الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نصف قرن من الصراع في الصحراء الغربية 8

مرزوق الحلالي
صحفي متقاعد وكاتب

(Marzouk Hallali)

2022 / 6 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


"التشكيك في شرعية اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي على ضوء القانون الدولي"، من هنا كانت الانطلاقة، وراجت الفكرة على الصعيد العالمي. وعندما ارسخت تداعيات هذه في حيز من الرأي العالمي الحر لجأت جبهة البوليساريو إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي -(CJEU)- في 10 ديسمبر 2015 للطعن في اتفاقية تجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وكان قرارها لصالح الانفصاليين الذين اعتبروا أن تطبيق هذا الاتفاق في الصحراء الغربية ينتهك القانون الدولي والتزامات الاتحاد الأوروبي. وبرزت قضية إدارة واستغلال ثروات الصحراء الغربية وعلاقتها بمسألة السيادة المغربية على هذه الأرض، وهذا ما سلط عليه الضوء قرار المحكمة الأوروبية.

سقط هذا الخبر في 10 ديسمبر 2015 وانتشر في النار كالهشيم: "ألغت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، اتفاقية تجارية مهمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، تم توقيعها في عام 2012 وتتعلق بالمنتجات الزراعية. قضت العدالة الأوروبية في الواقع أن تنفيذ هذه الاتفاقية، التي تشمل الأراضي المتنازع عليها في الصحراء الغربية، ينتهك بوضوح القانون الدولي والتزامات الاتحاد الأوروبي".

اعتبرت المحكمة ، وبالنظر بشكل خاص إلى حقيقة أن سيادة المملكة المغربية على الصحراء الغربية لا يعترف بها الاتحاد والدول الأعضاء فيه ولا ، بشكل عام ، من قبل الأمم المتحدة ، فضلاً عن عدم وجود أي ولاية أو تفويض دولي من المحتمل أن تبرر الوجود المغربي على هذا الإقليم ، وفي إطار فحص جميع العناصر ذات الصلة بالقضية المعروضة على أنظارها بهدف ممارسة سلطتها التقديرية الواسعة فيما يتعلق بجواز أو صحة إبرام أو عدم إبرام اتفاق مع المملكة المغربية الذي قد ينطبق أيضًا على الصحراء الغربية ، كما كان على المحكمة التأكد من عدم وجود مؤشرات على استغلال الموارد الطبيعية لإقليم الصحراء الغربية الخاضع للسيطرة المغربية - على الأرجح- على حساب سكانها وانتهاك حقوقهم الأساسية، لا يمكنها – أي المحكمة - أن تقتصر على اعتبار أن مسؤولية المملكة المغربية هي ضمان عدم حدوث أي استغلال من هذا القبيل.

استند الحكم بشكل خاص على الادعاءات الواردة في تقرير صادر عن جبهة البوليساريو، والتي تفيد بأن "مزارع كبيرة في الصحراء الغربية يسيطر عليها أشخاص وشركات أجانب من غير السكان الأصليين ، ومنتوجاتها موجهة حصريًا للتصدير وتعتمد إلى استخراج المياه من - أحواض متجددة تقع في الأعماق- لغرض السقي ".

على الرغم من أن هذه المزاعم "تم تبليغها إلى الأمم المتحدة و لفت انتباها لها بشكل خاص" – يضيف كل من مجلس الاتحاد الأوروبي والمحكمة الأوروبية- "لم يتم تقديم أي تعليقات محددة ولم يتم نفيها" أيضا، مما يوحي بأن التقرير لم يتطرق إلى جوهر "السؤال، عما إذا كان استغلال الموارد الطبيعية للصحراء الغربية الواقعة تحت السيطرة المغربية تم لصالح سكان تلك المنطقة أم لا".

وفور انتشار الخبر وقع زلزال في القصر الملكي بالرباط. وقتئذ كان الملك محمد السادس في "زيارة خاصة" إلى فرنسا، ثم إلى الإمارات العربية المتحدة عندما سقط قرار المحكمة الأوروبية، بعد شهر من خطابه الذي ألقاه في 6 نوفمبر2015. هذا الخطاب الذي صادف الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، حيث أشار فيه إلى "الجهوية الواسعة" وأهمية الاستثمارات التي تنفذها المملكة المغربية في "ولاياتها الجنوبية". وكانت وزارة الشؤون الخارجية المغربية هي التي ردت على القرار عبر بيان صحفي مقتضب، جاء فيه: "إن المملكة تعرب عن استغرابها من هذا القرار المتعلق ببروتوكول، مثل جميع الاتفاقات الثنائية الموقعة، يتوافق مع الاتفاقيات والشرعية الدولية ".

