الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحداثة

إبراهيم العثماني

2022 / 7 / 7
الادب والفن


إبراهيم العثماني (تعريب)
[هذا المقال للكاتب جون بدريار، يتتبّع فيه المراحل التّاريخيّة الّتي قطعتها الحداثة الغربيّة والخصائص الّتي ميّزت كلّ مرحلة، والإضافات الّتي اكتسبتها مع مرور الزّمن حتّى أضحت تصوّرا متكاملا يطال كلّ المجالات ويتجلّى في جميع المستويات (العلم والتّقنية/ السّياسة/ المستوى النّفسي/ مستوى الإبداع...). ولم ينس الكلام على علاقة الحداثة بمجتمعات العالم الثّالث ودور الاستعمار في تفكيك بنى المجتمعات التّقليديّة، كما تعرّض لمسائل أخرى من قبيل بلاغة الحداثة ووسائل الاتّصال والثّقافة الجماهيريّة. وهكذا يتبيّن القارئ سعي الكاتب إلى الإحاطة بجميع مقوّمات الحداثة والنّقلة النّوعيّة الّتي أحدثتها في المجتمعات الّتي تأثّرت بها. إ. ع.]

ليست الحداثة مفهوما سوسيولوجيّا ولا مفهوما سيّاسيّا ولاهي مفهوم تاريخيّ صرف. إنّها نمط حضاري متميّز يقابل النّمط التّقليدي أي مختلف الثّقافات الأخرى السّابقة أو التّقليديّة. فقد فرضت الحداثة نفسها، في وجه التّنوّع الجّغرافي والرّمزي لهذه الثّقافات، بوصفها نمطا موحّدا ومتجانسا انتشر عبر أصقاع العالم انطلاقا من الغرب. ومع ذلك ظلّت الحداثة مفهوما ملتبسا يشير بصفة عامّة إلى تطوّر تاريخيّ كامل وإلى تحوّل في العقليّات.
والحداثة، وهي بصورة مبهمة أسطورة وواقع في آن ، تتميّز في كلّ المجالات بكونها نوعا لمقولة عامّة وضرورة ثقافيّة: دولة حديثة وتقنية حديثة، وموسيقى ورسم حديثان وعادات وأفكار حديثة. والحداثة وإذ أفرزتها بعض التّحوّلات العميقة الّتي طرأت على التّنظيم الاقتصادي والاجتماعي قد تحقّقت على مستوى العادات ونمط العيش والحياة اليوميّة إلى أن استحالت صورة كاريكاتوريّة للتّحديث. وبما أنّها متحوّلة في أشكالها ومضامينها وفي الزّمان والمكان فهي ليست ثابتة ولا ذات اتّجاه واحد إلاّ باعتبارها منظومة قيم وأسطورة وانطلاقا من هذا المفهوم يجب أن نسطّرها عند كتابتها تماما كما نسطّر لفظ تقليد.
وبما أنّ الحداثة ليست مفهوما قابلا للتّحليل ولا توجد قوانين تحكمها فليس هناك، إذن، غير بعض سمات الحداثة، وليست هناك كذلك نظريّة بل هناك منطق وإيديولوجية. وبما أنّها أخلاق تناسب التّحوّل فهي تقابل الأخلاق الملائمة للتّقليد إلاّ أنّها رغم كلّ ذلك تحترس من التّغيير الجذري. إنّها "تقليد الجديد"( هارولد روزنبارغ).
وإذ اقترنت الحداثة بأزمة تاريخيّة وبنيويّة فهي ليست رغم ذلك رمزا لها، إذ هي لاتحلّل هذه الأزمة بل تترجمها بطريقة ملتبسة مفضّلة الهروب إلى الأمام باستمرار. إنّها بمثابة الفكرة الدّافعة والإيديولوجية الأساسيّة الّتي تتخطّى تناقضات التّاريخ المتجلّية في أشياء الحضارة. وقد جعلت من الأزمة قيمة وأخلاقا متناقضة. وهكذا فالحداثة باعتبارها فكرة تتعرّف فيها الحضارة على نفسها تضطلع بوظيفة التّنظيم الثّقافي ومن ثمّ تلتحق خلسة بالتّقليد.

