الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صهرُ الاختلاف في وحدة التماثل ( ديالاس) للروائي شاكر نوري

مقداد مسعود

2022 / 6 / 23
الادب والفن


صهرُ الاختلاف في وحدة التماثل: (ديالاس) للروائي شاكر نوري

ديالاس : نهرٌ عريق توصلني فضته ُالمتماوجة إلى ديالى لفظيا، وديالاس شعلة ٌ مائية على جبال زاجروس وحين يتعانقان النهران : سيروان و تانجرو في هدأة بحيرة دربندخان ينبثق منهما : ديالاس وهو وحدة وصراع الأضداد الصخب والهدوء، البطش والرحمة وحين يتمطى يكون ديالاس بسعة (445) كم، ترتوي منه إيران والعراق ويواصل ثرثرته في دجلة الخير..
(*)
الأدب الرفيع، لا الجغرافية، مَن يخلّد الأمكنة، عبقرية المكين: تمنحُ المكان هوية طرية، لولا السياب ما عرفنا نهر بويب، ومِن نجيب محفوظ سمعنا روائيا كيف اكون ثرثرة النيل.ولولا الروائي العراقي شاكر نوري ما عرفنا نهر ديالاس وما يفعله الروائي شاكر نوري هو شخصنة هذ النهر العظيم وتحويله إلى ساردٍ فاعلٍ سلبا وايجابا في الاشياء والبشر في بقعة قصية، طمرت رمال الزمان فاعليتها الحضارية وهذا النهر يكتنز أبجدية الصراع التكاملي: (هذا هو ديالاس فيه كل شيء : السحر والمكر والجنون والسكر والبراءة. ديالاس ساحر. ديالاس ماكر. ديالاس مجنون. ديالاس سكران. ديالاس بريء. يسحر النساء، يمكر في وجه الطبيعة/ 252)
(*)
الروائي نوري يتوغل بالمكان والمكين في اللحظة ذاتها. وكذلك يتجلى ديالاس بقعة ً بديلة ً مباركة ً عن بابل ولعنة برجها الغائص في الأرض (هذه هي ديالاس، لا شيء يجمعها، لا دين ولا عرق ولا قومية، فيها تختلط الأنواع والأجناس، ما عسى الطفل أن يتعلم، أية لغة، لا يعلم، فتعلم الأبجدية الأولى، لغة بابل التي تصلح لكل زمان ومكان، لغة ديالاس السرمدية، تلك التي تعلمها من خرير نهرها وحفظ حروفها المائية التي تتلوى مع أمواجه، وتشكل المعاني. أية معاني؟ هل يمكن أن يجد بعض هذه المعاني في سيرة طفولته؟ ربما/ 255)..
(*)
هنا صار نهر ديالاس داوة السرد وقلمهُ وأطراسهُ وهذه الفاعلية نوّه عنها المؤلف في عتبة نصه الروائي في قوله : (أحداث حياتي بدأت تتوالى بشكل سريع مثل نهر ديالاس الذي لا يتوقف عن الجريان/ 14).. ويكون الخطاب الروائي رحلة مكوكية بين الذات والنهر:( يا دلاس، أتضرّع إليك أن لا تأخذ الأطفال كقرابين وأضحية، أرفق بهم، لماذا لا تحبهم مثلما يحبونك؟ لماذا تأخذ الأرواح التي منحتها الأمل؟/ 247).. ثم يشكّل الأمر على السارد وهو يعلن أن ديالاس (يمتلك أسلحتي. هل أعرتها له دون وعي؟ هل ألقيتها في قاع النهر لأتخلى عن القتال؟ /252) .. وهكذا تتعالى الكلمات : أبخرة قدسية وتتأرج عطورا نادرة وتتعرى الذات من كافة الاقنعة وتكون واضحة كشمس ٍ جنوبية ٍ
(*)
ديالاس : سؤال الأسئلة الوجودية، بصيغة ماء دفّاق وإذا كان أهالي جلولاء يبحثون في مائه عن اللغز الكائن، فحقيقة الأمر يبحثون عن المطلق الذي جعل من الماء كل شيء حي. من خلال (الجعل)وهؤلاء الناس حين لا يسعفهم تفكيرهم وربما خذلتهم مخيلتهم في البحث عن المطلق فحاولوا تجسيده في مرقد أو ينبوع أو نهر، أنهم يجلسون على شاطئ ديالاس مثل تلاميذ نجباء ويحصون أسماءه الحسنى: سيروان.. جنديس.. تامرا.. ديالى ويصنعون منها زوارق ويسافرون بها عبر مخيلتهم مع تيار الماء .
(*)
لاحظتْ قراءتي أن الزمن في الرواية مثنوي مثلما هو عام من خلال أهل جلولاء ، فهو خاص حين نتأمل ونصغي لشخصية آدم الذي يقيس الزمن بوحدة قياس يقترضها من ديالاس. إذن هذه الرواية من الروايات المائية . والبينة على ذلك شهادة آدم حين يقول(أليس الزمن قطعاً متناثرة من أمواج نهرنا، هذا الكوكب المظلم الذي يهرب من بين أصابعي مثل مياه ديالاس، الزمن ماء صاف ٍ لا يعكره أحد، تنتظم حياة طفولتي على إيقاعاته/ 277)

