الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تشرين وما بعد تشرين العراق قادم بقوة.

عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)

2022 / 6 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


العراق اليوم وبعد اربع سنوات تقريبا من أنتفاضة تشرين لم يعد ذلك العراق الذي ولد مشوها مع سقوط بغداد بحراب الأمريكان وحلفائهم الذين زعموا أنهم جاؤوا محررين وقد سبقهم في القول الجنرال البريطاني مود في بدايات القرن الماضي، العراق اليوم عبارة عن شبكة معقدة من الخطوط والتوجهات والأفكار والقوى المتشتتة التي سقط ما كان يربطها ببعضها قبل تشرين 2019، ولدت فيه قوى وماتت قوى أخرى وظهر جيل عنيد متمرد ورافض وله عالم خاص يتعدى هوية الدين وهوية القومية والمكان والأنتماء المحدود، جيل وليد المأساة والفشل المتراكم سلطويا وأجتماعيا ودينيا الذي صاحبه إنكشاف حقيقي لروح العراق المعاصر، إنكشفت فيه هوية الذين كانوا يعلنون ويخفون ويتكلمون ويصرحون في كل مناسبة بأنهم ممثلي شعب العراق وقادته، وإذا بهم مجرد لصوص وممثلي تجار متخصصون ببيع القيم والأوطان والأديان وبدون رادع ولا ضمير ولا شرف.
كانت تشرين ولادة متعسرة ومتأخرة عن وقتها الطبيعي الذي كان من الممكن أن يحدث فيه الرفض والتمرد على واقع مختل وغير متوازن ولا يمثل حقيقية مجريات الأمور على الأرض، كان هناك الكثير من التأثير المباشر في عرقلة وإجهاض الحراك الوطني الذي يستهدف التغيير والإصلاح، كانت العوامل والمحركات الدينية بشكل حاد والأجتماعية فاعلة وقائدة لعملية جر العراق للخلف، والدوافع الإقليمية تتجه في مساندة الحافز الديني من خلال اللعب بالطائفية والمصالح الخارجية وتقوية الصراعات الداخلية لتضمن تحقيق أهدافها بأقصى ما يمكن وبأقل الخسائر لها، فبعد حراك 2011 وما تلاه كان لا بد من فعاليات سياسية وعسكرية كبرى تعيد خلط الأوراق من جديد، وإعادة العراق للمربع الأول ما بعد الأحتلال وهو إثارة مسألة الحق والثأر وشعار حماية المكونات من شرور المكونات الأخرى، فكانت داعش الأداة المناسبة ثم الإيعاز الضمني بتسليم المحافظات السنية لداعش لضرب عصفورين بحجر واحد، إثارة الأحقاد المتبادلة بين مكونات الشعب الواحد وشرخ الهوية الوطنية بشعار ديني جديد هو فتوى الجهاد الكفائي بدل تعزيز قوة الدولة ومحاسبة القوى التي سلمت ونفذت ما خطط لها.
عندما خرج شباب العراق خاصة في تشرين ٢٠١٩ وكان الشعار الجامع " نريد وطن" ودفعوا الدماء السخية والتضحيات الجسام حتى يكون العراق وطن، لم يكن خروجهم مجرد إعلان موقف فقط ولا هي فورة غضب بقدر ما كانت إعلان ثورة حقيقية على ما جرى بعد العاشر من حزيران 2014، كان رفضا حقيقيا لكل مؤسسات المجتمع العراقي الدينية والسياسية والاجتماعية التي أدارت الوضع العراقي بعد 2003، لأنها هي المسئولة عن كل النتائج وما حصادها إلا ما جرى فعلا وواقعا، فتشرين لم نكن ردة فعل وقتية بل هي فعل ثوري أصيل ونابع من قرار وطني صحيح وناضج رافض للأحتلال وتركته الثقيلة، وها هو العراق قادم من