تكوّن الحــــداثة


إنّ تاريخ الصفة"حديث" أقدم من تاريخ" الحداثة". ففي أيّ سياق ثقافي تعاقب "القديم" و"الحديث" تعاقبا ذا دلالة. ومع ذلك لا توجد بسبب هذا "حداثة" في كلّ مكان أي لاتوجد بنية تاريخية وجدل متّصل بالتّحوّل والأزمة. وهذه الأزمة لم تتجلّ سماتها إلاّ في أروبا ابتداء من القرن السّادس عشر ولم تكتمل دلالتها إلاّ انطلاقا من القرن التّاسع عشر.


النــــــــــــّهضة

تنزّل الكتبُ المدرسيّةُ أزمنة العصر الوسيط الحديثة بعد تاريخ اكتشاف كريستوف كولومب لأمريكا ( 1492). فقد دشّن اختراع المطبعة واكتشافات قاليلي المذهب الإنسانيّ الحديث للنّهضة. وستتّسع، على مستوى الفنون وبالخصوص الآداب، الخصومة بين القدامى والمحدثين لتبلغ ذروتها أثناء القرنين السّابع عشر والثّامن عشر، وستشمل الأصداء العميقة الّتي أحدثتها الحداثة كذلك المجال الدّيني وقد تمثّل ذلك في حدث الإصلاح (عرض لوثر في ويتنبرغ أطروحاته الخمس والتّسعين ضدّ الغفران يوم 31 أكتوبر1517)، وفي القطيعة الّتي دشّنها هذا الإصلاح أمام البلدان البروتستانيّة وانعكاس ذلك على العالم الكاتوليكي (مجمع ترانت 1545 – 1549، 1551 -1552 ،1562- 1563). وكانت الكنيسة الكاتوليكيّة قد أنجزت، بمعيّة رهبانيّة اليسوعيّين تحيينا عصريّا ومدنيّا ذا مهمّة تبشيريّة ولعلّ ذلك ما يفسّر أنّ مصطلح الحداثة له مفهوم أكثر شيوعا ودلالة في البلدان الّتي تمسّكت بالتّقليد الرّوماني وعاداته وتقاليده مع تجديدها تدريجيّا. وفعلا فهذا المصطلح لا يستمدّ قوّته إلاّ في البلدان ذات التّقاليد العريقة، إذ أنّ الحديث في الحداثة لا يكتسب قطّ أيّ معنى عندما يتعلّق الأمر ببلد بلا تقاليد وبلا عصر وسيط مثل الولايات المتّحدة وخلافا لذلك فإنّ للتّحديث تأثيرا قويّا جدّا في بلدان العالم الثّالث ذات الثّقافة التّقليديّة الرّاسخة.
وفي البلدان الّتي تأثّرت بالنّهضة الكاتوليكيّة فإنّ التقاء المذهب الإنسانيّ اللائكيّ والدّنيويّ مع نزعة الطّقوس الدّينيّة الأكثر مدنيّة للأشكال والعادات في العالم الكاتوليكي ينسجم مع مجمل تعقيدات الحياة الاجتماعيّة والفنيّة المترتّبة على تطوّر الحداثة أكثر ممّا ينسجم مع التّحالف الصّرف بين العقلانيّة والأخلاقويّة في الثّقافة البروتستانيّة لأنّ الحداثة ليست واقع الانقلابات التّقنية والعلميّة والسّياسيّة منذ القرن السّادس عشر فحسب بل هي كذلك تدخّل العلامات والعادات والثّقافة الّتي تمخّضت عن هذه التّحوّلات البنيويّة على مستوى الطّقوس والمظهر الاجتماعي.


