الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفرق شاسع، بين النقد البنّاء وبين جَلْد الذات

جميلة شحادة

2022 / 7 / 21
الصحافة والاعلام


تساءل الكاتب والصحفي الفلسطيني، الدكتور أكرم عطا الله في مقالةٍ نُشرت له في جريدة نيويورك تايمز في شهر يناير من عام 2017؛ "ماذا لو كل العرب اختفوا جميعا"؟ وماذا لو أفاق العالم فجأة واكتشف أننا لم نعُد موجودين؟
ولم يكتفِ الدكتور عطا الله بأن يتساءل فقط؛ بل راح أيضا يعطي الإجابات عن تساؤلاته مُطَعِّما إياها بالأمثلة ليزيدَ من قناعاتنا، نحن العرب، بأَن وجودنا؛ عدمٌ في هذا العالم. حيث جزم، بأن العالم لن يخشى خسارة أي شيء إذا ما اختفى العرب؛ فلن ينقطع الإنترنت، ولن تتوقف الأقمار الصناعية، ولا مصانع السيارات ... كما أنه لن يتوقف أي شيء في حياة المواطن الياباني، ولن يفتقد المواطن الأوروبي أي شيء، ولن يخشى الماليزي أو التركي أو الأميركي مِن أن تعطل حياته اليومية؛ فليس لنا نحن العرب أي دور في الإنتاج الحضاري، ولا المعرفي، ولا العلمي، ولا الصناعي، ولا الإنتاج المادي ولا الاكتشافات أو الاختراعات، على حد تعبير كاتب المقال. والآن؛ وحتى إن وافقنا على بعض ما جاء في المقال من ذكرٍ لبعض عيوب العرب، ألا يحِق لنا أن نسأل دكتورنا الفاضل، لماذا هذا الجزم في الطرح؟ ولماذا هذا التعميم في الحكم؟ ولماذا كل هذا الجلد للذات؟
يتضح لقارئ هذه المقالة بعين ناقدة، بأنها مقالة كشفت في معظم ما جاء فيها عن عملية جلد للذات. ومعروف؛ أن عملية جلد الذات الناجمة في بعض الأحيان عن الشعور بالذنب؛ هي عملية هدّامة لا تؤدي عادة الى النتائج المرجوَّة منها. بل على العكس تماما، قد تؤدي الى عدم الثقة بالذات، والى كرهها ونبذها وإنكارها، وبالتالي الى فشلها أو حتى تحطيمها؛ ولا أظن أن أحدًا منا يرغب بذلك. إذن؛ لعله من الأجدر والأنفع لنا، أن نتَّبع أسلوب التقييم بهدف التقويم، لا جلد الذات الذي لا طائل منه ولا منفعة، ويكون ذلك عن طريق النقد البناء. فالنقد البنّاء هو عملية ضرورية، بواسطتها نستطيع أن نكشف عن مواطن ضعفنا وعن مكامن قوتنا، ومن ثمة تُبنى الخطط وتوضع الإستراتيجيات للتغيير نحو الأفضل؛ وهذا بالطبع إذا توفر المناخ الذي يتيح حرية الرأي وحرية التعبير.
لا أحد منا ينكر أن الدول العربية اليوم متخلفة علميا وتكنولوجيا عن الدول الأوروبية وأمريكا واليابان وغيرها من الدول الصناعية؛ ويعود ذلك للعديد من الأسباب لا مجال لذكرها هنا؛ كما أنه لن يُجدينا نفعا كنس قمامتنا ووضعها تحت السجادة؛ لكن في نفس الوقت، يجب أن لا نتجاهل أمورا ايجابية يمتلكها العرب؛ والحديث هنا عن الحاضر وليس عن الماضي، حتى لا يُفهم بأننا نُجيد التغنّي في الماضي والبكاء على الأطلال فقط، كما يحلو للبعض أن يصفنا. إن العرب يملكون الطاقات، وبالطبع هم لا يفتقرون الى الأدمغة الفذة والعقول النيِّرة والذكاء الحاد؛ ودليل على ذلك تفوُّق أبنائنا العرب في مجال العلوم والتكنولوجيا والطب والإقتصاد... عندما يجود عليهم حظهم بفرصة التعليم والعمل في بلاد الإغتراب؛ كأمريكا أو إحدى الدول الأوروبية؛ بل نجد أيضا في الدول العربية ناجحين ومبدعين في العديد من المجالات: مجال الصحافة، والأدب، والفن... وليس صحيحا أن العرب لم ينتجوا سوى الكلام والأغاني الوطنية الكاذبة والهابطة فقط، كما جاء في مقالة الدكتور عطاالله؛ بل قدَّموا فناً راقيا، وأدبا جيدا، وفِكرا لا يُستهان به؛ وهذا ليس عيبا لنعيب العرب عليه وندَّعي بأن العرب لم يقدموا أي خدمة للعالم سوى الكلام... كما جاء في المقال.
أما عن الخدمة الأخرى التي قدمها العرب للعالم، وهي صور القتل في الصحف ونشرات الأخبار كما كتب الدكتور عطاالله في مقاله؛ فلا بد أن الكثيرين يعرفون أن هذه الخدمة، هي مدفوعة الأجر على يدي تلك الدول، والتي نسميها "بالعظمى"؛ حيث دفعت هذه الدول ثمن هذه الخدمة سلاحًا فتاكا قتل به العرب بعضهم البعض لصالح غيرهم. وهنا، لا حاجة لأي عربي لأن يقف على مسافة في أية عاصمة غربية خارج وطنه، كما أوصى كاتب المقال، ليراقب خيط الدم من ليبيا حتى العراق مروراً بمصر وسورية واليمن والصومال وما بينهما، لأن العرب يعيشون مأساتهم الدامية كل لحظة، ويموتون هربا من شبحها كل يوم عبر الهجرات غير الشرعية. كما وتجدر الإشارة، الى أن صور القتل والدماء هذه، ليست مقتصرة على العرب وبلادهم فحسب، إذ علَّمنا التاريخُ دروسا كثيرة عن أوروبا الدامية ومجازرها في حق الإنسانية.
وأخيرا وليس آخرا، ليس خفيا على أحد بأننا، نحن العرب، نعيش اليوم الحروبات القاسية، والانقسامات اللعينة، وأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية صعبة، وأن حجم العقبات التي تعترض طريق الإنسان العربي كبير وكبير جدا، الأمر الذي حال بينه وبين تحقيق أحلامه وطموحاته.
إذن إذا أراد أحدُ، أي أحد، أن يلوم على العرب حالهم، فلْيَلُم حكامهم ولينتقد أنظمة الحكم في بلادهم، ويعيب على هذه الأنظمة ومَن يتربع على عرشها تحالفهم مع مصالح غير مصالح العرب وبلادهم.

****************************
نشرت هذه المقالة على صفحة الكاتبة، في شهر يناير من العام 2017








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تركيا.. لقاء مع شاب سعودي نجا من انهيار مبنى في أضنة كان يسك


.. تشققات أرضية عميقة في مدينة غازي عنتاب التركية




.. مستشفى الهلال يدشن فرعه السادس في سوق واقف


.. من ضخامتها ابتلعت السيارات..تشققات تسبب فيها الزلزال في طريق




.. الحكومة السورية تطلب المساعدة من الاتحاد الأوروبي بعد الزلزا