الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رأس جبل الجليد الهائل !.................(1)

عارف معروف

2022 / 8 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


ليست قضية " العفد " اللصوصي ، المافيوي ، الوهمي التي تسربت الى مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الاعلام وسُلطت عليها الاضواء هذه الايّام ، في الواقع ،الاّ الجزء الصغير الذي يظهر ويختفي ، عند كل تسريب او فضيحة من جبل جليد كارثي هو واقع الفساد والنهب للمال العام في العراق ، الذي لن تشكل هذه الفضيحة حلقته الاولى ولا الاخيرة ، فقد طفت الى السطح حالات مماثلة ، اكبر او اقل حجما خلال اوقات مختلفة ، فهو مسلسل مستمر ومتفاقم ولن ينتهي الاّ بتجريد العراق من كل ثروة وامكانية وتدميره بالكامل ، مالم يوقفه فعل حقيقي جبار ! .
والتسريب يحصل عادة ، بل واكاد اقول دائما ، بفعل المناكفات السياسية التي تحصل بين الاطراف والجهات السياسية التي تشكل خلفية الفساد وداعمه الاكبر ، والتي يستند اليها الفاسدون ومافياتهم كشريك ضامن في واقع الحال ، واسم الفاسد الذي يتداوله " اعلام " مواقع التواصل الاجتماعي الذي قد يشكل ، احيانا ، نوعا من السلطة الشعبية الضاغطة ، واكرر : احيانا ، لا غير . ان اسم حوت الفساد هذا ليس سوى واحد من اسماء عديده ، في الواقع ، وكلهم تكرار لنموذج واحد ، تقريبا : شخص تافه وضيع و رخيص جاء من الحثالة بشهية لا تعرف الشبع ومنظومة اخلاقية تساوي الصفر وحالة علمية تساوي الصفر كذلك ، مع الشطارة المناسبة ( وهذا كله مؤهلات ضرورية للدور المطلوب ، لان هؤلاء ، عادة يمكن ان يرتكبوا اي شيء ويفعلوا كل شيء ، بلا وازع ولا رادع ) يتحول ، دون عمل فعلي او دور انتاجي حقيقي ، من شخص هامشي لا يكاد يجد قوت يومه الى رقم صعب في عالم " المال والاعمال " ومن ثم عالم " السياسة " المافيويان بالطبع .
ان الوضع السياسي والاجتماعي المناسب لوجود ونشاط هؤلاء ، عادة ، هو وضع الازمة الاجتماعية العامة واجواء الفساد المستشري و مناخات سهولة التجاوز على القواعد والقوانين وتفكك الدول وتدهور المجتمعات ، وقد شهد التاريخ القريب لدول اوروبا الشرقية كلها ، خلال مرحلة تفكيكها ، " اسماء لامعة "من هؤلاء اللصوص ، كاد احدهم ان يشتري اصول دولة كاملة مثل جيكيا ، دون ان يدفع دولارا واحدا سوى الاحتيال وبيع الوهم ، لولا تدارك الامر !
كما عرفتْ دول عربية عديدة ، تحت ظروف قريبة ، حالات مماثلة ، فاستدانت الحكومة المصرية في اواسط الثمانينات ، مثلا ، من احدهم مبلغ 500 مليون دولار حينما كانت خزينتها خالية الوفاض ، رغم انه كان اصلا قد استنزفها من الخزينة المصرية في واقعة معروفة لدى المهتمين المصريين !
لقد شهدت مرحلة التسعينات نشوء ونمو عدد من هؤلاء في العراق مستغلين ظروف الحصار وتهريب النفط وسريان الفساد المالي في اوصال النظام وحاجته الملحة الى العملات الصعبة وباية طريقة فعملوا تحت جناح بعض اركان النظام وخصوصا " عديّ " ، لكن ماكان يلجمهم ويضع حدا لتطلعاتهم لا يمكن تجاوزه هو الخوف والرعب الذي كان يسببه النظام وتحديده للمديات التي يمكن ان يلعبوا ضمنها ويستفيد هو بالتالي منها ثم يجزّ رؤوسهم في النهاية عند الحاجة اوالضرورة ! ولقد استغل الكثير من هؤلاء اجواء وظروف ما بعد 2003 بل وعرض بعضهم خدماته و" امكاناته " على اطراف " العملية السياسية " وعمل تحت جناحهم بالفعل ، كما نشأ جيل جديد منهم ، اكثر ضحالة وجرأة ، في عالم " مثالي " بل خيالي بالنسبة لممكنات الفساد والافساد !
لقد تم تدارك النهايات المفجعة التي يمكن ان يقود اليها وضع مافيوي وتحكّم وتاثير شخصيات مافيوية لصوصية من هذا النوع في اقتصاد بعض البلدان ، كما اسلفنا ، بالنظر الى شعور مراكز الطبقات الحاكمة بضرورة صيانة ارض وجودها والحفاظ على مرتكازاتها ، على الاقل ، لكن هذا الامر غير متوفر في العراق ، فالطبقة السياسية هنا لا تملك مثل هذا " الافق الوطني " ولا هذا المستوى من التفكير في المصير وهي تعتقد بان لها مصيرها الخاص الذي ينبغي ترتيبه خارج " القارب العراقي " الموشك على الغرق ، فيتنازع فاسدو الكرد على الحصة الكردية من هذا الفساد وهذه الفريسة وليس ، مطلقا من اجل حصة الشعب الكردي كما يعلنون ، ويتصارع فاسدو السنة على حصة السنة من هذا الفساد ولا يعنيهم مطلقا مصالح او مصير السنة بالفعل ، اما فاسدو" المكّون " الشيعي فكل تباكي فرقائهم على دور ورفعة هذا المكّون لا يعني ، في واقع الامر ، سوى التقاتل على الحصص الاكبر من قصعة هذا المكوّن !