آنذاك تم تصنيف الصحراء الغربية – حسب الأمم المتحدة- على أنها "إقليم غير مستقل"، وهي مستعمرة إسبانية سابقة تبلغ مساحتها 266000 كيلومتر مربع يديرها المغرب منذ عام 1975 ، لكن جبهة البوليساريو تطالب باستقلالها ، بدعم من الجزائر. ويعيش هناك ما يقرب من 540 ألف شخص، أكثر من نصفهم من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا. كان هذا القرار أثار زلزال في المغرب الذي يعتبر الصحراء الغربية جزءًا لا يتجزأ من أراضيه ، على الرغم من وجود بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية ( مينورسو) في العيون ، أكبر مدينة في الصحراء الغربية، وعلى الرغم من أن سيادة المملكة غير معترف بها من قبل المجتمع الدولي.

وظل تدبير ملف الصحراء الغربية حكرا على القصر الملكي، فقد كان يدار دائما من قبل الملك بشكل حصري ، مع مجموعة من المستشارين المستقلين عن المؤسسات السياسية الأخرى (البرلمان والحكومة على وجه الخصوص والأحزاب).

ومن المعلوم أن مجلس الاتحاد الأوروبي - إلى جانب البرلمان الأوروبي - هو أحد هيئات صنع القرار الرئيسية على المستوى الأوروبي. وتتألف من وزراء يمثلون 28 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وهو كهيئة سياسية بارزة. وقد استغرب الكثيرون لطلبه استئناف هذا الحكم المذكور أعلاه، الذي يبدو أنه فاجأ معظم أعضائه.

آنذاك انكشف أمر "استراتيجية الزبونية والريع" المعتمدة في الصحراء، وبدا بجلاء أن الزمن عليها، بل كانت مصدرا للعديد من المشاكل.

لكن بغض النظر عن ردود الفعل هذه، فإن مشكلة إدارة ثروة الصحراء الغربية وعلاقتها بمسألة السيادة المغربية على هذه الأراضي هي التي أبرزها قرار المحكمة الأوروبية مرة أخرى. وهذا ما أزعج الرباط.

لفرض سلطتها وتجنب مخاطر عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي ، اختارت الرباط، منذ بداية الصراع، سياسة زبونية علنية ، لصالح وجهاء القبائل والعائلات الكبرى في الصحراء الغربية. تم منح جملة من الامتيازات والمناصب العليا في الإدارة المغربية لأفراد العائلات الأكثر نفوذاً في الأقاليم الصحراوية لضمان ولائهم. لكن دون اعتماد أي آلية محلية للتمثيل الديمقراطي لنزع الطابع الشخصي عن العلاقة بين الإدارة المغربية والسكان الصحراويين، وهو شرط لا غنى عنه لبناء الثقة بين هؤلاء السكان والسلطة المركزية.

بعد أحداث 2005 الدموية في العيون، برز فاعل جديد على الركح السياسي في الصحراء، إنه الشباب الصحراوي الغاضب غضبا مستطيرا ، فأصبحت الرباط على دراية واضحة بمخاطر استراتيجيتها المعتمدة في الصحراء وبضرورة تعديلها فورا. فخلال الانتخابات الجماعية لعام 2009 ، أدرك الملك والوفد المرافق له ، أن "الوجوه" الصحراوية التي تمت المراهنة عليها لضمان استقرار الوضع الاجتماعي ، سرعان ما أصبحوا "أمراء الصحراء" يثيرون مشاكل أكثر ما يساهمون في الحلول، وذلك باستخدام الامتيازات الإدارية التي تمنحها لهم الدولة والاستفادة من الثروات المحلية كدخل "مؤسسي حقيقي" مقصور عليهم دون سواهم.

إن تفكيك هذه "المنظومة" المستحدثة – من قبل سياسة الرباط منذ سنوات - والمنتشرة في قلب الصحراء الغربية، تم إقرارها على حساب بقية السكان، مما يعني المخاطرة بإحداث عدم توازن في كامل الصرح السياسي والاقتصادي. هذا علاوة على أن الوجهاء الصحراويين ليسوا وحدهم من يستفيدون من هذا "الريع في الصحراء"، فالأقاليم الجنوبية هي بكل بساطة ملاذ ضريبي تستفيد منه أكثر من 5000 شركة مغربية مقيمة في الصحراء للتهرب من الضرائب.

