الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التاريخُ يُعيدُ نفسهُ والحربُ الباردة بدأت من جديد فكيف ومتى ستكون النهاية؟.

عبد الحميد فجر سلوم
كاتب ووزير مفوض دبلوماسي سابق/ نُشِرَ لي سابقا ما يقرب من ألف مقال في صحف عديدة

(Abdul-hamid Fajr Salloum)

2022 / 7 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


يقولُ كارل ماركس: (التاريخ يُعيدُ نفسهُ مرّتين، المرّة الأولى على شكل مأساة، والثانية على شكل مهزلة)..
المأساةُ عاشها العالم باجتياح هتلر لأوروبا ونشوب الحرب العالمية الثانية.. ثمّ تقاسُم العالم بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، في يالطا عام 1945، ونشوء الحرب الباردة، وحروب الوكالة على مستوى العالم، إلى أن انتهت بتفكُّك منظومة حلف وارسو، والاتحاد السوفييتي، أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، والذي ما زال قلبُ الرئيس بوتين يحنُّ إليه، بقولهِ (مَن لا يندم على الاتحاد السوفييتي ليس لديه قلب).. فيجيبهُ وزير خارجية فرنسا الأسبق "هوبير فيدرين" قائلا: (ولكن أي شخصٍ يريدُ إعادةُ تشكيلهِ فليس له عقل)..
إذاً العالمُ عاش المأساة، واليوم يعيش المهزلة، إذا ما أخذنا بِنظرية المُفكِّر والفيلسوف الكبير كارل ماركس..
فما لم نتعلّم من مآسي التاريخ، وويلاتهِ، فسوف تتحول حياتنا دوما إلى مهازل.. تستحق السخرية والضحك.. وعالمُ اليوم غارقٌ بالمهازل.. ولا ينقصنا سوى كاتبٌ ساخرٌ كما جورج برنارد شو، كي يُضحِكنا عليها من فوق خشبة مسرح أركولا الشهير في لندن..
**
هكذا بات وضعُ العالم بعد الحرب في أوكرانيا.. الجميعُ مُستنفرا، حتى من لا علاقة لهم بالحرب بشكلٍ مُباشرٍ، وبعيدون عنها، ولكن هي من اقتربت منهم بسبب أزمة الغذاء وأزمة الطاقة، وانعكاس ذلك عليهم..
الغرب ليس في حالة استنفار فقط، وإنما في حالة جهوزية قصوى.. وبعض الدول في حالة ذُعر، فأسرعت الخُطى باتِّجاه الانضمام للناتو.. لاسيما أمام التهديدات التي تصدرُ من موسكو بين الفينة والأخرى، والتلويح باستخدام السلاح النووي..
**
وأحيانا الرسائل الصادرة عن موسكو، مُتضاربة.. فمنها من يَعتبر توسيع الناتو وانضمام فنلندا والسويد، هو زيادةُ تهديدٍ للأمن القومي الروسي وتصعيدٌ لزعزعة الأمن والاستقرار في أوروبا (تصريحات الوزير سيرجي لافروف ونائبهِ سيرجي ريابكوف)..
ومنها من يعتبرُ المسألة عادية، إذ أن هاتين الدولتين هُما بالأساس على علاقة وثيقة بالناتو، (وإنْ كانتا ستشعران بالراحة والطمأنينة بالانضمام إلى الحلف، فلتفعلا ذلك، وحلف الناتو بالفعل قريبٌ من حدودنا بدون السويد وفنلندا)، كما صرّح نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي ديمتري ميدفيديف لصحيفة (أرغومينتي إي فاكتي) الروسية..
ولكنهُ اضافَ قائلا: أنّ موسكو سوف تكونُ مُضطرّة إلى تعزيز حدودها وتقويتها.. وألمحَ إلى نشرِ صواريخ إسكندر وسفنٌ حربية مزوّدة بأسلحة نووية.. وهذا لم تعرفهُ منطقة البلطيق بالماضي..
والرئيس بوتين نفسهُ اشارَ من "عشق اباد" عاصمة تركمانستان، في 29/6/2022 ، حيث يحضرُ المؤتمر السادس للدول المُطِلّة على بحر قزوين، أن انضمام فنلندا والسويد للناتو، لن تُزعِج موسكو، وأن روسيا ليس لديها أي مشاكل مع السويد وفنلندا بحال انضمامهما للحلف.. ولكنهُ أكّدَ أنهُ في حالِ نشرِ قوات للناتو فيهما فروسيا سوف تضطرُّ للرد..
إذا ربَطَ مسألة الرد بنشرِ قوات أطلسية على أراضيهما.. ولكن ما هو الرد، وحجمهُ وطبيعتهُ، فلم يوضِّح.. وربما هو الرد الذي تحدّث عنهُ ديمتري ميدفيديف..
