الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إتيان دو لا بويسي و-العبودية المختارة... مرافعة قوية ضد الطغيان-

علاء اللامي

2022 / 6 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


إنه كُتيب عمره قرابة خمسة قرون، كتبه شاب فرنسي في السادسة عشرة من عمره يلخص لنا قصة وآليات العبودية الطوعية والطغيان السياسي في المجتمعات البشرية. فمع تفاقم ظاهرة عبادة الشخصية بين جمهور المليشيات والاحزاب العراقية، في مجتمع اعتاد على أن يؤسطر كل شيء منذ القدم، وتبلغ ظاهرة الأسطرة أحيانا درجة التأليه وتشبيه الزعيم المحبوب بالأنبياء أو الأئمة الأوائل لدرجة قد يتحرج منها المسلم العادي، رأيت من المفيد الإشارة بكلمة سريعة إلى هذا الكتاب الذي يعالج ظاهرة ذهاب الناس في حالات معينة الى العبودية طائعين مختارين بأرجلهم. يحمل الكتاب عنوانا مترجما هو "العبودية المختارة" وأعتقد أن الترجمة الأدق لعنوانه في رأيي هي "العبودية الطوعية" وليس المختارة، فالكاتب لا يقصد أن العبودية خيار بين عدة خيارات بل يقصد أن المستعبدين في هذه الحالة يذهبون طوعا إلى عبوديتهم بأرجلهم ليكونوا عبيدا للطاغية!
الكتيب -إن شئنا الدقة – عبارة عن مقالة طويلة نسبيا كتبها شاب فرنسي يدعى إتيان دو لا بويسي، حين كان في السادسة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره في سنة 1530 وسيموت هذا الشاب الموهوب بمرض السل قبل أن يكمل عامه الثالث والثلاثين سنة 1563. ولم تُنشر مقالة دولابويسي وهو حي بل نشرها بعد موته المثقفون البروتستانت الفرنسيون المناهضون للمَلَكية المطلقة، لأنها تدعو في ما تدعو إلى التسامح والتعايش بينهم وبين الكاثوليك قبل القضاء على البروتستانتية في فرنسا خلال الصراع الطائفي الدموي الذي حدث في فرنسا القرن السادس عشر.
عهد ذاك، كانت الحرب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت دائرة، ووقد انتهت بمجزرة بارتيليمي في 24 آب /أغسطس عام 1572 وتهجير من بقي حياً من البروتستانت الفرنسيين الى سويسرا ليتحول المجتمع الفرنسي الى مجتمع واحدي النمط طارد للتنوع والتعددية.
كان الشاب دولابويسي يدعو إلى السلام والتعايش و"التسامح" بين أبناء الطائفتين وقد دعا لرفض العنف لأنه يزيد من تعقيد الأمور وليس إلى حلها!
في هذا النص يحاول الكاتب تفكيك وتحليل وتقصي أسباب خضوع جماهير واسعة من الناس لشخص واحد "لا يملك أكثر مما أعطوه" و"يتميز إضافة إلى ذلك بانعدام الكفاءة وسوء الإدارة". أحد الأسباب التي يضع "دولابويسي" يده عليها هي قيام السلطان او الطاغية بتسليط فئة صغيرة من الجهلة والمستعبَدين في اضطهاد إخوانهم وأمثالهم فيتحولون إلى أتباع متملقين ينتظرون الفتات الذي يلقيه عليهم سيدهم، وبمرور الوقت واستمرارهم في ممارسة الاضطهاد والتبعية يتحول أفراد هذه الفئة إلى العبودية الطوعية التي لم يجبرهم عليها أحد بشكل مباشر!