آنذاك برز التقابل بين "الحكم الذاتي المستقل" و "الجهوية الموسعة".
لمواجهة هذا الواقع الجديد، تبنت الرباط خطابًا مزدوجًا منذ أن اقترح المغرب في عام 2007 مشروعًا طموحًا للحكم الذاتي الواسع في الصحراء. يعزز الخطاب المخصص للاستخدام الخارجي الاستقلالية من خلال تحديد أن هذا المشروع يعتبر جادًا وموثوقًا من قبل القوى الغربية – الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا على وجه الخصوص. وعلى المستوى المحلي، سيسمح مثل هذا المشروع لساكنة الصحراء بأن تحكم نفسها بحرية مع الحفاظ على صلة وثيقة مع المملكة. وإلى أولئك الذين لا يعرفون واقع الحال بالصحراء بخصوص ثروة الصحراء واستفادة السكان المحليين – على غرار المحكمة الأوروبية والمنظمات غير الحكومية - رد الملك قائلاً في خطاب 6 نوفمبر 2014 : "الكل يعرف ما كانت عليه الصحراء قبل عام 1975. وإلى أولئك الذين يتجاهلون أو يتظاهرون بتجاهل الحقيقة ، أقدم هذه البيانات القليلة: منذ استعادة صحرائنا ، مقابل كل درهم من عائدات المنطقة ، يستثمر المغرب 7 دراهم في صحرائه ، في إطار التضامن بين مناطقه وبين أبناء الوطن الموحد".
فكل ما سبق هو الخطاب الموجه إلى الخارج.
أما بخصوص الخطاب الموجه للاستخدام الداخلي – والذي وصفه جملة من المحللين والمتابعين لشأن الصحراء الغربية بالغامض بل المتناقض أحيانا – ظل جوهره "الجهوية الموسعة" ، وهو مفهوم لا يبدو أنه يتماشى مع مشروع الحكم الذاتي المقترح على المجتمع الدولي منذ عام 2007. فالهيكلة الإقليمية هي بالفعل لامركزية متقدمة للغاية تم تصورها ونشرها في إطار "دولة واحدة موحدة"، في حين أن الاستقلالية تكاد تكون "دولة داخل دولة". ويضفي هذه التناقض الغموض والضبابية على الحجج المقدمة من طرف المغرب على الحجة الملكية، يضعف محتواها في أعين المراقبين والجهات الفاعلة المعنية مباشرة بهذه القضية حيث يعتبرون القانون مهم بنفس أهمية الدبلوماسية.

ظلت قضية الصحراء تشكل خطا أحمرا في المغرب لا تجاوزه، والذين لا يتبنون ويدافعون على الأطروحة الرسمية يعتبرون خونة. فالصحراء وولاء سكانها للنظام الملكي خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو تجاهله. ولعل مضمون الخطب الملكية حسمت هذا الأمر منذ عام 2009، فقد ورد في إحدى الخطب ما يلي :
"لقد سبق أن أعربنا ، في خطاب المسيرة الخضراء عام 2009 ، عن رفضنا القاطع لهذه الأعمال وحذرنا من "إما أن يكون المرء وطنيًا أو خائنًا"، وأنه لا يوجد حل وسط بين الوطنية والخيانة (...) صحيح أن الوطن رؤوف ورحيم ، وسيبقى كذلك ، ولكن مرة واحدة فقط ، ولمن يتوب ويعود إلى رشده. أما من أصر على خيانة الوطن، فكل التشريعات الوطنية والدولية تعتبر الاستخبارات مع العدو خيانة عظمى. نعلم أن الخطأ هو بشري، لكن الخيانة لا تغتفر. ولن يكون المغرب أبدا مصنعا لـ "شهداء الخيانة". ( خطاب 6 نوفمبر 2014 ).
[email protected]
________________ يتبع ________________________________








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نووي إيران.. طهران تعلن استمرار المحادثات غير المباشرة مع وا


.. اليمن.. نجاة مدير أمن محافظة لحج من محاولة استهداف


.. لبنان.. ميقاتي يسلم الرئيس اللبناني تشكيلة الحكومة الجديدة




.. رئيس الوزراء المصري في زيارة رسمية للجزائر | #النافذة_المغار


.. كيف غيرت حرب روسيا على أوكرانيا التوازنات الجيوسياسية في أور