الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الانقطاع والاستمرارية فى السياسة والاقتصاد المصرى

أحمد فاروق عباس

2022 / 8 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


هناك شئ ملاحظ فى التجربة المصرية منذ فترة طويلة ، وهى أنه كُتب على مصر أن تبدأ من جديد فى الإقتصاد أو فى السياسة كل عدة عقود ، وبينما تعرف دول العالم المتقدم الإستمرارية فى تجربتها والبناء عليها ، عرفت مصر كل فترة الانقطاع عما سبق والبدء كل مرة من جديد !!

بدأت مصر عصرها الحديث مع محمد على ، وحدثت بها نهضة كبرى سرعان ما التفت الغرب إليها وضربها بشدة ، وهزم محمد على أمام جيوش الغرب وفرضت عليه إتفاقية لندن عام ١٩٤٠ ،وتلاشى أثر تجربة محمد على إلى درجة تفكيك المصانع التى تم بناؤها ، وتسريح الجيش ، وحدث الانقطاع الأول في التجربة المصرية ..

حدثت استفاقة بسيطة في عهد إسماعيل ، الذى حاول بعث شئ من ماضى جده العظيم ، ولكن أخطاء اسماعيل تركت للغرب فرصة ثانية لضرب التجربة المصرية ، بسلاح الديون هذه المرة ..
وحدث الانقطاع الثانى فى التجربة المصرية الحديثة ..

دخلت الجيوش البريطانية مصر فى صيف ١٨٨٢ ، وفرضت عليها نمطاً معيناً فى الإنتاج ، يهتم بالزراعة ولا يقترب من الصناعة ، ونمط تعليم همه إخراج موظفين لدواوين الحكومة وليس تخريج مهندسين أو علماء أو فنيين ، وعاشت مصر بهذا النمط فى الإنتاج حتى نهاية الربع الأول من القرن ٢٠ ..

ومع ثورة ١٩١٩ وإعادة بعث الوطنية المصرية فى السياسة والإقتصاد حدثت الصحوة الجديدة ، وعرفت مصر الحياة البرلمانية مع دستور ١٩٢٣ كما عرفت بدايات الصناعة الوطنية مع تجربة طلعت حرب ، وبعد ثلاث عقود كانت القوة الدافعة التى نشأت عن ثورة ١٩١٩ قد استهلكت ، وعمل ثلاثى القصر والاحتلال وأحزاب الأقلية إلى وصول مصر إلي طريق شبه مسدود ، وكان أن قامت ثورة ١٩٥٢ .. وحدث الانقطاع الثالث ، وكان على مصر أن تبدأ تجربة جديدة فى الإقتصاد وفى السياسة ..

ومع جمال عبد الناصر عرفت مصر تجربة التنظيم السياسى الواحد فى السياسة ، والتخطيط والبناء الاشتراكي فى الإقتصاد ، ومن الواجب القول أن ما فعلته مصر أيامها كان هو صيحة العصر ، فأكثر من نصف العالم كان اشتراكى التوجه وأغلبه كان يعرف تجربة الحزب الواحد ، وما زالت أكبر دول العالم تتبع هذا النموذج حتى الآن ( الصين ) ..

حاول الغرب ضرب التجربة المصرية الجديدة بعدة وسائل ، بدءا بالحصار الاقتصادى ( وقف المعونة الأمريكية من القمح ) ثم استخدام الإخوان المسلمين عام ١٩٦٥ وعندما فشلت تلك الوسائل كانت إسرائيل جاهزة لتنفيذ المطلوب ، وقامت حرب ٦٧ وانتهت ، وانتهى معها عمليا التجرية الناصرية ، وإن إنتهت فعليا عام ٧٠ بوفاة عبد الناصر ..
وحدث الانقطاع الرابع في التجربة المصرية ..

ومع السادات جربت مصر طريقاً أخر ، فتركت التحربة الاشتراكية ورجعت إلى الرأسمالية مع الانفتاح الاقتصادي عام ١٩٧٤ ، ورجعت إلى نظام تعدد الأحزاب بعد تجربة الحزب الواحد ..
واستمر الأمر أربعة عقود ، ومع عام ٢٠١١ إنتهت تلك الحقبة ،
وكان على مصر أن تبدأ من جديد مع ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ ..

جاء الإخوان المسلمين إلى السلطة فى مصر عام ٢٠١٢ وعلى الرغم من أنهم تنظيم قديم في السياسة المصرية ، إلا أن تجربتهم في السلطة شابها فراغ كبير ، فلم يكن لديهم الكوادر الفنية أو الإدارية أو العلمية لفعل شئ ، لقد ظلوا ٨٠ سنة يجرون وراء السلطة ، وعندما جاءتهم أصابهم الذهول ، وقدموا بعض الأفكار والمشروعات غير الناضجة كمشروع النهضة !!

