الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من أدب السّجون: قصّة- في الزّنزانة - والخروج على المألوف

إبراهيم العثماني

2022 / 6 / 20
الادب والفن


مـــــــــــــــــــقدّمة:

يبدو أنّ تجارب السّجن المريرة الّتي عاشها مناضلون تونسيّون معارضون للسّلطة الحاكمة خلال عقود مختلفة بدأت تستقطب اهتمام عدد من الكتّاب الملتزمين والمساجين السّياسيّين السّابقين. ومن ثمّ ظهرت في السّنوات الأخيرة كتابات تترجم هذه التّجربة موظّفة أجناسا أدبيّة مختلفة من نحو السّيرة الذّاتيّة ("الحبس كذّاب والحي يروّح" لفتحي بن الحاج يحي)، والرّواية ("رغم أنفك" لعبد الجبار المدوري)، والقصّة ("في الزّنزانة" لبلقاسم بن عبد الله). وقد نُشرت هذه القصّة بجريدة "صوت الشّعب" لسان حزب العمال الشيوعي التونسي عدد 281. وهي موضوع دراستنا.
فهل يُعدّ هذه النّصّ تكرارا لتجارب سابقة أم يمثّل إضافة نوعيّة تُغني المدوّنة القصصيّة التّونسيّة؟

1 – علــــــــى ســــــــــبيل الإشــــــــــارة:

إنّ الإجابة عن هذا السّؤال تقتضي منّا مقاربة لهذا النّصّ تقوم على المقارنة لإجلاء عناصر الائتلاف وعناصر الاختلاف بينه وبين النّصوص الأخرى الّتي عكست تجربة السّجن. ذلك أنّ المطّلع على أدب السّجون يلاحظ أنّ نصوصه السّرديّة تتفرّد بجملة من الخصائص الفنية، وتنقل مناخات مخصوصة وتصوّر أوضاعا محدّدة ومتشابهة أحيانا. لذا كانت وشائج القربى كثيرة بين هذه النّصوص وكان التّفاعل بينها قويّا. وسننظر في هذه القصّة لنتبيّن صدى هذا الأدب فيها وتميّزها عنه أيضا.

2 –في المؤتلف بين قصّة "في الزنزانة " وأدب السّجون:

يتجلّى هذا المؤتلف في أوجه الشّبه بين جزء من مكوّنات هذه الحكاية ومكوّنات نصوص أدب السّجون:

أ – الفــــــــــــضاء:

دارت أحداث النّصوص الّتي عكست تجربة السّجن في سجون ضيّقة وقذرة، جدران أبنيتها صفراء( انظر مقدّمة حسين الواد لرواية" شرق المتوسط" لعبد الرحمان منيف). وقد ركّز القصّاصون والرّوائيّون على أنفاق السّجون وأدماسها وسراديبها ووصفوا تأثيرها السّلبي في السّجناء. ففضاء السّجن عالم مفارق للحرية، والإقامة فيه ضرب من ضروب التّعذيب النّفسي والعقاب الجسدي، وهي أيضا شكل من أشكال الموت البطيء ورمز من رموز الإهانة والإذلال. إنّ دخول المناضل السّجن هو انتقال من عالم منفتح إلى عالم منغلق يرمز إلى الانطواء على النّفس والانقطاع عن العالم الخارجي(انظر كتاب" بنية الشّكل الروائي" لحسن بحراوي وخاصّة قسم:"أماكن الإقامة الإجبارية: فضاء السّجن").
ولم يختلف بناء الفضاء في هذه القصّة عن بناء الفضاءات الأخرى. فالصّفات الّتي انتقاها الرّاوي لوصفه تذكّر المتلقي بصفات السّجون العربيّة مشرقا ومغربا. فهو فضاء بائس بؤس الواقع الّذي يعكسه، تعس تعاسة النّظام القمعي الّذي لا يؤمن بالرّأي الآخر، ضيّق ضيق صدر السّلطة الحاكمة بالاختلاف وحرية التّعبير. يقول الرّاوي:"الزنزانة فسحة ضيقة، الهواء فاسد، الرّطوبة عشّشت بين الجدران المتهالكة، الرّوائح كريهة ومفعمة بدخان السّجائر، الأجساد متلاصقة في ركن بارد مجرّد من الحياة".
هكذا رسم الرّاوي للزّنزانة صورة نمطيّة ثابتة وكأنّه يريد أ ن يقول إنّ السّجون العربيّة تعيش خارج الزّمان وقد جُرّدت نهائيّا من أبسط مقوّمات الحياة بل جُعلت لتسهم في قتل السجناء. وهي سجون تعكس طبيعة النّظم المتسلّطة الّتي تتحكّم في رقاب شعوبها منذ عقود. فلا فرق بين سجون ستينات القرن العشرين وسجون الألفية الجديدة، ولا فرق بين سجون المغرب أو تونس وسجون مصر أو سوريا. ف"كلّها في الهمّ شرق". فكيف يبدو الزّمن في هذا الفضاء الخانق؟

