الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كراج ساحة سعد

عبد الرؤوف الشريفي
كاتب.

(Abdul Rauf Al-shuraifi)

2022 / 8 / 6
سيرة ذاتية


الكراج برزخ بين مثواك ومرتحلك، نقطة عائمة بين دفء اقامتك الاسرية الآمنة(على افتراض) وبين العالم الخارجي المفتوح على كل الاحتمالات. وحياتنا فاصلة زمنية بين كراجين . نقضيها بالنظر عبر الزجاج، نشرب البراري، نعد الاعمدة لا تحط عليها الطيور والجسور التي لا تصل بين عالمين. ونغفوا في قلق نسبي. ونبصر كل الدلالات المهمة، وكلها لا معنى لها.
وفي تلك الفاصلة المستقطعة نمارس فريضة الاسترجاع. فنعيد صناعة النهارات السابقة، والحوادث التي انتهت خلاف المشيئة, نسقط ثانية في هاوية الذكرى وخيبة التجربة, وننجب كثيرا من الافكار النيئة. وقد نكتشف قطرة حياة في غيمة عابرة. ولكننا لا ننتظر الا الكراج التالي.
ويكتسب الكراج عادة صفات اهله, فيعكس مزاج المناطق التي يمر بها وينتهي اليها, ولو كانت مجرد سيارتين تقف جانب الشارع وينادون زبير زبير. فهل يستوي كراج التنومة الذاهب الى ما تبقى من انهار وجذوع وأنصاف نخيل وترع وخضرة تكسوها طيبة، بكراج القبلة او الحيانية.
ستدرك ذلك كله في وجه السائق وطريقة لفه للكوفية, او وضع (الحدرية) البيضاء, في الصور المعلقة امامه في السيارة، وطريقة النداء. في خطوط وجوه الركاب ودرجات السمرة والبياض، اسمائهم، ولهجتهم، وتكرار المفردات المحلية، واصابع تحرشهم. والتاريخ الذي ينبت تحت جلودهم.
وكذلك الامر في المدن الكبيرة. ففي التسعينات, قال لي صديق يعمل نائب ضابط في القوة الجوية حكاية اذكرها كشاهد حي على القول السابق. ان في كراج النهضة النازل للجنوب يصعد متسول الى الحافلة. فيعود بما تمطره ايديهم من تعاطف و ندى. لكنه في كراج العلاوي ينال رفسة الى خارج الحافلة.
ما يهمنا ان الكراج هو نخيل الحكايات المنسية والمقطوعة وجداول الذكريات. فقبل ايام كنت اروم الذهاب الى بغداد في مهمة عاجلة, فاستقبلني السواق في الجزرة الوسطية المقابلة لكراج البصرة الرئيسي في ساحة سعد. وهم عادة يأكلون الوجه. يتشبثون بساعد كل قادم من الجهات الثلاث. وهم ينادون بحرارة: بغداد, نجف, ناصرية بالكيا. (حجي نفر واحد عمارة بالتاكسي. يالله توكل) مع أن السيارة فارغة. وحين يكتمل العدد, ينبهك اكثر الركاب ايمانا او خوفا (الفاتحة لام البنين رحم الله والديكم تسهيل امر ) وكأنك ما ان تغادر الكراج حتى تدخل دائرة الخطر والحذر.
نظرت الى بوابة الكراج الكبيرة الجديدة فأحسست بيد الغربة تمسك بيدي. تمسح على وجهي. انه اكثر غربة مثلي. ستقرأها في وجه رجل الجباية شبه الالي، وفي حديد البوابة، وفي السقائف مرتبة طويلة. ولكل محافظة سقيفة وسيارات وحكايات. فتبدو كأنك في كل المحافظات.
ترى الاغتراب في الأشجار المهملة الزائدة عن الحاجة, والشعارات الغابرة على الحيطان , وفي تعجل الجميع للمغادرة، في المحلات المسافرة مثلك كأنها ليست مقيمة على ارضها, في مزاح السواق وهم يبتكرون توصيفات جديدة ويتضاحكون للشتائم بينهم. فهل انت في حلم طويل لن ينقضي حتى تجد السيارة الملائمة للسفر.