**
بينما يذهب بعض المسؤولين الروس الأقلُّ شئنا إلى تحليلات بعيدة جدا، وأحدهم (جنرال سابق) وعضوا في مجلس "الدوما" تحدّث من خلال قناة (روسيا1) عن خطّة تقريبية من ثلاث مراحل، تبدأ بغزو روسيا لدول الناتو، الأمر الذي سيدفعها لتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، فتشتعل الحرب، ويتمُّ تنفيذ المرحلة الأولى، ثم تأتي بعدها المرحلة الثانية (وهنا يتمّ قصف لندن قبل باريس وبرلين) ثمّ تأتي المرحلة الثالثة..
والغريب أنه تحدّث بذلك على قناةٍ روسيةٍ رسميةٍ، ويَفترِضُ أن دول الناتو سوف تقف وتُراقبُ وتتابعُ كيف تقصفُها روسيا في كلِّ مرحلة، دون تحريك ساكن..
**
فنلندا والسويد، أعربتا عن الرغبة بالانضمام للناتو، بعد فترةٍ قصيرةٍ من بدأ الحرب في أوكرانيا في 24/2/2022، وموسكو هدّدتهما مباشرة بعدها من مغبّة الانضمام.. ولكنهما لم تُصغيا لكل هذه التهديدات، وانضمّتا.. فرياحُ التاريخ المُلتهبة ما زالت حيّةً في الذاكرة، حينما شنّ القيصر بطرس الأكبر، "حرب الشمال العُظمى" بين عامي 1700 و 1721، ضد السويد وفنلندا وإستونيا ولاتفيا، وانتصر عليها، وتحولت روسيا القيصرية إلى إمبراطورية..
وبعد الحرب الروسية في أوكرانيا، تخوّفوا من أن تتكرّر المأساة، وتتحوّل إلى مهزلة، فسارعوا نحو الاحتماء بالناتو..
**
وتركيا، التي اعترضت بالبداية، وافقت لاحقا، ولكن بعد أن قطفت الثمار، وعَرِفت كيف تستغل هذه الفرصة لفرضِ شروطها عليهما وتعزيز أمنها القومي، بوثيقةٍ رسميةٍ وقّعتها الأطراف الثلاثة في مدريد خلال قمة الناتو في 29/6/2022.. وتمّت الاستجابة لكل مطالب تركيا بخصوص حزب البي كي كي .. وكل ما يتعلق بقضايا أمنها القومي.. حسب التصريحات التركية.. وأكيد من ضمنها الاعتراف لتركيا بالحق في التوغل داخل الأراضي السورية، طالما أمنها القومي يقتضي ذلك..
**
بل المُفارقَة أن وزير خارجية إيران، حسين أمير عبد اللهيان، يُصرِّح من قلب أنقرة خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التركي يوم الإثنين 27/6/2022 ، قائلا: (تنفهمُّ جيدا مخاوف تركيا الأمنية.. ومُضيفا: نتفهمُّ أن عملية خاصّة في سورية قد تكون ضرورية ضد المقاتلين الأكراد)..
ولا ندري إلى أي مدى ينسجم هذا مع موقف دمشق، وإن كانت مُوافقِةٌ على هذا الكلام..
**
إذا موسكو التي كانت، رُبّما، تعتقد أن تركيا سوف تُعرقِل انضمام فنلندا والسويد للناتو لبعض الزمن، وجامَلَتها لأجلِ ذلك، في مُخطّطِها الرامي لغزوٍ جديدٍ في شمال سورية (كما تُجامِلها إيران اليوم) قد فشل رهانها هذا.. بعد أن وافقت أنقرة بسرعة غير متوقّعة على انضمامهما.. لاسيما أنه قبل يومٍ واحدٍ من الموافقة، كان أردوغان يُصرِّح أن موقفهُ لم يتغيّر.. ولكن ربما موقف فنلندا والسويد هو من تغيّر..
**
بل وافقت تركيا على كل ما تبنّتهُ قمّة الناتو في مدريد، الخميس 30 /6 / 2022 .. غيرُ عابئةٍ بمشاعر روسيا، ولا حتى الصين.. لاسيما الموافقة على (وثيقة المفهوم الاستراتيجي الجديد) وكل ما انطوت عليه من تعزيز لقدرات الناتو العسكرية في كل أوروبا، لاسيما في الجناح الشرقي منه.. واعتبار روسيا، بموجب الاستراتيجية الجديدة، أكبر تهديد مباشر لدول الناتو منذ الحرب العالمية الثانية..
ولا ترى في الصين عدوا، ولكن تعتبرها تحديا لمصالح الحلف وقيم الغرب، الأمر الذي أغضب بكّين..
**
هذه هي تركيا.. عبر التاريخ، والتي كانت علاقاتها مع روسيا متوترة طيلة زمن الإمبراطورية العثمانية واشتعلت بينهما عشرة حروب على مدى مائتي عام، كان آخرها في الحرب العالمية الأولى..
وقد جاملَ بوتين تركيا كثيرا، في سورية، بسبب المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، والتي تضيعُ أمامها مصالح سورية.. كما جامَلها أكثر بعد الحرب في أوكرانيا، كي يُحيِّدها على الأقل، أو لا تذهب بعيدا مع دول الناتو، ولكنّ رِهانَه لم يكُن في مكانهِ، ومضَت حيثُ مضى الناتو في مدريد ووافقت على كل شيء، دون اعتراض أو تحفُّظات..
