الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جمال عبد الناصر وونستون تشرشل ..

أحمد فاروق عباس

2022 / 7 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


يأتى شهر يوليو من كل عام ومعه رياح السموم المعتادة ضد ثورة يوليو ١٩٥٢ وقائدها البطل جمال عبد الناصر ..

وبرغم تعدد صور الهجوم على عبد الناصر ، إلا أنه أتخذ في السنوات الأخيرة شعارا يكاد يكون موحدا ، يرفعه كل خصومه على إختلاف مشاربهم ، من أنصار العهد الملكى إلى أنصار الإخوان المسلمين ، ومن كبار ملاك الأراضى السابقين إلى كبار رجال الأعمال الحاليين ..

والشعار الذى يرفعه هؤلاء فى السنوات الأخيرة أن عبد الناصر كان متخصصا في الهزائم ، ويلعبون على جهل الناس بتاريخ بلدهم والبلدان الأخرى ..

ولا أعرف كيف يكون بطلا للهزائم من أخرج واحدة من أكبر امبراطوريات التاريخ - وهى الإمبراطورية البريطانية التى لم تكن تغيب عنها الشمس - من مصر ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من غير المسرح السياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط كله بمجيئه ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من تحدي أكبر دولتين اوربيتين - بريطانيا وفرنسا - وأمم قناة السويس رغم انفهما ، ونجح في استخلاصها لمصر من فم الأسد البريطانى والوحش الفرنسى ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من أيقظ شعوبا من رقدة القرون الطويلة ؟!

كيف يكون بطلا للهزائم من ساعد ثورة الجزائر عام ١٩٥٤ بالمال والسلاح حتى انتصرت عام ١٩٦٢ ؟!
كيف يكون بطلا للهزائم من وقف بجانب ثورة اليمن حتى أصبحت جمهورية مستقلة فى جنوب شبه الجزيرة العربية ؟!

ولكن ..
ربما من يتكلم عن الهزائم يقصد حرب ١٩٦٧ ..
وهى هزيمة قاسية حقا ، واعترف بها عبد الناصر بنفسه ..

ولكن ينسى الناس أن وراء حرب ٦٧ قصة كاملة ، يصر أغلبهم على تجاهلها ، قصة بدأت من يوم أصر عبد الناصر أن يبنى في مصر دولة حرة مستقلة ذات سيادة ، لا تأخذ أوامرها من لندن أو باريس أو واشنطن أو موسكو ..

وبرغم الأخطاء التى وقع فيها عبد الناصر وقادة الجيش فى إدارة الحرب ، فلم يكن ذلك ضمن الخوارق أو الأمور غير المألوفة ، بل هى قصة الحرب منذ نشأ الإنسان .. نصر مرة وهزيمة مرة ، نجاح مرة واخفاق مرة ..

أقصد أن الأمم تنتصر وتنهزم ، وتصعد وتتعثر ، وتتقدم وتتأخر ، وهذا هو حالها مع الزمن ودورته ، ومع الأيام وتقلباتها ..

وفى تجارب الأمم أمثلة لا تنتهى ..

وسنأخذ منها مثالين لشخصيتين ، رفعتهما اممهم إلى مصاف الخالدين برغم هزائم مروعة تسببوا فيها ، ولكن الحساب النهائى كان في صفهما ، وهما نابليون بونابرت وونستون تشرشل ..

١ - قاد نابليون بونابرت فرنسا بعد اضطرابات ثورتها الكبرى ، وبدلا من بناء فرنسا من الداخل بعد أن انهكها حكم الإقطاع والملكية المستبدة قاد الجيوش الفرنسية لاحتلال أوربا والشرق ؛ فبعث بجيوشه إلى ايطاليا وإسبانيا وألمانيا واراضى الإمبراطورية النمساوية المجرية ، كما ذهب بجيشه إلى روسيا وتجمد هناك فى جليد روسيا وشتاءها المرعب ، ومات من جيشه مئات الآلاف ..

وجاء هنا إلى مصر ، يحاول تكوين امبراطورية شرقية ، تقطع طرق مواصلات إنجلترا إلى درة التاج البريطانى .. الهند ، ومكثت حملته فى مصر ثلاث سنوات دون أن تحقق شئ ..

وبعد عقدين من الحروب المتواصلة فى أوربا وروسيا والشرق تحالف ضد النسر الفرنسى ممالك أوربا كلها وفتكوا به فى معركة واترلو ، وانهزم نابليون وتم أسره ووضعه فى جزيرة سانت هيلين حتى مات !!
وتقدمت جيوش الحلفاء إلى فرنسا تعبث بها كما تشاء ..

وبرغم مئات الآلاف من القتلى الفرنسيين ، وبرغم هزائم نابليون المروعة ، مازال الفرنسيون يعتبرونه أعظم إسم فى تاريخ فرنسا الحديث ..