(*)
هي سيرة روائية، كما يعلن المؤلف في عتبة الرواية/9 وإذا ... وتسعفُ ذاكرة والدة المؤلف: الذاكرة السردية للمؤلف. وسيلة الإسعاف الذاكرة الشفاهية للأم . الفرق بين الذاكرتين : أن ذاكرة المؤلف تختزن الطبعة الأولى للمكان وهي طبعة معايشة المؤلف للمكان بسعاداته اللانهائية.
(*)
حين غادر المؤلف المكان والعراق، تزاحمت في ذاكرته ذواكر الأزمنة والامكنة. أما ذاكرة الأم فهي ذاكرة شجرة توت عظيمة تمتلك طبعات متحاقبة للمكان نفسه، كل طبعة تمثل حقبة وبشهادتها وهي تخاطب ولدها (ولّى ذلك الزمن، الذي كان فيه الناس يحتفلون بنهر ديالاس أثناء مروره في قلب مدينتنا فقد هجره الناس، تغير كل شيء الآن، وما عادت الأرض التي تعرفها هي ذاتها/ 12) ولأنها تعرف هوس ولدها وطيشه الروائي، ولأنها تخاف على وحيدها فقد نصحته (حاول أن تجد لك بلداً آخر حيث أنت أو في بلد زوجتك أو حيثما تشاء/ 12).. إذن يتعاضدان شغف المؤلف وشفاهية الأم(عوضتُ عن كل ذلك باتصالاتي الهاتفية بها لأسألها عن تفاصيل غابت عن ذهني أو تواريخ طواها النسيان أو أسماء توارت عني..) وفي محاورة قصيرة تتكشف للقارئ عظمة هذه الأم حين يسألها ولدها المؤلف (أمي العزيزة، كيف يمكن للمرء أن يتخلى عن ذاكرته؟)
يكون جوابها ( لا أريدك أن تتخلى عن ذاكرتك بل أن تجعلها ذاكرة فقط/ 12) جوابها يحتاج لحظة تأمل منها ينبثق سؤال فعل قراءتي: هل ساورها أمرٌ ما فطلبت الأم من وحيدها: أن لا يشرك وظيفة أخرى للذاكرة. في تسريد ديالاس روائياً. أما الجد فكان ينصحه: (لطالما حذّرني جدّي من عدم رؤية المدينة بعقلي فقط، تاركا قلبي، لأن رؤيتي لها ستكون لوحات جامدة، تهيمن عليها شطحات عقلي، هوس لا أخرج منه بسهولة 272)
(*)
ندخل الرواية متناغمين مع سمفونية رعوية، برفقة التلميذ الصغير آدم إلى المراعي والبساتين، وهو في طريقه من البيت إلى المدرسة نترنم معه بأغنيات أمه وترتليها على مهده، تستوقفنا شجرة التوت العظيمة ندخل في جوفها فتوصلنا جذورها المتعانقة إلى نهر ديالاس الذي يتحول سلما ويضعنا على غصون التوت نقتطف التوت الأرجواني بنهم طفولتنا تتحول قمصانها لوحة بهيجة نعتصر ملامح وجوهنا ونحن نمضغ توتا حامضا ونتضاحك فيما بيننا نعرف من آدم أن شجرة التوت هي شجرة عائلته التي زرعها جده في زمن الوالي. ما يهمنا من كل ما سطرناه من هو الرجل الأبيض..؟ وما علاقته بالشجرة حين يقذف آدم حقيبته إلى الاغصان العالية لتسقط حبات التوت. هذه المرة الحقيبة تحتضنها شجون الشجرة وتفشل كل المحاولات منه ومن غيره في انزال حقيبته المدرسية، لكن الحقيبة ستنزل في حلمٍ يحلمه آدم
(ولم تمض دقائق حتى جاء في الحلم شيخ طاعن ونصحه بل أمره أن يفتح
باب المنزل، فنّفذ الأوامر ومشى في نومه نحو الباب، فوجد الحقيبة الحديدية على العتبة الترابية، فأخذها واغلق الباب ونام محتضنا إياها، وذهلت أمه في الصباح عندما رأت الحقيبة / 20) ذهول الأم يتحول فعلٌ أخضر فهي بتوقيت غرائبية المشهد ستغرس شجرة توت في المنزل وتنتظر نموّها وقطف توتها وتذوق طعمها حتى يصل ابنها إلى السبعة عشر عاماً. هنا نلاحظ أن السارد المطلق لم يفكك لغز الرقم(17) ترك حرية التأويل لفعل القراءة.