ولكن كان خطر الإخوان أكبر بكثير من افتقادهم إلى الخبرة أو العلم أو الاستعداد ، فكل ذلك كانت مصر مستعدة للصبر عليه حتى يستكملون استعدادهم ، ولكن مثَّل الإخوان خطراً من نوع آخر ، وواجهوا مصر بما لم تكن تستطيع الصبر عليه ، وهو الآتى :
١ - خطر وجود دولة دينية في مصر ، يحتكر سلطة الحكم فيها من يعتقد أن لديه تفويض الهى بالتصرف كما يرى ، وكان الإخوان وحلفاؤهم من التنظيمات الإسلامية دائموا الكلام عن أن الإسلام هو الحل ( مع أن الأغلبية العظمى من المصريين مسلمون ) وعن المشروع الإسلامى ، وعن اعداؤهم من الليبراليين والعلمانيين ( وكل خصومهم يضعونونهم تحت هذا المسمى طبعا ) ولم يعد الأمر تنافس سياسي بين أحزاب ، بل صراع دينى بين الطائفة الناجية وبين أعداء الإسلام ، وهو نوع غريب وعجيب في ممارسة السياسة لم تعرفه أمة أخري من الأمم ..

٢ - إيمان الإخوان بالاممية الإسلامية ، وعدم إيمانهم بالوطنية المصرية ، وهى الأساس الذي قامت عليه الدولة الحديثة في مصر ، حيث عاشت مصر لقرون وهى جزء من شئ آخر كالدولة المملوكية أو العثمانية أو العباسية ... إلخ .

وكان مسعى الإخوان إلى تغيير عقيدة الحكم فى مصر من الوطنية المصرية إلى الأممية الإسلامية يقتضى تغيير كل شئ فى مصر ، من تغيير العقيدة القتالية للجيش المصري ( الذي حاول الإخوان إرساله للحرب فى سوريا ، ضد منطق التاريخ وكل منطق ، حيث يحارب الجيش المصري الجيش السوري !!) إلى تغيير روح مصر ذاتها ..

٣ - وجود تنظيم مسلح لدى الإخوان ، وهو تحت الطلب لاستخدام العنف في اللحظة التي يقرر فيها قادته ذلك ، ولولا علمهم بقوة الجيش المصري وعدم توفر الظروف الملائمة - وأهمها السلاح الثقيل - لحَّول الإخوان مصر كسوريا أو ليبيا المجاورة !! وإن حاول الإخوان ذلك بعض الوقت بتفجير مديريات الأمن والمحاكم ، وتفجير أبراج الكهرباء والقتل ، وقد طالت محاولاتهم تلك النائب العام للبلاد ، وكادت أن تصل إلى وزير الداخلية وربما من هو أكبر ، وتقدمت تنظيمات تابعة لهم مثل حسم ولواء الثورة والعقاب الثورى بعمليات إرهاب فى طول البلاد وعرضها !!

إنتهت تجربة الإخوان وتركت أثرها السئ على مصر ، ومازلت ذيولها تحاول العبث كلما وجدت الفرصة متاحة ..

وكان على مصر أن تبدأ تجربة جديدة عام ٢٠١٤ مع عبد الفتاح السيسي ..
جاء السيسى من خارج السياق المتوقع ، فلم يكن معه حزب سياسي يعمل كمستودع للخبرة السياسية والاقتصادية ( على الرغم من أن تجربة مصر مع الأحزاب لم تكن مشجعة ، وعلى الرغم من أن السيسي يبدو مقتنعا أن الحزب السياسى فى ظروف مصر عبء على صاحبه أكثر منه عونا له ) ويردم الفجوات التى تحدث على الطريق ، كما لم تتوفر للرئيس السيسي أى تدريب سياسي أو اقتصادى يسعف ، بل وضعت كرة النار المصرية على حجرة فى ظروف كان وجود الدولة المصرية ذاته - ولأول مرة في تاريخها - محل تساؤل ..

استجاب الرجل لسؤال اللحظة ، وتقدم وانقذ مصر من جحيم الربيع العربي ، الذى ضربت رياحه المسمومة اقطار غالية ..

ولكن بعد قليل ، وبعد ابتعاد الخطر نسبياً كان الموعد مع مشكلات مصر الاقتصادية المتراكمة من كل العصور السابقة ، وما استجد من مشكلات بسبب عمليات الإرهاب وتوقف السياحة وابتعاد الاستثمارات مع ظروف مصر غير المستقرة ..
ما يهم أن مصر تبدأ من جديد مرة أخرى ، مع تغيير فى النظام السياسى وفى الاولويات الاقتصادية فى كل مرة ، وهو ما يلغى أثر التراكم في التجربة المصرية ، فى الإقتصاد والسياسة ، ويجعل القانون الحاكم في الحالة المصرية هو قانون الانقطاع ، والبدايات الجديدة وليس قانون الإستمرارية والتراكم ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. الأراضي الزراعية تتآكل بسبب التوسع العمراني • فرانس


.. الإيطاليون يختارون التحالف اليميني في الانتخابات التشريعية


.. كلمة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل غروسي أمام ال




.. شاهد| مرابطون يكبرون في باحات الأقصى تزامنا مع اقتحام المستو


.. بلينكن: نبهنا روسيا إلى أن أي استخدام للأسلحة النووية ستكون