القرنان السّابع عشر والثّامن عشر

أرسيت الدّعائم الفلسفيّة والسّياسيّة للحداثة خلال القرنين السّابع عشر والثّامن عشر مثل التّفكير الفرداني والعقلاني الحديث الّذي يمثّله ديكارت وفلسفة الأنوار، ومفهوم الدّولة الملكيّة الممركزة، بتقنياتها الإدارية، الّتي عقبت النّظام الإقطاعي، وأسس علم الفيزياء والطّبيعة الّتي أفرزت الآثار الأولى لتقنية تطبيقيّة (الموسوعة)، وعلى المستوى الثّقافي تُعتبر هذه الفترة فترة علمنة الفنون والعلوم علمنة تامّة. وإنّ الخصومة بين القدامى والمحدثين الّتي امتدّت على هذه المرحلة بدءا ببرولت ( مقابلة بين القدامى والمحدثين 1688) وفنتونال (مقالة حول القدامى والمحدثين 1688) والّتي أبرزت قانون تطوّرالعقل البشري وصولا إلى روسّو(مقالة حول الموسيقى العصريّة 1750) وستندال (راسين وشكسبير 1823 ) الّذي فهم "الرّومنطيقيّة" على أنّها تحديث جذريّ يتّخذ من العادات اليوميّة والقضايا المستوحاة من التّاريخ الوطني موضوعا له. هذه الخصومة حدّدت حركة مستقلّة متحرّرة من كلّ "نهضة" أو محاكاة. ولم تصبح الحداثة بعد نمط حياة ( فهذا التّعبير لم يكن موجودا آنذاك) إلاّ أنّها صارت فكرة (مقترنة بفكرة التّقدّم) ومن ثمّ اكتسبت صبغة بورجوازيّة ليبيراليّة ما انفكّت تسمها منذ ذلك الوقت بميسمها إيديولوجيّا.


الثّورة الصّناعيّة والقرن العشرون


ركّزت ثورة 1789 الدّولةَ البورجوازيّةَ الحديثة الممركزة والدّيمقراطيّة، والأمّة بنظامها الدّستوري وتنظيمها السّياسي والبيروقراطي.
وأدخل التّقدّم المتواصل للعلوم والتّقنية والتّقسيم العقلاني للعمل الصّناعي في الحياة الاجتماعيّة بعدا للتحوّل المستمرّ ولتفكّك بنية العادات والثّقافة التّقليديّة، وبالتّزامن مع ذلك ترتّبت على التّقسيم الاجتماعي للعمل انقسامات سياسيّة عميقة واتّسعت رقعة الصّراعات الاجتماعيّة والخصومات الّتي ستكون لها انعكاساتها أثناء القرنين التّاسع عشر والعشرين.
إنّ هذين المظهرين المهمّين اللّذين سينضاف إليهما النّموّ الدّيمغرافي والتّمركز العمراني والتّطوّر الهائل لوسائل الاتّصال والإخبارسيميّزان بشكل قطعي الحداثة من حيث هي ممارسة اجتماعية، ونمط عيش قائم على التّحوّل والتّجديد وكذلك على القلق والتّذبذب والتّعبئة المتواصلة والذّاتيّة المضطربة والتّوتّر والتّأزّم، ومن حيث هي تصوّر مثالي أو أسطوري. ولهذا السّبب فإنّ تاريخ ظهور اللّفظة نفسها (تيوفيل قوتياي وبودلير حوالي 1850 ) ذو دلالة: إنّها اللّحظة الّتي يفكّر فيها المجتمع الحديث في ذاته كما هو ويتأمّل ذاته بلغة الحداثة. حينئذ تصبح الحداثة قيمة متعالية ونموذجا ثقافيّا وأخلاقا وأسطورة مرجعية توجد في كلّ مكان ومن ثمّ تحجب جزئيّا البنى والتّناقضات التّاريخيّة الّتي أفرزتها.


منـــــــــطق الحـــــــــداثة
المفهوم التّقني العلمي

إنّ الازدهار المدهش الّذي شهدته ، منذ قرن بالخصوص، العلوم والتّقنية والتّطوّر العقلاني والممنهج لوسائل الإنتاج وتسييرها وتنظيمها قد وسم الحداثة بصفتها عصر الإنتاجية أي تكثيف العمل الإنساني وسيطرة الإنسان على الطّبيعة وقد وقع اختزالهما في وضع قوى منتجة وترسيمات للجدوى والمردوديّة القصوى. وهنا يكمن القاسم المشترك بين كلّ الأمم الحديثة. ولئن لم تغيّر"ثورة" قوى الإنتاج هذه الحياة إذ أبقت علاقات الإنتاج والعلاقات الاجتماعيّة ثابتة نسبيّا فإنّها على أيّة حال غيّرت ظروف العيش من جيل إلى آخر وأحدثت اليوم تحوّلا عميقا في الحداثة فانتقلت الحضارة من طور العمل والتّقدّم إلى طور الاستهلاك واللّهو. إلاّ أنّ هذا التّحوّل ليس جذريّا إذ لم يغيّر غائيّة الإنتاج ولم يبدّل تقسيم التّسلسل الزّمني للأحداث والضّغوطات المتوقّعة والإجرائيّة الّتي ظلّت العناوين الأساسيّة للأخلاقيّات الحديثة لمجتمع الإنتاج.


