الهمامي القابسي على إصداره حكما لا يدعّمه أي شاهد حتّى تتاح له الفرصة لمناقشته رغم اقتناعه بأنّ الارتداد"لا يعني خطأ النّظريّة السّابقة وصحّة النّظريّة الجديدة الّتي انتقل إليها المرتدّ".
أمّا النّقطة الثّالثة الّتي توقّف عندها الطاهر فتتعلّق بالواقعيّة في الأدب والفن والقوانين المحرّكة لها وكيفية اشتغالها وعلاقتها بالواقع الموضوعي. فهي تقوم حسب رأيه "على الاعتراف بوجود واقع موضوعي مستقلّ عن ذات الفرد وخاضع في بنيته"، وذكّر بأنّ الواقعيّة منهج شمولي لايعزل الشّكل عن المضمون ولا الذّات عن الموضوع، ولا الفرد عن المجتمع، ولا البنية الفوقية عن البنية التّحتيّة، ولا الحاضر عن الماضي. وتساءل عن مفهوم المنهج الشّمولي عند القابسي فإذا كان يقصد بالشّمولية" التّوفيق بين المتناقضات الضدّية في الفكر وفي المجتمع فإنّه يكون قد أخطأ المرمى".
ويعتبر الطاهر الهمامي الواقعيّة من المفاهيم "الأكثر أنسنة" بما أنّها " جعلت همّها الذّود عن إنسانيّة الإنسان ضدّ الاغتراب والاستلاب والمسخ، وجعلت معاناته ومصيره مبدأ وغاية كلّ فنّ، ونزلت بالأدب من علياء القمّة الإقطاعيّة ثمّ البورجوازيّة إلى دنيا النّاس العاديين الّذين أصبحوا أبطالا روائيين ومسرحيّين وسينمائيين".
ويثير في نقطة لاحقة ضبابية الرّوية عند محمد أحمد القابسي. وهي ضبابية جعلته يجانب الحقيقة ويزعم أنّه ناطق باسم جماعة لا يرى الطاهر الهمامي لها أيّ وجود، ويرى في ذلك تضخيما للذّات وزعما لا مبرّر له بل إنّ هذا التّضخيم قاده إلى الزّعم بأنّ الشّعر التونسي ظلّ يكرّر نفسه منذ عقود حتّى ظهرت أسماء في الثّمانينات تختلف رؤيتها عن السّائد.
ويردّ الطاهر الهمامي على هذه النّقطة مفنّدا ما جاء في كلام القابسي ومقدّما جوابه عن هذه المسألة. ف"كسر المألوف الشّعري بدأ في مطلع السّبعينات مع تجربة" في غير العمودي والحرّ" الّتي لم تكن مجرّد تجربة لغويّة و"شعارات" و"أدلجة فجّة" في المضامين.
تلك هي أهمّ الأفكار الّتي تضمّنها القسم الأوّل من ردّه. أمّا القسم الثّاني فقد تحدّث فيه الطاهر الهمامي عن المفارقات الّتي وسمت كلام القابسي واختار لها عناوين فرعيّة تُترجم ذلك من قبيل "عمق سلفي تحت قشرة حداثويّة". فقد حلّل في هذا العنصر علاقة الحداثة بالتّراث ودعّم كلامه بشواهد عدّة تحدّث فيها القابسي عن طبيعة هذه العلاقة. فالحداثة، بالنّسبة إليه، جزء من التّراث، وهي تنطلق من البقاع المضيئة فيه لتضيف إليها الوعي المعاصر...وهمّها جعل اللّغة جسدا مبدعا منتجا متحوّلا...والكتابة فعل إنسانيّ يتشكّل من خلال اللّغة وينهل من الفلسفة والديانة والخرافة والأساطير والتاريخ. ويعلّق الطاهر الهمامي على هذا الكلام فيعتبر بعضه كلاما سلفيّا والبعض الآخر كلاما غامضا ملفوفا بالضّباب، ويصبح مدار الشّعر على اللّغة. ويرى الطاهر الهمامي أنّ اللّغات اغتنت وتطوّرت على أيدي الكتّاب الواقعيين أمثال بلزاك وزولا ولوركا ونيرودا وتولستوي وقوركي. ..إلخ لأنّهم حمّلوا لغاتهم تجارب إنسانية كبيرة فكانت اللّفظة غنيّة بقدر إحالتها على الواقع وتعبيرها عن كلّ ما هو جديد، متوثّب وحيّ. أمّا الكاتب النّخبوي الّذي يعتبر القصيدة ظاهرة معرفيّة معقّدة فليس بقادر على تقديم "الجديد" والإضافة.
ويخصّص الطاهر الجزء الثّاني من هذا العنصر للحديث عن محدوديّة "الفردانيّة" المشطّة وعجزها عن تقديم فن حقيقيّ لأنّها غريبة عن كلّ ما يدور في الحياة وتحكم على الفنّ بتكرار عقيم لتجارب شخصيّة خالية من أيّ نفع. فماذا يكتب البورجوازي؟ وبم يحلم؟ فالأدب البورجوازي حسب الطاهر الهمامي مسدود الآفاق، والأدباء البورجوازيّون يستولي عليهم التّشاؤم والخوف من الغد فيجنحون إلى التّعتيم، ومن ثمّ يجعلون الشّكل والتّقنية كلّ شيء ويتطيّرون من "الأدلجة" و"التّسييس" للفن أي يتطيّرون من كلّ التزام.
أمّا العنصر الفرعي الثّاني فيسمّيه الطاهر الهمامي "من شدّة وضوحها صارت"غامضة"ويحدّد فيه طبيعة الكتابة عند القابسي. فهي تتراوح بين خطابين منضاربين أوّلهما هوالّذي يبرّرفيه غموض الشّعر وتعقّده، وثانيهما هو تستّر القابسي بالحداثة والسّؤال المحرّر الّذي يسكن بيت الجواب. فالقابسي، حسب رأي الطاهر، يريد لنفسه فقط ممارسة الإيديولوجية والسّياسة وامتلاك اليقين والثّوابت ولغيره اللّخبطة والخلط والشّكّ العدمي.