ب- الزّمــــــــــــان:

يتّخذ الزّمن طابعا خاصّا في حياة السّجين. فهو زمن رتيب ثابت لا جديد فيه. فالنّهار شبيه باللّيل، والسّاعة تستحيل ساعات، واليوم يصبح أيّاما...ومن ثمّ يستعيض السّجين عن الزّمن الموضوعي بالزّمن النّفسي ويتّخذه مقياسا ليقيس به اللّحظات الّتي يعيشها في السّجن. وهي لحظات تتلوّن عادة بلون نفسه الحزينة ولون اللّيل الأسود الموحش. يقول الرّاوي:"كانت اللّحظات الأولى داخل الزنزانة موسومة بالقلق والرّيبة والعمل على اكتشاف المكان الفاقد للزّمان...".
تمرّ اللّحظات ثقيلة بطيئة. لذا يستغلّ الرّاوي هذا الوقت ليبحر في عالم الأحلام ويسبح في دنيا الأماني متجاوزا بذلك جدران الزّنزانة الضيّقة ورتابة الزمن القاتل. ومن ثمّ تسيطر لغة الحلم على السّرد ويطغى الزّمن المطلق على زمن الأحداث الواقعيّة.
هكذا تحايل الرّاوي على الجلاّد والواقع المعيش في هذه الزنزانة الضيّقة وابتدع لنفسه واقعا آخر مفارقا للسّائد، واقعا أرحب.
تلك هي أحوال المكان والزّمان.فكيف تفاعلت الشّخصيّات مع هذه الأحوال؟

ج- الشّخـــــــــــصيّات:

يقدّم أدب السّجون صورة نمطيّة للشخصيّات الرّوائيّة تنقسم إلى معسكرين متقابلين. فمن ناحية يوجد السّجناء وهم مناضلون يحملون أفكارا مناوئة للسلطة الحاكمة زُجّ بهم في السّجن" عقابا" لهم على تمرّدهم على الوضع القائم، ومن ناحية أخرى يوجد الجلاّدون وأعوانهم الّذين يُنتدبون لممارسة أبشع أنواع التّعذيب. وتكون العلاقة بين هذه الشّخصيّات قائمة على الانفصال مبنيّة على العداء. فشخصيّة المناضل تُجرّد من مقوّماتها الإنسانيّة ومن هويّتها وتشيّأ وذلك بإسناد رقم لها، والجلاّدون يلجئون إلى كلّ أساليب القمع والتّرهيب ويستعملون الكلام البذيء والصّفع والرّكل لتثبيط عزيمة السجين وانتزاع الاعترافات منه عنوة بل يستحيلون وحوشا كاسرة تنتشي بتأوّهات المناضل و تستمتع بمشاهد الدّم. وقد وجدنا في هذا النّصّ إشارات إلى مثل هذه لممارسات. فقد كان انتقال الرّاوي من مركز الإيقاف إلى المعتقل مصحوبا بسيل من "الألفاظ النّابية والشّتم والضّرب".
تلك هي أهمّ الوشائج الّتي تشدّ هذه القصّة إلى أدب السّجون وتجعلها منتسبة إلى هذا الغرض. ومن ثمّ تمثّل رافدا من روافد هذا التّراث الغنيّ بتجاربه المتنوّعة والموزّعة بين ثنايا الأقطار العربيّة من المحيط إلى الخليج. لكنّ المتمعّن في شعريّتها يلاحظ أنّها بقدر ما كانت امتدادا لهذا المتن القصصي شكّلت قطيعة جعلتها تنأى بنفسها عن المكرّر والمبتذل.