٢ - ونستون تشرشل ..
كان تشرشل وزيرا للبحرية البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى ، وهو مهندس والمسئول الأول عن أكبر هزائم بريطانيا فى الحرب - ويعدها أخرون أكبر هزائم بريطانيا عموما حتى ذلك التاريخ - وهى هزيمتها المذلة في جاليبولى ( الهجوم على الدردنيل ) عام ١٩١٥ ..

كان تشرشل دائم الإلحاح على مجلس الوزراء البريطانى بفتح جبهة الدردنيل ، والاستيلاء على شبه جزيرة جاليبولى ، تمهيدا لاحتلال تركيا وطرد الألمان منها ، وفتح الطريق لمساعدة روسيا فى حربها مع الألمان ..

وكان أكبر قواد البحرية البريطانية جون فيشر ضد هذه الفكرة تماما ، وتغلب رأى السياسة على رأى المتخصصين العسكريين ، وبدأت العمليات العسكرية فعلا بطلب من تشرشل فى فبراير ١٩١٥ ..

وقبل بدء الهجوم الرئيسي بثلاثة أيام تم تنحية قائد القوات البريطانية بحجة مرضه ، وفشل الهجوم تماما ، ومنيت القوات البريطانية بخسائر فادحة ..

وأصر تشرشل على إعادة الهجوم على جاليبولى مرة أخرى ، واسندت قيادة القوات البريطانية إلى قائد ثالث ، وفى أبريل بدأ الهجوم الثانى ، وتكبدت القوات البريطانية خسائر كبيرة وفشل الهجوم للمرة الثانية !!

وأصر تشرشل على إعادة الهجوم مرة ثالثة !!
استمرت المناوشات وحرب الاستنزاف طوال يونيو ويوليو ، وفى أغسطس بدأ الهجوم البريطانى ، وفشل الهجوم للمرة الثالثة ، ومثل المرتين السابقتين تكبد الجيش البريطانى المنهزم خسائر هائلة ..

وفى هجوم أغسطس الأخير تكبد فيلق انزاك وهو القوة الضاربة في الجيش البريطانى ١٢٥٠٠ قتيل ( ثلث الفرقة كلها ) وفقدت الفرقة الأسترالية النيوزلندية ٥٨٠٠ رجل ، وفقدت الفرقة ١٣ وحدها ٥٠٠٠ رجل ، ومات ٧١١ من أصل ٧٦٠ جندى من كتيبة ولنجتون الشهيرة ..

وكان لمصر نصيبها من المشاركة في المجهود الحربى البريطانى ، فقد امتلأت كل مستشفيات مصر بالجرحى والمصابين البريطانيين ، ولما لم تكفى استولى البريطانيون على المدارس والفنادق وحولوها الى مستشفيات عسكرية !!

ومنعت الرقابة البريطانية على الصحافة فى مصر - والهند - نشر أى أخبار عن الهزائم البريطانية المروعة فى جاليبولى والدردنيل خوفا من فقدان بريطانيا لهيبتها في أعين الشعوب التى تستعمرها !!

ومن الجدير بالذكر أن معركة جاليبولى هى التى صنعت من مصطفى كمال أتاتورك الاسم الأكبر والأهم فى تاريخ تركيا الحديث ، فقد كان هو قائد القوات التركية المدافعة عن جاليبولى ..

أنسحب الجيش البريطانى تماما من جاليبولى فى ديسمبر ١٩١٥ ، وفى الإنسحاب تركت القوات البريطانية كميات كبيرة للغاية من السلاح ..

وبلغ اجمالى خسائر الحرب فى جاليبولى ٢٣٠ ألف جندى قتيل ( منهم ٢٧ الف فرنسى ، حيث شاركت فرنسا بجزء صغير في الحملة ، ونحو ٢٠٣ ألف قتيل من الجيش البريطانى ) ..

.. لم يعترف تشرشل بأخطاءه القاتلة في الحرب توقيتاً وتخطيطاً وتنفيذاً ، وألقى بالمسئولية على أخطاء التنسيق وأخطاء العسكريين في الحملة ، وقد وصفه أحد الصحفيين الإنجليز المشاركين في الحرب فى جاليبولى بأنه " رجل نرجسي ، يعيش حالة إنكار كاملة بشأن الكارثة العسكرية التى حرض عليها " ..

( المصدر الرئيسى الذى اعتمدت عليه هو كتاب " الحرب العالمية الأولى فى الشرق الأوسط " لكريستيان كوتس أولريخسن ، ونسخة من الكتاب متاحة أونلاين بصيغة pdf ، لمن يريد الاطلاع عليها ، والجزء الخاص بحملة جاليبولى يغطى الصفحات من ١٢٥ - ١٥٣ ) ..

استقال تشرشل من الوزارة بعد تلك الهزائم المدوية وذلك الفشل الكامل ..