(*)
قراءتي الأولى للرواية جعلتني أرى في الرجل الابيض شخصية جد آدم
لكن قراءتي الثانية للرواية، جعلتني انضّدُ فهرسا لخريطتي في الكتابة عن الرواية. في ص126 الأم تخاطب وحيدها آدم وهم في سفرة سياحية دينية
جماعية (لولا المرقد الذهبي لما جئت إلى الدنيا) وفي ص127 تكرر الأم خطابها (لولا المرقد الذهبي لماكنت مخلوقاً يدبّ على الأرض)..سيكون صاحب المرقد شفيعه والملاك الحارس لآدم، فهو حين يمرض يأخذونه إلى المكان، ويغطّسونه في مياه الينابيع ثلاث، وهذا الشفيع يخلصه من الطبيب والعقاقير.. بعد طقس الغطاس يقف أمام المرقد الذهبي كأنه يتمرى (فيما تتحرّك السماء سريعا، ويظهر لي شبح رجل يرتدي لباساً أبيض يتقدم نحوي، أحاول الإمساك به، لكنه يختفي من بين أصابعي. يحثّني كل شيء حولي على التفكير، الأحجار والأشجار ومياه الينابيع، وفي قشعريرتي أمسك بالشريط الأخضر المربوط بمعصمي وأحاول تمزيقه/ 128).. وللمرقد نفسه يأخذ الدراويش خال آدم ويربطونه بقضبان المرقد الذهبي. وفي النسق الثالث تتكشف للقارئ شفرة الرجل الابيض فالزوار (يتحدثون عن هالة بيضاء، رجل يرتدي لباساً أبيض، يظهر ليحقق رغبات المؤمنين، دُفن ذات يوم في هذا المرقد، وعلى أثر دفنه خرجت مياه الينابيع من جوف قبره، وشكلت الجداول والسواقي لتختلط بنهر ديالاس العظيم، ولأن هذا الينبوع خرج من تحت هذا القبر، أصبح المكان مقدساً، ولم ينقطع عنه الحجاج، وازدهرت المنطقة بكاملها، وطافت شهرتها الأصقاع، وبدأ الزوّار يأتون من كل حدب وصوب/ 141) ما بين القوسين والحضور الثلاثي للشيخ الأبيض. ليس له أية علاقة بالواقعية السحرية. بل هو من صميم أنظمة الوعي الجمعي المحلي العراقي الأصيل
(*)
الرجل المجلل بالبياض يعيد حقيبة آدم العالقة بشجرة التوت من خلال حلم يحلمه آدم. قطة آدم التي انزعجت منها أمه ووضعتها في كيس ورمتها بين التلال البعيدة. ولم يعثرا عليها هو وأمه في اليوم التالي وهما يفتشان تلال المدينة. وفي صباح اليوم التالي(لم يصدق ما يراه أبداً، إنها المعجزة الخارقة التي اعادت القطة إلى المنزل ثانية، وآمنت أمه بالقدرة الإلهية وبدأ تتخوف منها، ووافقت على إبقائها في المنزل ما دامت قطعت تلك الطرقات الوعرة واهتدت إلى البيت/ 162) أن المؤلف يبث لنا علامات عايشناها ولم نجد تفسيرا أو تأويلا لها لحد الان.
(*)
ترى قراءتي أن النهر ديالاس هو الشخصية المحورية في الرواية وبشهادة أم المؤلف وهي تخاطب وحيدها( إذا كان نهرنا بخير فكل شيء بخير/ 11) إذن
شخصيات الرواية منبجسة من ديالاس والعلاقة بين النهر والشخوص كالعلاقة بين الصوت والصدى.، لكن مؤثرية الشرط الموضوعي للحياة انتج تعادلية عكسية( ولّى ذلك الزمن الذي كان الناس فيه يحتفلون بنهر ديالاس أثناء مروره في قلب مدينتنا، فقد هجره الناس، ولم يعد لونه الأزرق باقياً، تغير كل شيء الآن، وما عادت البساتين مزهرة كما تركتها/ 12)