بين ركام ودخان ودم ليقول كلمته الفصل، أن الشهداء والمضحين والساعين للهدف الأسمى هم من يصنع مجد العراق، أما من قتلنا ومن تأمر وتستر ونافق القتلة بكلام الحياد والمسافة الواحدة بين الضحية والقاتل، فنقول لهم أن العراق اكبر منكم مهما تغولتم وتجبرتم لا يمكنكم تغييب العراق من الوجود، ستسمعون صوتنا وتلعنون الساعة التي خنتم فيها العراق وشعبه وتتمنون لو أن الأرض تسع خطواتكم نحو الهروب الابدي.
لقد كانت تشرين وحصادها مرحلة نضالية وثورية رسمت وأسست لإرادة التغيير وأعطت ما أعطت مع كل ما وجه لها من سهام وما أصابها من معاول الهدم، اليوم نحن في مرحلة ما بعد تشرين وزمنها وشعاراتها، لم يعد شعار " نريد وطن" هو مطلبنا ولا "نازل أخذ حقي" هدفنا، اليوم هو يوم عودة العراق إلى واقعه الحقيقي ووجوده ومستقبله، نريد أن نرمم ما يمكن ترميمه وإعادة بناء الذات العراقية والهوية العراقية والوجود العراقي، شعارنا وهدفنا وممارستنا ومنهجنا أن العراق قادم ليحتل موقعه المناسب والصحيح في خارطة العالم المعاصر، وعلى العراقيون أن يترفعوا بعد اليوم عن أستجداء مطالب من القادة والساسة، على العراقيون اليوم أن يقولوا بكل قوة "كفى" حان اليوم موعد قيامة العراق مهد الإنسانية وموطن الحقوق والواجبات، ونحن الشعب مصدر السلطات المطلق لا إرادة فوق إرادة العراقيين ولا مصلحة تعلو مصلحة الوطن، نحن زرع تشرين وثمارها الطيبة.
إن العراق اليوم وهو يعيش حالة قد تكون خفية ولكنها حقيقية يغالب البعض على إنكارها أو تجاهلها، وهي أننا أمام مرحلة الأنفجار القادم الذي لا نتوقع أو حتى لا نتنبأ سريعا بولادة اللحظة الحرجة التي يبدأ فيها بركان العراق بفعل التغيير، مهما حاولت السلطة ومن ورائها قوى وأليات وتوازنات أن تعطل الأستحقاق القادم فلا تنجح، بعد أن عرف الغالبية من الشعب العراقي ومن التجربة المرة أن الكلام والعهود والمواثيق وحتى العمل السياسي وبوجود دستور ميت ومؤسسات مصادرة بيد الأحزاب المسلحة والمتسلحة بالمحاصصة والتوافقات بين اللصوص وداعيمهم، وغياب تام للقانون والعدالة وشلل كامل للمؤسسة القضائية بفعل التركيبة الطائفية والمحاصصاتية لها، إن أنتظار لحظة الحسم والتهيؤ لها وحساب الخطوة القادمة جيدا وتعبئة الإرادة الوطنية نحو تعزيز مفاهيم وأليات عمل المواطنة وسيادة القانون والوحدة الوطنية بأعتبارها الحامية الفعلية لوجود عراق معافى وقادر على أجتياز مرحلة الخطر الوجودي، كمهمة عاجلة وضرورية وفي مقدمة حسابات وأهتمامات القوى الطليعية التي ستصنع تاريخ جديد وتقود مرحلة التحولات الكبرى في العراق القادم من روحه لروحه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نووي إيران.. طهران تعلن استمرار المحادثات غير المباشرة مع وا


.. اليمن.. نجاة مدير أمن محافظة لحج من محاولة استهداف


.. لبنان.. ميقاتي يسلم الرئيس اللبناني تشكيلة الحكومة الجديدة




.. رئيس الوزراء المصري في زيارة رسمية للجزائر | #النافذة_المغار


.. كيف غيرت حرب روسيا على أوكرانيا التوازنات الجيوسياسية في أور