فهل سيتذكّر بوتين مقولة القيصر نيكولاي الأول، بعد خسارتهِ حرب القرم أمام تركيا العثمانية: (أشعرُ أن كفَّ السُلطان على خدّي)؟.
**
أردوغان يشعرُ اليوم أنّ لديهِ فائضا من القوة يستثمرُ فيه، فروسيا تحتاجه.. وأمريكا تحتاجه، وأوروبا تحتاجه، والناتو يحتاجه.. وإيران تحتاجهُ.. وهو يستثمر في كلِّ ذلك بما يخدم مصالح تركيا وأمنها القومي أولا وقبل أي شيء..
**
إذا هناك تحدٍّ واضحٍ لموسكو، لاسيما بعد إقرار الاستراتيجية الجديدة، وأمين عام الناتو ستولتنبرغ، يقول: لن نسمح لروسيا بإغلاق أبواب الانضمام للناتو..
وبادرت دولهِ بتعزيز ميزانياتها العسكرية، بل أعلنت ألمانيا عن تخصيص مائة مليار يورو، للقوات المُسلحة، وزيادة عدد الجيش ليصبح من أقوى الجيوش عددا وعُدَّةً..
وأعلن الرئيس الأميركي جو بايدن أن بلاده ستعزز وجودها العسكري في إسبانيا وبولندا ورومانيا ودول البلطيق وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، كي يتمكن الحلف من "الرد على التهديدات الآتية من كافة الاتجاهات وفي كل المجالات برا وجوا وبحرا"..
**
ثقة الغرب انعدمت بروسيا التي كانت حتى الأمس القريب الشريك القريب جدا من الغرب.. ولكنها اليوم أصبحت (العدو).. وارتفعت الأصوات من البعض في الغرب، لتغيير الرئيس بوتين، ومنها من مضى لأبعد من ذلك، لتفتيت الاتحاد الروسي..
**
قد يختلفُ الزوج والزوجة، ويفترقان، وقد يُحذِّر الزوج الزوجة من الاقتراب من الأولاد، ولكن ماذا إن كان الأولادُ هُم أنفسهم لا يتركون وسيلة للاقتراب من أمّهم والارتماء في أحضانها !.
لا يمكن إغفالُ أمرا مُهمّا جدا في كل ما يجري اليوم (وأنَا هنا بصددِ التحليل) وهو أن تلك الشعوب الأوروبية هي من لديها كل الإرادة والرغبة والعاطفة للذهاب نحو بروكسل "الأُم" (مقر الاتحاد الأوروبي والناتو) والانضمام لعضويتهما، وإلا ما كانت بروكسل ستنجح في ذلك، مهما بذلت من المساعي والإغراءات.. فما كلمة السر في ذلك؟.
إنهم لا يخفونها، ويصرِّحون بها علنا وهي أن بروكسل (أي الاتحاد الأوروبي والناتو وعموم الغرب) هي من تُشبهُهم ويُشبهونها وليست موسكو..
وكنتُ أراهم منذُ أواسط الثمانينيات في هنغاريا الشيوعية كيف كان حُلُم الشعب، لاسيما الشباب، هو تطبيق نموذج الحكم الغربي في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وتداوُل السلطة، ويعشقون النموذج الغربي، فقد ملُّوا من تلك القيادات النمطية التي لا تتغير منذ استيلاء الحُكم..
لا يمكن تزويج الفتاة او الشاب بالإكراه، وإنما كلٍّ ممن يعشق ويُحب..
ذات الأسباب التي دفعتهم بالماضي نحو الغرب هي ذاتها اليوم (العِشق).. ولذلك المُهمة شاقة جدا أمام موسكو، لأن المسألة لا تتعلق بمسؤولين، أو أحزاب، هنا وهناك، وإنما بشعوب.. وإرادة الشعوب لا تُقاوَم على طول المدى..
**
إذا العالم أمام بداية حرب باردة جديدة، ولكنها بدأت ساخنة جدا وٍمن داخل أوكرانيا، وبدرجات حرارة مُرتفعة.. فكيف، ومتى ستنتهي.. اللهُ أعلم !.
وفي كل الأحوال، هناك عالمٌ جديدٌ سيُولَد، وإنما هذه المرّة لن تخرُج الطبيبةُ لِتُعلِن جنس المولود من واترلو، أو سراييفو، أو برلين، أو ستالينغراد، أو يالطة.. ولكن من أينْ؟.
ما زال التكهُّنُ بذلكْ صعبٌ جدا..
العالمُ اليوم في عصفورية..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تصعيد بين العراق وإيران.. بغداد تستدعي السفير الإيراني| #غرف


.. فيديو -الموز في مباراة البرازيل وتونس-.. واقعة عنصرية تشعل غ


.. {ذات مصر المعاصرة}.. شعار {المعرض العام للفنون} في دورته الـ




.. السيمفونية رقم 9..أشهر أعمال الموسيقار الألماني بيتهوفن | #ف


.. شاهد| إعصار ”إيان“ كيف دمر فلوريدا بسرعة تقارب 252 كيلومترا