المفهوم السّياسي


إنّ تجريد الدّولة السّياسيّة كما هي لا ينتمي إلاّ إلى الأزمنة الحديثة لأنّ تجريد الحياة الخاصّة لا ينتمي إلاّ إلى الأزمنة الحديثة... ففي العصر الوسيط تماهت حياة الشّعب مع حياة الدّولة أي أنّ الإنسان هو المبدأ الواقعي للدّولة.. أمّا الأزمنة الحديثة فهي الثّنائيّة المجرّدة والتعارض المجرّد الواعي ...( ماركس، نقد فلسفة الدّولة عند هيقل).
إنّ التّعالي المجرّد للدّولة تحت شعار الدّستور والوضع الشّكلي للفرد تحت شعار الملكيّة الخاصّة هما اللّذان يحدّدان فعلا البنية السّياسيّة للحداثة. والعقلانيّة ( البيروقراطيّة) للدّولة وعقلانيّة النّفع والوعي الخاصّين تتجاوبان في صلب التّجريد نفسه. وهذه الثّنائيّة تسم نهاية كلّ الأجهزة السّابقة حيث كانت الحياة السّياسية تعرّف نفسها بوصفها تراتبا للعلاقات الشّخصيّة متكاملا. وما فتئت هيمنة الدّولة البيروقراطيّة تتدعّم مع تطوّرات الحداثة . وبما أنّها ارتبطت باتّساع مجال الاقتصاد السّياسي وأجهزة التّنظيم فقد وظّفت كلّ مجالات الحياة وسخّرتها لصالحها وعقلنتها على شاكلتها. وما صمد في وجهها ( الحياة العاطفيّة واللّغات والثّقافات التّقليديّة) بضراوة أحيانا يمكن تسميته مجرّد رواسب. إلاّ أنّ ما كان أحد الأبعاد الأساسيّة ( إن لم يكن البعد الأساسي) للحداثة أي الدّولة المجرّدة والممركزة ربّما صار الآن يترنّح . فالضّغط الهيمني للدّولة وطغيان البيروقراطيّة في الحياة الاجتماعيّة والفرديّة مهّدا دون أدني شكّ لأزمات كبرى في هذا المجال.


المفهوم البسيكولوجي


إنّ العصر الحديث، مقابل الإجماع السّحري والدّيني والرّمزي للمجتمع التّقليدي (العشيرة)، يتميّز بظهور الفرد بوعيه المستقلّ ونفسيّته ومشاكله الشّخصيّة ومنفعته الخاصّة بل بلاوعيه، وباغترابه الحديث وتجريده وفقدانه لهويته في العمل وفي الرّاحة، وغياب تواصله بما أنّه قد أسَرته أكثر فأكثر شبكة الاتّصالات والمنظّمات والمؤسّسات وتسعى منظومة كاملة من الشّخصنة، من خلال الأشياء والعلامات، إلى تعويضه .


الحــــــداثة والزّمـــــــــن


الزّمنيّة الحديثة متميّزة كيفما قلّبتها.
البعد الزّمني:

إنّ الزّمن الّمقيس والّذي به يقيس المرء أشغاله و يزن تقسيم العمل والحياة الاجتماعيّة، هذا الزّمن المجرّد الّذي عوّض إيقاع الأعمال والحفلات هو زمن الضّغط المنتج، فالزّمنيّة البيروقراطيّة تهيمن حتّى على الزّمن "الحرّ" والفراغ.


البعد الخطّي:

لم يعد الزّمن الحديث دوريّا. فهو يتطوّر حسب خطّ الماضي فالحاضر فالمستقبل وحسب بداية ونهاية مفترضتين. وإذا كان الزّمن في الرّؤية التّقليديّة يبدو ملتفتا إلى الماضي فإنّ الزّمن في الرّؤية الحداثيّة يتّجه نحو المستقبل، وفي الواقع الحداثة وحدها ترى زمنا ماضيا ( أي زمنا غابرا) وفي نفس الوقت زمنا مستقبلا حسب جدليّة خاصّة بها.