(*)
ديالاس أحيانا بِلا شفقة: يسحب صبيا مثل جوزيف ويخنقه بمياه ويكفنه بخيوطٍ نباتية ثم يلفظه على سطحه لينتشله الاحياء ونسأل مع السارد المشارك بتوثيق الحدث الروائي (لماذا أختارات الجنيّات جوزيف ليكون قربانا لهذا العام؟/ 152).. أية مشروطية عيش كابدها أهل هذا الوادي الخصيب؟ لماذا عليهم كل عام أن يستلمون من القمر المتموج إشاراته المبثوثة على سطح ماء النهر؟ ولماذا يحتضن ديالاس هذه الجنيّات الشريرات؟ والناس يقدسون مياهه؟ وفي كل عام تقيم المدينة سرديتها عبر هذا القدّاس المرعب (يقوم الأهالي بنصب الشموع على طول ضفاف النهر، ويدق الرجال على طبولهم الجلدية، يسيرون بمحاذاة النهر باحثين عن الغرقى في المناطق الضحلة منه، فوق الحصى والرمل/ 153) وها هي الجنيّات تخرج من جوف النهر، تنفضُ رؤوسها من الماء، تتضاحك وتتراشق بالماء،ثم تعود إلى بيوتها السفلية تحت جرف الشاطئ
(*)
نهر ديالاس :أحيانا تغضبه هدأ ة التراب الندي المورق أشجاراً وبيوتا وبشراً آمنين فيصفعهم ويصعقهم بمياه ٍ فاتكةٍ تتهدم البيوت وتقصم الاشجار على البشر ويخسر الناس كل شئ إلاّ أرواحهم المتهدمة كما يخبرنا الفصل المعنوّن (فيضاني)/ 168
)*)
ليس امتيازا ً بل هي مسؤولية جسيمة أن تكون روائياً مبدعاً، وستكون مضاعفة حين تريد أن تكتب جانباً مِن سيرة ذاتية بصيغة روائية للمكان والمكين العائلي . مسؤولية المؤلف/ السارد شاكر نوري ومنه نعرف سرديا أنه الوحيد الذي يصغي لخاله المجنون وهذا الخال (يكمل لي الصورة الناقصة لعائلتي فهو أحد الأقنعة الخمسة التي تجابهني كل يوم/ 50) الاقنعة الخمسة هي أفراد العائلة : الجد.. الجدة.. الأم.. الخال.. الأب.
(1) أم آدم اللازمة اليومية لها: (آه... لو أمسك الجنون من قرنيه لألقنه درساً لن ينساه/ 50) يعقبها ولدها آدم متسائلاً ( ولكن هل يمكن أن نلقن الجنون درسا؟)
(2) الخال لازمته اليومية (آه... لو أمسك الحياة من قرنيها لألقنها درساً لن ننساه) هنا لا يعقب آدم بل تمتزج ضحكته بضحكة خاله (ونضحك سوية دون أن أشعر بأنه مجنون)
(3) آدم لا يعقب بل ينتج لا زمته المختلفة عن لازمتيّ أمه وخاله
(آه... لو أمسك الأقنعة بيدي لكنت أهشمها جميعاً) لا زمة آدم تريد كل شيء أو لا شيء، هو لا يترفق/ ويلقّن درسا بل يريد تهشيم الزيف كله ومن خلال التهشيم تتوفر رؤية الوجه – الحقيقة السلوكية لكل شخص من أفراد عائلته لأن الكتابة مشروطة بوضوح الرؤية والاقنعة هي : السحر. المكر. السّكر. البراءة. والجنون
السحر : الجد
المكر: الجدة
السّكر: الأب
البراءة : الأم
الجنون: الخال
كيف يتعامل آدم وهو صبي لم يقطف من العمر سوى تسع زهرات
مع أقنعة ٍ جعلته مطوّقا ومرميا في حيز من هذا البيت الكثير الغرف وبحسب قوله(أية عقوبة يمكن أن يتحملها صبي في مثل عمري/52) وهو صبي بِلا أشقاء أو شقيقات. وهؤلاء هم أقنعته وآلهته وحين يحجبهم عن نظره ِ فهو يراهم بين فراغات أصابعه بهيئات أخرى :