3 – في المختلف بين قصّة "في الزّنزانة "وأدب السّجون:

تتميّز"في الزّنزانة" بجملة من الخصائص جعلتها تختلف عن الكتابة السّائدة وتتجلّى في العناصر التّالية:

أ‌- رمزيّة الشّخصيّات:

اعتدنا أن نجد شخصيّات تحمل أسماء وألقابا وتتّصف بصفات الصّمود والتّحدّي وتتعرّض لكلّ أنواع العسف والتّعذيب، و قد نجد لها مرجعا في الواقع. ولكن ما يلاحظ في هذا النّصّ هو قلّة الشّخصيّات ( ثلاث)، وغياب الأسماء( ماعدا إشارة يتيمة إلى اسم نبيل)،وتجاوز الصّورة النّمطيّة المعتادة( مناضل مقابل جلاّد)، وسيطرة الأقوال على الأفعال. لذا يمكن القول إنّ الرّمز هو السّمة الطّاغية على هذه الشخصيّات. فما دلالة ذلك؟

- نـــــــــــــــــــبيل:

ذكر اسم نبيل مرّة واحدة في مقطع سرديّ قصير. فلمّا كان الرّاوي يرغّب حبيبته في تدخين سيجارة كان نبيل شاهدا على ذلك. يقول الرّاوي:"كان نبيل يراقب المشهد بين الحضور بلذّة المحبّ العاشق لأبنائه. اقترب منّي وهمس في أذني: توجّه مباشرة إلى المطلق في الإنسان". فمن هو نبيل هذا؟ وما دلالة كلامه؟
لعلّ المقصود بنبيل نبيل البركاتي شهيد الحّريّة ورمز النّضال والصّمود في وجه آلة القمع الرّهيبة، وهو مثال يُحتذى في التّفاني والإخلاص للمبادئ الّتي حملها وآمن بها ومات من أجلها أبشع ميتة على أيدي جلاّدين وحوش، فنبيل الّذي قُتل وهو شابّ في ماي 1987 اكتهل الآن وأصبح أبا محبّا لأبنائه المناضلين الّذين تربّوا على قيمه وتخرّجوا في مدرسة النّضال الّتي أسّسها وأرسى دعائمها وهم الآن يُعتقلون مثلما اُعتقل هو ويُعذّبون مثلما عذّب. حضر نبيل في الزّنزانة ليستلهم المناضلون من حياته دروسا بل ليكون لهم عبرة ويقدّم لهم نصيحة ويفيدهم بخبرته وتجربته. لذا لم يكن مجرّد مشاهد بل توجّه إلى الرّاوي بالنّصيحة ودعاه إلى التّركيز على المطلق في الإنسان متجاوزا المسائل الفرعيّة العابرة بما أنّ الحاضر لا يختلف عن الماضي منذ أكثر من عقدين: قمع واعتقالات، وسبّ وشتم، وزمن متجمّد. إنّه لوضع يحتاج إلى حكمة إنسان خبر هذا الواقع المرير وقدّم نفسه قربانا للحرّيّة.
حضر نبيل إذن ليشحذ عزيمة الرّاوي. فما دور الزّائرة؟

- الزّائرة:

اتّخذت هذه الزّائرة الّتي تسلّلت إلى غرفة الرّاوي أكثر من شكل وبدت هويّتها غامضة ملتبسة. فهي تارة طائر اُضطرّ إلى مغادرة أحد الأحياء الفاخرة بالعاصمة والالتحاق بالجنوب، وهي طورا أشبه بأمّ وأخت وحبيبة أثناء لحظة اللّقاء الحارّة، وهي مرّة ثالثة رمز التّحدّي والصّلابة والثّقة بالنّفس. فهي لا تأبه لصوت المنادي أثناء البحث عن الرّاوي، ولا برطوبة الجدران المتهالكة والرّوائح الكريهة.
أمّا صفاتها المادّيّة والمعنويّة فهي جمع بين المتناقضات، وتجسيد للغرابة وخروج على المألوف. فقُبلتها باردة ودافئة في آن واحد، وهي حُرّة مطلقة الجناح في زنزانة ضيّقة، وتأثيرها في الرّاوي غريب. فقد فجّرت داخله حالة من الفوضى وبعثرت أوراقه، ومواطن الجمال والرّقّة فيها تستحيل رمزا للقوّة، وهي تؤدّي وظائف غير معهودة. فنهداها المنتصبان يقاومان الفراق والبين، وشعرها الدّاكن الممتدّ يستحيل رماحا لطعن الطّغاة، ووجنتاها تحمرّان خجلا من أطياف الشّهداء. وتغادر الزّائرة الرّاوي وقد بعثت فيه الأمل رغم سواد اللّيل الموحش، وجعلت حلمه أكثر اتّساعا وأمله أكثر تألّقا.
تمثّل هذه الزّائرة إذن الشيء ونقيضه، وتتراوح بين المجرّد والمحسوس، والطّائر والإنسان، والواقع والفكرة، والحاضر المظلم والمستقبل المشرق. فهي تعني في آخر المطاف الحريّة بكلّ أبعادها، الحرية الّتي تحفز الإنسان إلى النّضال والتّضحية بالنّفس في سبيل حياة مشرقة خالية من القمع والاضطهاد والتّمايز الطّبقي والتّفاوت الاجتماعي.
ويتجلّى التّميّز في مقوّم آخر من مقوّمات هذه القصّة.