البعد التّاريخي:

أصبح التّاريخ، خاصّة منذ هيقل، لحظة الحداثة المهيمنة باعتبارها صيرورة المجتمع الواقعيّة وفي آن واحد مرجعا متعاليا يسمح بتحسّس اكتماله. فالحداثة تدرك نفسها تاريخيّا وليس أسطوريّا.
و الحداثة، بما أنّها قابلة للقيس، ووحيدة الاتّجاه، وبما أنّها تسلسل توقيتي أو صيرورة جدليّة، قد أفرزت على كلّ حال زمنيّة جديدة كلّ الجدّة هي بعد أساسيّ وصورة لتناقضاتها. لكن داخل هذا الزّمن غير المحدّد والّذي لايعرف خلودا هناك أمر يميّز الحداثة هو أنّها" تطمح إلى أن تكون معاصرة على الدّوام" أي تكون تزامنا كونيّا. فبعد أن فضّلت أوّلا بعدي التّقدّم والمستقبل، يبدو أنّها تمتزج اليوم، أكثر فأكثر بالحيني والمباشر واليومي أي قفا الدّيمومة التّاريخية دون قيد ولاشرط.


بــــــــــلاغة الحــــــــــــداثة
التّجـــــــــديد والطّـــــــــــليعة


إنّ الحداثة، في مجال الثّقافة والأخلاق، بتعارضها الشّكلي ولكن بصلتها الأساسيّة بالمركزة البيروقراطيّة والسّياسيّة وبإضفاء التّجانس على أشكال الحياة الاجتماعيّة، تُترجَم بتمجيد النّزعة الذّاتية العميقة والأهواء والتّفرّد والأصالة والعابر والشّديد الدّقة، وبتحطيم الأصول وانبثاق الشّخصيّة الواعية أو غير الواعية.
وقد وسم "رسّام الحياة الحديثة" لبودلير وهو عند ملتقى الرّومنطيقيّة والحداثة المعاصرة نقطة انطلاق هذا البحث عن الجديد وهذا الانسياق وراء النّزعة الذّاتيّة بقوله:" وهكذا يسير ويجري ويبحث. عمّ يبحث؟ من الثّابت أنّ هذا الرّجل كما رسمته، هذا المنعزل ذا الخيال النّشيط وهويتجوّل عبر صحراء البشر الكبرى ... يبحث عن هذا الشّيء الّذي سيُسمح لنا بتسميته الحداثة...".
وستثير الحداثة على كلّ الأصعدة جماليّة القطيعة والإبداع الذّاتي والتّجديد الموسوم في كلّ مكان بظاهرة الطّليعة السوسيولوجيّة (أكان ذلك في مجال الثّقافة أم في مجال الموضة)، وبالإيغال في تحطيم الأشكال التّقليديّة باستمرار (تجاوز الأجناس القديمة في الأدب، قواعد التّناسق في الموسيقى، وتجاوز قواعد زاوية النّظر وقواعد التّصوير "الأكاديمي" في الرّسم وبصفة عامّة تجاوز سلطة النّماذج السّابقة وشرعيّتها في مادّة الموضة والحياة الجنسيّة والسّلوك الاجتماعي).