الغريب أن نفس ذلك الرجل المسئول الأول عن أكبر هزائم بريطانيا فى الحرب العالمية الأولى هو نفسه من تولى قيادة بريطانيا فى الحرب العالمية الثانية !!

وتحققت على يديه هزائم كبرى لبريطانيا فى الحرب العالمية الثانية أيضا ، نذكر منها اثنتين :
١ - الانسحاب البريطانى المذل أمام الألمان من دنكرك في فرنسا عام ١٩٤٠ ..
٢ - هزيمة بريطانيا الكارثية فى سنغافورة أمام اليابان فى فبراير ١٩٤٢ ، وقد اعترف تشرشل بهزيمة بريطانيا القاسية فى سنغافورة ، ومقتل ٨٥ ألف من جنودها ( مقابل ٤٤٠٠ فقط من اليابان ) وأسر ٨٠ ألف جندى بريطانى !!!

ولكن هناك من يقول .. ان بريطانيا برغم تلك الهزائم المذلة انتصرت فى كلا الحربين ..
والجواب ..
ان بريطانيا لم تنتصر في كلا الحربين ..
بل إن دخول الولايات المتحدة الأمريكية بقوتها ومواردها الهائلة هو من جعل إنتصار بريطانيا ممكنا ..

ولولا دخول الولايات المتحدة الحربين وانقاذها لبريطانيا لكانت خسارتها الحربين محققة ولا شك فيها ..
وليس صحيحا أن أمريكا دخلت الحربين بعد أن كانت نتيجتها تحصيل حاصل ، بل كان دخولها فى كلا الحربين هو ما رجح كفة على أخرى ..
وليقارن أحد الموقف العسكرى البريطانى قبل دخول أمريكا وبعده فى كلا الحربين ..

وإذن ماذا ؟
ألم يكن تشرشل - خلافا للدعاية البريطانية الصاخبة - هو رجل الهزائم فعلا فى بريطانيا ؟!

تمت تغطية كل هزائم تشرشل واعتبرت أمورا طبيعية تحدث في كل الحروب !!
على العكس .. أعتبر تشرشل هو أبو الانتصارات في بريطانيا ، والاسم الأكبر فى بريطانيا فى المائة عام الأخيرة !!

بينما حولت نفس الدعاية البريطانية - وتوابعها من الإخوان وأنصار العصر الملكى والاحتلال البريطانى - الرجل الذي طرد الإنجليز من مصر ، وأرجع أهم ممر مائي فى العالم لملكية بلاده ، واقام الصناعة فى أقدم بلد زراعى في العالم ، وساعد فى تحرير الجزائر واليمن والعراق وإمارات ومشيخات الخليج العربي رجلا للهزائم !!

إلى هذا الحد تعمل الدعاية فى ذاكرة الشعوب ؟!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - التاريخ
على سالم ( 2022 / 7 / 5 - 03:38 )
من الواضح انك ناصرى من العيار الثقيل , ايضا انت عاطفى تنظر الى الامور بالعاطفه وليس بالعقل والتحليل المنطقى , عبد الناصر كان كارثه مروعه على مصر وسبب لها هزائم ومصائب وانهيارات وافلاس وديون وفشل مروع على جميع الاصعده , كان حديث السن لايملك اى خبره سياسيه حربيه او اقتصاديه او اقليميه او اداريه , كان جاهل بأمور الديبلوماسيه والتعامل مع زعماء العالم , كان يعانى من جنون العظمه والحلم بأن يوحد العرب تحت ادارته العقيمه , كان سئ الخلق وسباب وشتام وبلطجى وديكتاتور مستبد وغبى , التداعيات التى خلفها هذا المخبول الارعن دمرت مصر لعشرات بل ومئات السنيين , لماذ يذهب الى اليمن بدون دراسه ولماذا يذهب الى الكونجو ويبدد ثروات مصر على هذه المغامرات الفاشله الغير مدروسه والشعب يتضور جوعا بل وبدأ الفقراء فى عهده الاغبر السكن فى المقابر نظرا لاازمه السكن الطاحنه , الملايين والملايين التى صرفها على هذا العك الناصرى كان الشعب المصرى الفقير المعدم احق بها , سيره عبد الناصر تسبب صداع والم كبير ويأس قاتل

اخر الافلام

.. ما احتمالات استخدام الرئيس الروسي للسلاح النووي في أوكرانيا؟


.. العراق.. إجراءات أمنية مشددة وإغلاق عدد من الطرق المؤدية للم


.. بغداد.. انهيار بناية بالكرادة فيها محال تجارية وأنباء عن محا




.. جيش ??بوركينا فاسو?? يطيح بالرئيس ويحل الحكومة ويغلق الحدود


.. وسائل إعلام عراقية تتحدث عن وفاة شخصين اثنين إثر انهيار مبنى