ب‌- شـــــــــــــعريّة الكتـــــــــــابة:

نحت النّصوص السّرديّة الّتي عكست تجربة السّجن منحى واقعيّا فنقلت مشاهد التّعذيب الّتي يتعرّض لها المعتقلون وصوّرت درجة الوحشيّة الّتي بلغها الجلاّدون. فكانت اللّغة خالية أحيانا من الزّخرف اللّفظي والمحسّنات البديعيّة، عارية من التّرميز، غير مغرقة في الخيال وساعية إلى إيهام المتقبّل بواقعيّة الأحداث. إلاّ أنّ ما يثير انتباه قارئ هذه القصّة هو مناخاتها الخاصّة الّتي ترجمتها لغة الحلم والغزل والشّعر. وقد استحالت هذه القصّة أحيانا قصيدة غزليّة كُتبت بلغة شاعريّة رقيقة تخاطب المشاعر والأحاسيس وتنفذ إلى القلب مباشرة. وقد طوّع الرّاوي الصّورة لواقع السّجن ليخفّف من وطأته. لذلك كانت اللّغة حالمة باعتبار الحلم الوسيلة الوحيدة القادرة على اختراق عالم السّجن الضّيّق والانطلاق نحو عالم حرّ لا حدود له بل وجدنا الرّاوي يتغزّل بالحرّيّة ويشبّهها بالفتاة النّاهد الغضّة الطّريّة لكنّها الفتاة القادرة على التّحدّي والتّمرّد. وهكذا ننتقل من عالم الحزن والكآبة والقمع والتّرهيب إلى عالم الغزل والرّقّة والجمال والحنان، والجمع بين هذا وذاك هو من باب المفارقات العجيبة الّتي يندر حضورها في أدب السّجون. وبما أنّها حضرت فذاك يُعدّ وجها من وجوه الطّرافة والتّجديد.

خاتمـــــــــــــــــــــة:
لقد نقلتنا هذه القصّة الّتي تنتمي إلى أدب السّجون إلى مناخات غير معهودة، ورسمت لنا عوالم غير مألوفة، وأكّدت أنّها قصّة تنخرط في مسار التّجديد ولا تكتفي بالسّائد والمعاد، وأنّ كاتبها قد يصبح ذا شأن في مجال الكتابة القصصيّة إن ثابر على تطوير أساليب الكتابة واقتنع بالتّفكير في تأسيس مدرسة أدبيّة متميّزة (و المدرسة جماعيّة أو لا تكون) لتبادل الأفكار والتّجارب، وتجاوز المحاولات الفرديّة العفويّة المهدّدة بالانتكاسة في كلّ لحظة، وآمن بأنّ الأدب بخصوصيّاته وسيلة توعية لا تقلّ شأنا عن المنشور الحزبي والخطاب السّياسي، وأنّ الجبهة الثّقافية يجب أن تكون ناشطة نشاط الجبهة السّياسيّة والجبهة النّقابيّة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طالبان تعيد السماح بفتح دور السينما لعرض الانتاج المحلي


.. ستايل توك مع شيرين حمدي - شوفوا الستايلست سعيد رمزي غير لوك


.. ستايل توك مع شيرين حمدي - تعالوا نشوف توقعات سعيد رمزي للسجا




.. الأبطال | الرواية الكاملة للتحرر من سجن جلبوع - الحلقة الأول


.. مهرجان الفيلم بطنجة يكرم الراحل نور الدين الصايل أحد رواد ال