وســـــــــائل الاتّصــال
الموضـة والثــــــــّقافة الجماهـــــيريّة


ازدهر نشاط هذه النّزعة الأساسية منذ القرن العشرين بفضل الانتشار الصّناعي لأدوات الثّقافة وانتشار الثّقافة الجماهيريّة والتّدخّل الهائل لوسائل الإعلام (الصّحافة والسّينما والمذياع والتّلفاز والإشهار). وتدعّم الطّابع العرضي للمضامين والأشكال. ولم تعد ثورات الأسلوب والموضة والكتابة والعادات تُحصى. لقد غيّرت الحداثة دلالتها وهي تتجذّر هكذا بشكل فجئي وتعيش حركية دائبة، وفقدت شيئا فشيئا كلّ قيمة جوهرية تميّز التّقدّم وكانت أساس منطلقها في البداية لتصبح جماليّة للتّغيير من أجل التّغيير. وهي تتجرّد وتستحيل بلاغة جديدة وتندرج في إطار لعبة نظام من أنظمة العلامات أو مجموعة منها وفي أقصى تقدير تلتحق هنا وبكلّ بساطة بالموضة الّتي هي، في آن واحد، نهاية الحداثة.
ولأنّ الحداثة تندرج حينئذ في [ مجال] التّحوّل الدّوري حيث تنبعث من جديد كلّ أشكال الماضي ( الأشكال العتيقة والفولكلوريّة والرّيفيّة والتّقليديّة) مجرّدة من جوهرها ولكنّها ممجّدة باعتبارها علامات ضمن مجموعة قواعد حيث يتساوى ويتعاقب التّقليد والتّجديد والقديم والحديث فهي لم تعد رمزا للقطيعة بل صارت تتغذّى من رواسب جميع الثّقافات كما تتغذّى في نفس الوقت من أجهزتها التّقنية أو من الالتباس الّذي يلفّ كلّ القيم.


التّقـــــــــليد والحــــــــداثة
في مجتمــــعات العــــــالم الثّـــــالث
التّفــــــــــكّك والتّــــــــــــحوّل


تتجلّى السّمات المميّزة للحداثة وأصولها وإشكالياّتها وتناقضاتها بكلّ وضوح كلّما كان مفعولها التّاريخي والسّياسي أكثر عنفا أي في المجتمعات القبليّة أو التّقليديّة الخاضعة للاستعمار. فقد رأى أبترفي الاستعمار"قوّة تحديثيّة" و"نموذجا استحال التّحديث، بواسطته، ظاهرة كونيّة".
لقد تمّ تفكيك أجهزة التّبادل القديمة مع ظهور العملة واقتصاد السّوق. وامّحت الأجهزة التّقليديّة للسّلطة تحت ضغط الإدارات الاستعماريّة أو البيروقراطيّات الأهليّة الجديدة.
لكن، في ظلّ غياب ثورة سياسيّة وصناعيّة جذريّة، كانت الجوانب الأكثر تقنية والأكثر قابليّة للتّصدير هي الّتي أثّرت في المجتمعات السّائرة في طريق النّموّ كالمنتجات وموادّ الاستهلاك ووسائل الإعلام. وهكذا غزت الحداثة في جانبها التّقني هذه المجتمعات وبقيت عند أبنائها فرجة وليس بحسب المسار الطّويل للعقلانية الاقتصاديّة والسّياسية الّذي قطعه الغرب فيما مضى. ومع ذلك فإنّ مضاعفات الحداثة لها وحدها صدى سياسي، فهي تسارع إلى تفكيك نمط العيش وتعجّل بمطالب التّغيير الاجتماعيّة .


المــــــــــقاومة والدّمج


ولئن بدت الحداثة إذن، في مرحلة أولى، وكأنّها قطيعة فإنّ التّحليل الأكثر دقّة والّذي افتتحته الأنتروبولوجية السّياسيّة منذ الحرب العالمية الثانية (بلاندياي وليش وأبتر وألطاب) يبرز أنّ المسائل أكثر تعقيدا. فالنّظام التّقليدي (القبلي والعشائري والعائلي) يعارض التّحوّل معارضة شرسة بينما تعقد الأطر الحديثة ( الإداريّة والأخلاقيّة والدّينيّة) مع التّقليد اتفاقات غريبة. وقد اعتادت الحداثة أن تقطع مرحلة هي إحياء التّقليد دون أن يكتسب هذا التّقليد، رغم ذلك، معنى محافظا. فقد وصف فافري كيف أنّ فلاّحي الأوراس يفعّلون آليات سياسيّة تقليديّة استجابة لمطلب التّقدّم للاحتجاج على الانتشار المفرط في البطء للآلات ومظاهر الحداثة في منطقتهم.
وهذا أمرمهمّ جدّا: فميدان الأنتروبولوجيا يثبت بوضوح أكثر من التّاريخ الأروبي أنّ حقيقة الحداثة تتمثّل في أنّها لم تكن قطّ تغييّرا جذريّا أو ثورة لكنّها أقامت علاقة مع التّقليد في إطار لعبة ثقافية دقيقة، في جدل يلتقي فيه الإثنان، وفي مسار يلتحم فيه الدّمج بالتّكيّفّ. إنّ جدليّة القطيعة تترك هنا مكانها فسيحا لحركيّة الدّمج.