خـــــــــــــــاتمــــــــــة

يعكس هذا الجدل الّذي احتضنته جريدة" الصّباح" في مطلع سنة 1987 تصوّرين مختلفين لفهم الظّاهرة الأدبيّة تقودهما خلفيّتان فكريّتان متباينتان. وقد ظلّ كلّ من الطاهر الهمامي ومحمّد أحمد القابسي متشبّثا بمواقفه يدعّم كلامه بالحجّة تلو الحجّة ليفنّد أطروحات مجادله ويقنع القارئ بوجاهة رأيه وسداد طرحه. وقد كشف هذا الجدل أنّ السّاحة الأدبيّة في الثمانينات غنيّة بتنوّع مدارسها تتجادل داخلها التيارات الأدبيّة، وتتصارع الأفكار لتوضيح الرّؤى وبلورة المفاهيم وشحذ الهمم. وليس هذا الجدل بجديد. فهو امتداد لما حدث في الثّمانينات، وإن تغيّر أحد أطراف الصراع (تعويض القابسي لجماعة المدرسة الكونية والمدرسة الصوفية) فإنّ الطاهر الهمامي ظلّ، مرّة أخرى، المحرّك الأساسي لهذا الجدل ينافح عن الواقعيّة ويعلي من شأنها ويكشف عيوب المدرسة العصرانيّة ويشنّع عليها ويحذّر من عواقبها الوخيمة.

الهـــوامــش:

1)الطّاهر الهمّامي، "نزعات شعريّة غائبة عن زمانها باسم الحداثة"، جريدة الصّباح- الجمعة 6 فيفري1987 ص 9.
2)"الأيّام" 14/1/85.
3) "الأيّام"28/1/85.
4)"الأيّام"28/1/85.
5) "الّرأي" 18/1/85.
6) أُلقيت محاضرة القابسي مساء 23/1/87 بنادي الشّعر.
7) محمّد أحمد القابسي، "نزعات شعريّة حاضرة في عصرها لأنّها في ضمير الحداثة" جريدة الصّباح، السّبت 14فيفري 1987ص9.
8) في كلام القابسي إشارة ضمنيّة إلى تيّار التّونسة الّذي نظّرت له الجماعة المتحلّقة حول مجلّة"الفكر" وتبنّته جماعة "في غير العمودي والحرّ".
9) يبدو أنّ القابسي يلمّح لاختيار الطّاهر الهمّامي اللّهجة التّونسيّة وسيلة كتابة بعد أن علّل هذا الاختيار في مقال موسوم ب"لماذا أصبحت أكتب بالتّونسيّة؟"، "العمل الثّقافي" ع101/ السّنة الثّالثة، الجمعة 6 ربيع الثّاني 1392/19ماي 1972 ص ص13/14.
10)"الشّخصيّة التّونسيّة" توجّه رسميّ تبنّته الدّولة داخل أجهزة التّعليم بعد هزيمة 1967.
11) صدر الجزء الأوّل من الرّدّ بجريدة "الصّباح" يوم الجمعة 20 فيفري 1987 ص9، والجزء الثّاني يوم السّبت21 فيفري 1987 ص9.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عأساس بدّن يمدّوا كابل...????‍?? صار بدّن يصوروا ببيت عبدو و


.. الأبطال | الرواية الكاملة لتحرر 6 أسرى فلسطينيين من سجن جلبو


.. فنانون ونقاد يحتفون بحصد -الاختيار- جائزة الشارقة للاتصال ال




.. لويس ميغيل بوينو: الاستفتاءات الروسية هي مسرحية ولم يكن هناك


.. - علاقة اللغة بالتفاهم، في هذه الحلقة من واقعنا بين الأسئلة