إن أسوأ قراءة لهذا النص هي تلك التي تسلخه من ظروف القرن السادس عشر وتقرأه بعيون القرن الحادي والعشرين وتسقط عليه همومها وأسئلتها ومصطلحاتها، ولهذا أخطأ الكثيرون حين قرأوه بهذه العيون، وما كان ينبغي أن يفعلوا ذلك دون أن يتركوا مسافة نقدية بين عصرهم وعصر كاتب النص. رغم ذلك يبقى النص، على بساطته وسذاجة بعض الفكرات و"الحدوتات" والتحليلات، وحتى بعض الصور النمطية المسبقة التي تفوح بالعنصرية الرومانية الغربية الواردة فيه من وجهة نظر عصرية (مثلا، نظرته نحو الشرقيين كالفُرس المعتادين على العبودية والذين لا يعرفون الحرية لأنهم لم يملكوها يوما والاسبارطيين الإغريق الأحرار بطبعهم لا يطيقون العبودية! ص 51)، يبقى غنياً بالعبر والومضات العقلانية والعميقة التي تسلط الضوء بقوة ومبكراً على ظاهرة الطغيان السلطوي لدى الزعيم الفرد المحتال والدموي والذي لقب نفسه في روما مثلا بمحامي الشعب وخادم الشعب / ص69، والانقياد الجماهيري نحو العبودية الطوعية.
ومعلوم أن هذه الظاهرة ظلت حية حتى في عصرنا الحديث وطالما ركضت الجماهير - أو للدقة قطاعات واسعة منها - خلف الزعماء والحركات الرجعية أو الفاشية كما حدث في القرن الماضي في ألمانيا وإيطاليا ويحدث اليوم في عصرنا خلف مختلف الزعماء والحركات السياسية والدينية والخليطة من هذه وتلك، بل وحتى خلف شخصيات كاريكتيرية ومضحكة ولا يتعدى دورها دور المهرج التلفزيوني في أوكرانيا أو الملياردير الفظ والسوقي اللغة والسلوك كترامب.
ولعل من مقاطع النص الملفتة لنظر القارئ هو ذلك الذي يرصد فيه الكاتب بلهجة إنشائية وناقدة ومتهكمة ولكنها فارغة علميا لما فعلته جماهير الرومان من توقير وشبه تقديس لإمبراطورها الرهيب نيرون الذي يصفه إيتان - مقتبساً عن الكاتب الروماني كورنيلوس تاسيتوس - بالجلاد المُفْسِد والوحش الضاري والمسخ القبيح وكيف "حزن عليه الشعب الروماني النبيل أيما حزن حتى أوشك أن يعلن عليه الحداد/ ص 67"، أو كيف كرَّم الشعب الروماني يوليوس قيصر بعد موته وهو الذي ألغى القوانين وألغى حرية الشعب ... وكانت إنسانية هذا امبراطور - كما يقول إيتان - الذي كثرت الإشادة بها أشد ضررا من قسوة أعتى طاغية وجد على وجه الأرض/ ص 68"! هذه أدناه فقرات لفتت انتباهي أكثر من غيرها لأهميتها من مقالة أو كتاب إتيان دو لا بويسي:
*إن كان الكلام عن بيِّنة، وجب القول إن البؤس الذي ليس كمثله بؤس هو خضوع المرء لسيد لا يمكن أبدا الاطمئنان إلى صلاحه لأنه بمقدوره دائما أن يكون شريرا متى أراد. ص22
*لكن يا ألهي، ما هذا؟ أي بؤس؟ أي رذيلة، أن نرى عددا من الناس لا يطيعون فحسب بل يخدمون، ولا يحكمون بل يُضطَهَدون وهم عرضة لأعمال السلب والنهب والفجور والقسوة لا من قبل جيش أجنبي غاشم، ولا من شخص هو هرقل وإنما هو "رُجيل = تصغير رجل أو رويجل" غالباً ما يكون أجبن مَن في الأمة وأخنثها. ص25.
*أما أنا فأعتقد - ولستُ بمخدوع - أن الله الغفور الرحيم، لما كان الطغيان أبغض شيء إليه، فقد أعد للطغاة وشركائهم عقابا خاصا في الدار الآخرة. ص 95"
رابط لتحميل نسخة مجانية بي دي أف من الكتاب، لتحميل كتب أخرى انقر لطفا على هذه الوسمة #تحميل_كتاب_علاء
https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%AF%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%87-pdf-1613859649








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفلسطينيون يشيّعون شهداءهم وتحذير من محاولة إشعال المنطقة


.. عملية تبادل لاعبة كرة سلة أمريكية برجل أعمال روسي




.. مشهد يفطر القلوب للحظة تلقي عائلة الشاب الإيراني محسن شكاري


.. مشاهد لمركبات غارقة في شوارع البرتغال بعد أمطار غزيرة




.. مخاوف أوروبية متجددة من تصدر التحالفات اليمينية للحكم