من هذا النزاع والتكالب يرشح ، احيانا ، هذا التسريب او ذاك ، كما هو الحال مع فضيحة هذا العقد اللصوصي ، فنعد نحن الذين نعيش خارج اسوار الحقيقة المروعة ان ذلك كشفا غير مسبوق وحادثة فريدة بلا سياق !
لا اعتقد ان حقيقة هرم الفساد العراقي العظيم خفية على احد منا ، فهو يتكون من "الفساد الكبير " والذي يشمل صفقات واختلاسات واحتيالات ومشاريع وهمية ، ناهيك عن السرقات المباشرة بالاستحواذ على موارد عامة مهمة وتجييرها لصالحها ، بمئات الملايين الى المليارات من الدولارات ويكاد " شرف " امتيازه ان يكون حكرا على الكتل السياسية الكبيرة والمؤثرة والمسلحة ايضا ، حتى وان مورس من خلال واجهات او " قفازات " قذرة يمثلها هذا الفاسد او تلك المافيا ، احيانا . و " الفساد المتوسط " ومداه من عشرات الى مئات الملايين من الدولارات كحد اعلى وهذا ما يمارسه الوزراء ووكلاء الوزارات والمدراء العامون في شتى الوزارات والهيئات المستقلة ، لحسابهم الشخصي ان كانوا قد اشتروا المنصب او المركز من الكتل السياسية او وسطاء او غير ذلك ودفعوا " ثمنه " مسبقا ، او بالتقاسم وفق حصص مع هذه الكتل والاحزاب نفسها ان احتلوا المنصب تمثيلا للكتلة او الحزب . اما " الفساد الصغير " فحدّث ولا حرج ، فهو هذه الحالة " الشعبية " الحميمة التي نرفل جميعا في عزها ونكتوي بنعيمها ولا نستحي من ممارستها بل وربما يثقف الكثيرون عوائلهم عليها ويربون اولادهم بوحي من مكاسبها ، انه فساد الموظف والضابط والشرطي والمدرّس والقاضي والطبيب والصيدلي و..الخ وكل مكلف بخدمة عامة ، تقريبا ، انه حرب الجميع على الجميع وسرقة الكل للكل الى حد المهزلة ، ( ُطرفة : في بعض الدوائر قد يصل الحال الى ان الموظف المسؤول عن توزيع الرواتب يستقطع مبلغا معينا لصالحه من كل موظف عند توزيع الرواتب ، دون ان يواجه باي اعتراض ، فالجميع يشعر ان الراتب بلاش ، وجاءه دون جهد او عمل حقيقي !) لكن الاقرار بحقيقة بحر الفساد هذا وشعبيته لا يعني تلمس العذر او الصفح عن وقائع الفساد الكبير على اساس ان الكل فاسدين فمن اين يمكن ان نبدأ واين يمكن ان ننتهي ، لأن وقائع الفساد الكبير مميتة ويمكن لاي منها ان تطلق رصاصة الرحمة على راس المجتمع وتقوده الى الافلاس الحقيقي والنهائي ليتحول الى مجموعة شحاذين لا تجد لقمة عيشها حتى بشق الانفس ، فعقد غرامة ال600 مليون دولار ، مثلا ، كان يمكن ان يبتلع مصرف الرافدين كله ويضعه في جيب " نشال " واحد وعصابته التي رتبت وسهلت امر هذه الحبكة من موظفين صغار وكبار ، اذ ان راس مال الرافدين لا يتجاوز ال100 مليون دولار فقط ، بل ويبتلع معه خمسة اضعاف راسماله من المال الحكومي العام باعتبار ان ضامن البنك الحكومي هو الدولة !
لقد انشد َالسيد مشعان الجبوري ، والذي كان عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب ، علنا وعلى رؤوس الاشهاد ، معلقة هذه العملية السياسية والقصيدة العصماء لنزاهة النظام السياسي الذي نعيش كنفه : " كلنا فاسدين ، كلنا مرتشين ، كل الطبقة السياسية ، الكل على الاطلاق ، اللي لابس عكال واللي لابس عمامة واللي افندي ... برلمانا وحكومة ، ومن ليس فاسدا فهو جبان ومكتفي بالامتيازات ... حتى انا اخذت كم مليون دولار لغلق ملف فساد في لجنة النزاهة " !
فاين يمكن لنا ان نجد الحل ؟ وفيم ينبغي لنا ان بحث عن الخلاص ؟!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كييف تطالب بصواريخ بعيدة المدى.. فما هي أنواع وقدرات تلك الص


.. قطر ولبنان توقعان اتفاقية لاستكشاف واستخراج النفط والغاز




.. استمرار المظاهرات الغاضبة من حكومة نتنياهو والمطالِبة باستقا


.. جرافات الاحتلال تهدم منزل المقدسي محمد راتب مطر في بلدة جبل




.. ما آفاق تحول راديو بي بي سي العربي إلى المنصات الرقمية؟ | نق