لكن الكراج في غربته القاسية مثل شرفة تطل الى الامس. فتنثار الصور في خيالي من خلال الضباب بالأسود والأبيض الشاحب بالحزن والحنين. فالتفت الى اليمين ارى جنودا في في حرب الثمانيات يفطرون عند رصيف الشارع المواجه للكراج, فشة او شوربة طيبة لرخصها من عربة ألوانها براقة. او قيمرا عند بائعة القيمر الحميراء المكتنزة, تجامل للكسب, أو من يروق لها. فيشربون اكثر من استكان للشاي لقاء ضحكة من شفايف بلون برونز الديرم. ثم يمضون مع سيكارة سومر اسود سن طويل الى موتهم المحتمل او ذل الواجبات.
ابصر امامي مفرزة الانضباط العسكري ، تجثم في مدخل الكراج. ومطلوب منها ان يكتظ القفص بالقضبان المتقاربة. يطل منها وجوه الجنود سيئي الحظ الخائبين. اعينهم تتفحص المارين لعل احدآ يتعرف اليهم.
ثم تمرق امامي جعجعة الايفا ترتج وهي مولية الى الفاو, عبادان, نهر جاسم, السودة والبيضة. الجنود يعتلون اليطقات على ظهرها مرغمين على الاستشهاد في الخنادق الوسخة. وأصوات القصف البعيد ينبأ عن نزف مستمر في شرايين الأرواح. ان للقذائف صوت الموت.
وحين يرون طالبات كليات باب الزبير وهن بصحبة الطلاب السنافر، يصرخون أهذا موعد ملائم للشهادة أيها الوطن المسخّم, الا يكفي ستة آلاف سنة من القتل والقتال والغزو والإذلال! ستمتد معارك الفاو لأسابيع، يجزر فيها الف اضحية يوميا. وانت تحزن لأغنية سالمين وسالم وطنا بيكم. فأتصور جارنا الشاب القوي البنية وهو ينزف حتى الموت في احد الهجومات. وكانت رغبته ان يحصل على نوط شجاعة!
ابصر في وسط الكراج سيلا متدافعا من الجنود والمدنيين يجري الى طرفه خلف المنشاة 44 راكب والأجساد تجهش بتعرّق الخاكي, تتقافز الحقائب الخالية او المنتفخة بالدجاجة المقلية الملفوفة بجريدة القادسية أو ألف باء, او كيلو كعك أبو السمسم.
وحين يتزاحم الجميع عند باب الحافلة الموصد. يحجز السائق المقعد الخلفي بأريحية مفرطة للعوائل! وما ان يفتحه تبدا الخصومات حول حجز المقاعد. ثم تنطلق اغنية الاطلال في مسجل السيارة مجرد ان تتحرك إطارات الحافلة او سيارة الريم, ثم يعقبها سعدي الحلي متغزلا بحبيبه الذكر.
اما انا فقد اختبأت طوال الحرب خلف جدار الجامعة، فنجوت, لكني كنت ادمن الذهاب الى الكراج كل شهر مسافرا الى باب الطوب في الموصل عبر 12 ساعة من ليل بعضه نوم متقطع. وجله تململ وهناك في الجامعة سأنسى كل الكراجات المغتربة والحزينة والدافئة لثلاثين نهار بمناخ البحر المتوسط.
والان اقف قبالة الكراج متسائلا هل انقذني مناخ المتوسط ..ها قد مضت عقود مذ غادرت الجامعة في انتظار مزيد من الملل في الكراجات. فهل كان ذلك كله حلما نائيا في صفحة الزمان, يندفع بقوة وقسوة صوب النسيان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. أجراس كنيسة الساعة تدق مجددا • فرانس 24 / FRANCE 24


.. روسيا تعلن عن نشر أنظمة دفاع صاروخية في المنطقة المتنازع علي




.. الرئيس الأوكراني يزور قواته على خط المواجهة في دونباس لأول م


.. الاتجاه المعاكس- العملية العسكرية التركية في الشمال السوري..




.. -عرضة خليجية- احتفالا بفوز منتخب المغرب