(1)
(يتجسدون أمامي مثل دمى أو أقنعة مطاطية يلعب بها الأطفال لتخويف بعضهم بعضا/ 52)
ثم ينتقلون من مطاطية الأقنعة إلى المتناهية في الصغر:
(2)
(.. أراهم يقفون على أطراف أصابعي مثل تماثيل زجاجية بحجوم مصغرات مستدقة نحيفة، متناهية في الصغر، لا تنفك في التحديق في وجهي، تريدني أن أفعل شيئا ما يتعدّى حب العائلة أو تقديسها)
(3)
هم يريدون منه تخليدهم سرديا، كما يرون هم أنفسهم، أي ينقلهم من الواقع اليومي إلى المثال الأعلى، علما هم مغروسون في ذاكرته مثل فسيل النخل.
وهذه الأقانيم الخمسة : ملكيته الخاصة في هذا العالم، وهو المؤتمن على مآثرها وأهوالها وخيباتها وهو مركوزٌ في دوائرهم: سحر. مكر. سكّر. براءة. جنون. إذن هو أمام اجتراح تعادلية سردية عندما يخلدهم نصيا
: خلاصهُ هو/ إخلاصه لهم
والمؤلف يعلن محنته النصية ( أتخوّف من أن أقدم على خيانة أعماقهم أو أن اخفق في التعبير عنهم/ 53) وحتى يتجاوز محنته النصية، فعليه أن يرى وجوههم بِلا أقنعة، عليه أن ينتزع أقنعتهم. لا ليتخلص منها بل يعلقها على جدران غرفته، لأن آدم هو المتعدد في الواحد فكل هذه الاقنعة هي قناعه هو أو كما يجيب حين تسأله بماذا تفكر؟ يجيبها فوراً (أفكر بأقنعتي) وحين تسأله
(وماهي أقنعتك؟) يكون جوابه (لا تقلقي يا أمي، إنها مجرد لعب أطفال)
وجواب آدم بحد ذاته قناعاً. لأن علاقته بأقنعة العائلة علاقة تحاورية فيها
يصبح ظلام أعماق افراد العائلة ضوءاً بهيجا ..
(*)
الفصل الأخير مسهبٌ كمنولوج ورأته قراءتي بوظيفة مقدمة للرواية جرى تنضيدها في قعر ديالاس.. ديالاس النهر والأرض والبشر وذوات آدم المتعدد في أقانيمه.
(*)
القوة الدافعة لتصنيع الرواية هو المؤلف شاكر نوري: يريد أن يستعيد فردوسه المائي ويخلّده نصا روائيا ويهبه لنا .لكن ذاكرة واحدة ضد النسيان لا تكفي، هنا يبرز تعاضد ذاكرة الأم وتبث أشرطتها الشفاهية لولدها مؤلف الرواية، عبر الموبايل لكن هناك فراغات وثقوب في أشرطة الذاكرتين .هنا يبرز دور الطرف الثالث :وهو المخيلة السردية التي يستمدها المؤلف من تجربته الروائية العميقة والمديدة ..أما الطرف الرابع فهو المقبوس الوامض من الذاكرة السياسية للعراق. ثورة 14 تموز، حركة الشواف ضد الزعيم عبد الكريم قاسم ،انقلاب 8 شباط 1963 ومجازره .. بكل هذا وغيره تدفق نهر ديالاس .
*شاكر نوري/ ديالاس/ دار الفارابي/ بيروت/ ط1/ 2007








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ملتقى الثقافات.. متحف فنون الطبخ المغربي اليهودي في مراكش |


.. نشرة الرابعة | عُرف بغزارة مؤلفاته.. رحيل الأديب والمؤرخ الس


.. الندوة | الأثر الثقافي للحج وتبادل المعرفة الدينية والثقافية




.. لقاء خاص مع الشاعر المهجّر من مدينة سراقب -عبد العليم زيدان-


.. السينما المصرية والميزانيات الإنتاجية الضخمة | #فكر_وفن