الإيدــــــــــيولوجيّــــات بوصــــــفها
علامــــــة الحـــــــــــــــداثة


أظهر تحليل المجتمعات المستقلّة تعبيرا آخر خاصّا بالحداثة هو الإيديولوجيا. فالإيديولوجيّات (القومية والثّقافيّة والسّياسية) معاصرة لتفكّك النّظام القبلي والتّحديث، وبما أنّها وافدة من الغرب ومصطبغة بشعائر ومعتقدات تقليديّة فإنّها مثّلت، وهي في هذا ليست أقلّ من البنى التّحتيّة الاقتصاديّة، مجالا للتّحوّل والصّراع وانقلاب القيم والعقليّات. وعلى الأصحّ فالأمر يتعلّق كذلك ببلاغة الحداثة الّتي تتخبّط في وضع كثير الالتباس في المجتمعات فتعوّض فيها التّخلّف الحقيقي وغياب النّموّ.
إنّ مثل هذه الملاحظات بوسعها أن تساعد نا على تحديد تناقضات الحداثة. فبما أنّها تفكّك وتحوّل، وبما أنّها أيضا لَبس وتسوية ودمج فهي متناقضة وليست جدليّة. ولئن كانت الإيديولوجية مفهوما "حداثيّا" صرفا والإيديولوجيّات ترجمة للحداثة فإنّ الحداثة نفسها ليست دون أدنى شكّ إلاّ مسارا إيديولوجيّا رحبا.


إيديولوجيـــــــــّة الحـــــــــداثة
نزعـــة محافــــــــــظة بواســطة التّغــــــــيير


وهكذا تتجلّى حركيّة الحداثة، في الغرب كما في بلدان العالم الثّالث، في نفس الوقت، كمجال لظهور عوامل القطيعة وحل توفيقيّ لعوامل النّظام والتّقليد. و الحركيّة الّتي تسبّبها على جميع الأصعدة ( الاجتماعية والمهنيّة والجغرافية، والمتعلّقة بالزّواج والموضة والحريّة الجنسيّة) لا تحدّد إلاّ جانبا من التّحوّل الّذي يسمح به الجهاز دون أن يلحقه تغيّر شامل. يقول بلنداي بشأن بلدان إفريقيا السّوداء:"إنّ المواجهات السّياسيّة يترجمها، إلى حدّ كبير وليس حصريّا، جدل التّقليد والحديث، ويبدو الحديث بالخصوص وكأنّه وسيلتها وليس سببها الرّئيسي". وهكذا نستطيع أن نقول إنّ الحداثة، في البلدان المتقدّمة، ليست هي الّتي تعيد رسم البنية ولا التّاريخ الاجتماعي بل هي بالأحرى ( في صراعها مع التّقليد) المجال الّذي تتلامس فيه البنية والتّاريخ ليتمّ حجبهما هناك، والمجال الّذي تتلاشى فيه جدليّة المعنى الاجتماعي في رمز الحداثة البلاغي والأسطوري .



لَــــــــــــبس مذهـــــــــــل


إنّ التّحوّلات الّتي طرأت على البنى السّياسيّة والاقتصاديّة والتكنولوجيّة والبسيكولوجيّة هي العوامل التّاريخيّة الموضوعيّة للحداثة. وهي لا تمثّل في حدّ ذاتها الحداثة الّتي قد تُعرّف نفسها، بالأحرى، بأنّها نفي لهذه التحوّلات البنيويّة أو على الأقلّ إعادة تأويلها بأسلوب النّمط الثّقافي والعقليّة ونمط العيش والحياة اليوميّة.
ليست الحداثة الثّورة التّقنية والعلميّة بل هي لعبة هذه الثّورة ونتاجها في مشهد الحياة الخاصّة والاجتماعيّة، وفي البعد اليومي لوسائل الاتّصال والأجهزة والرّفاه العائلي أو غزو الفضاء. وليس العلم ولا التّقنية ب"حداثيين" في حدّ ذاتهما وإنّما آثار العلم والتّقنية هي الحداثيّة. والحداثة، وهي ترتكز على الانبثاق التّاريخي للعلم، لا تعيش إلاّ عند مستوى أسطورة العلم.
ليست الحداثة عقلانيّة الوعي الفردي ولا استقلاليّته، ذلك الوعي الّذي كان مع ذلك أساسها. إنّها، بعد مرحلة الحلول المظفّرللحرّيات والحقوق الفرديّة، التّمجيد التّفاعلي لذاتيّة يهدّدها من كلّ حدب وصوب تجانس الحياة الاجتماعيّة، وهي إعادة تهيئة هذه الذّاتيّة الّتي ضاعت في ظلّ نظام "الشّخصنة"وآثار الموضة والطّموح الموجّه.
ليست الحداثة جدليّة التّاريخ. فهي سرد الوقائع الحدثيّة واللّعبة الدّائمة لأحداث السّاعة وكونيّة الأحداث التّافهة بواسطة وسائل الإعلام.
وهي ليست تحويل كلّ القيم بل هي تفكيك كلّ القيم التّقليديّة دون أن تتجاوزها، و التباس كلّ القيم تحت شعار الدّمج المعمّم. ولم يعد هناك لا خير ولا شرّ ومع ذلك فلسنا "فوق الخير والشّرّ"( نقد الحداثة عند نيتشه).
ليست الحداثة الثّورة رغم أنّها تتمحور حول الثّورات ( الثّورة الصّناعية والسّياسيّة، ثورة الإعلام وثورة الرّفاه...إلخ). فهي،كما قال لوفابر" ظلّ الثّورة الفاشلة وصورتها السّاخرة"(مدخل إلى الحداثة) "وداخل واقع مخالف للمنطق لم يستردّ بعد وضعه الطّبيعي تضطلع الحداثة بمهام الثّورة أي تجاوز الفن والأخلاق والإيديولوجيّات.."وبوسعنا أن نضيف إلى ذلك الحركيّة والوفرة والتّحرّر بشتّى ألوانه، ولكنّها تقوم بذلك على شاكلة ثورة للأشكال دائمة في لعبة التّحوّل وأخيرا في دورة تنغلق فيها من جديد الثّغرة الّتي انفتحت في عالم التّقليد.

ثقــــــــــــافة للـــــــــــيومي


كان التّقليد يعيش على الاستمراريّة والتّعالي الواقعي. وما إن افتتحت الحداثة طور القطيعة والتّقطّع حتّى انغلقت من جديد على دورة جديدة. لقد فقدت الاندفاع الإيديولوجي المتّصل بالعقل والتّقدّم والتقت تدريجيّا لعبة التّحوّل الشّكليّة، وحتّى أساطيرها ارتدّت عليها(أضحت أسطورة التكنولوجية المظفّرة فيما مضى محمّلة بالمخاطر اليوم). والمثل العليا والقيم الإنسانيّة الّتي منحتها لنفسها انفلتت منها. فهي تتميّز أكثر فأكثر بالتّعالي المجرّد لكلّ السّلط. وفي ظلّ الحداثة أضحت الحرّية شكليّة وأصبح الشّعب كتلة والثّقافة موضة. لقد استحالت الحداثة شيئا فشيئا فعاليّة لتحقيق الرّفاه بعد أن كانت ديناميكيّة لتحقيق التّقدّم، وشملت أسطورتها التّجريد المتزايد للحياة السيّاسيّة والاجتماعيّة الّتي اُختزلت الحداثة في ظلّها تقريبا في حدود ثقافة اليومي.

أخذ هذا النّصّ من "الموسوعة الكونيّة"/ المجلّد 15/ باريس 1996 ص ص552/554
Baudrillard, Jean, Modernité, Encyclopaedia universalis-corpus 15 paris 1966, p.552-554.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طالبان تعيد السماح بفتح دور السينما لعرض الانتاج المحلي


.. ستايل توك مع شيرين حمدي - شوفوا الستايلست سعيد رمزي غير لوك


.. ستايل توك مع شيرين حمدي - تعالوا نشوف توقعات سعيد رمزي للسجا




.. الأبطال | الرواية الكاملة للتحرر من سجن جلبوع - الحلقة الأول


.. مهرجان الفيلم بطنجة يكرم الراحل نور الدين الصايل أحد رواد ال