الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السلطة والمجتمع .. وحرية الرأي

أحمد فاروق عباس

2022 / 8 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


.. هل المجتمع أم السلطة هو من يقف حقيقة أمام حرية الرأي والتعبير والتفكير فى عالمنا العربي ؟

.. تاريخيا وباستثناء الرأي السياسى الحاد في معارضته لم تقف السلطات السياسية أمام حرية الرأي ، وكان المجتمع فى أغلب الأحيان هو من يقف عائقا صلبا أمام الحريات العامة ..

وأقصد بالمجتمع مؤسساته وليس مجرد أفراده ، وما يطلق عليه فى المصطلحات الحديثة منظمات المجتمع المدني من جامعات وهيئات ودور نشر ... إلخ .

نعم كانت السلطة تستجيب فى أحيان كثيرة لهيجان الجمهور وخوفا من رد فعله ، ولكن كانت دائما فى موقف رد الفعل الذى يوفَّق أو حتى ينحاز ، لكن لم تكن أبدا المبادر أو صاحبة الكلمة الأولى ..
والأمثلة كثيرة ، ومنها :
- كان المجتمع قبل السلطة هو من أعترض على حق الشيخ على عبد الرازق في التفكير والتعبير عن رأيه فى كتابه " الأسلام وأصول الحكم " عام ١٩٢٥ ، وامتلأت أعمدة الصحف باتهام الكاتب ، ثم لحقها بعض رجال الدين ، وتردد صدى ذلك فى البرلمان ، وكان ان طرد الكاتب تحت ضغط الناس من وظيفته في الأزهر ..
والغريب أن الكتاب لم يطبع ثانية حتى اليوم ، مع أنه يتكلم عن مدنية السلطة في الإسلام ، وأنه لا يعرف الدولة الدينية ، وأن الخلافة نظام بشرى ليس إلا !!
وعلى الرغم من أن السلطة والملك فؤاد تحديدا كان في خلفية الصورة فى أزمة كتاب الإسلام وأصول الحكم ، إلا أن ذلك كان جزءا من الصورة وليس كلها ، بدليل أنه لم تجرؤ دار نشر مصرية واحدة بإعادة طبع الكتاب على الرغم من انتهاء الظروف السياسية التى كانت محيطة به عند صدوره من ٩٥ عاما ..

- لقد كان المجتمع وليس السلطة هو من أعترض على حق طه حسين فى التفكير والتعبير عن رأيه فى كتابه " في الشعر الجاهلي " عام ١٩٢٦ ، وشارك هنا أيضا كتاب فى صحف وأفراد عاديين ورجال دين وأيضا نواب فى البرلمان ..
وطرد هو الآخر من الجامعة المصرية ( جامعة القاهرة فيما بعد ) ، ووصل به الأمر إلي حد الإفلاس المالى ، ومرة ثانية لم يطبع الكتاب مرة أخرى منذ ذلك التاريخ البعيد جدا ، علي الأقل ليترك فرصة للناس لمناقشته والاختلاف أو الاتفاق معه من خلال مناقشة علمية وفكرية تبين الصالح والطالح من أفكاره ..

- لقد كان المجتمع وليس السلطة هو من أعترض على حق محمد أحمد خلف الله فى التعبير عن رأيه وفرض عليه القهر والسكوت بعد كتابه " الفن القصصي في القرأن الكريم " ..

وكانت التجارب الثلاث الماضية فى العصر الملكى ، وفى الحقبة الليبرالية كما يسمونها فى مصر !!

واستمر الأمر مع تغير الظروف السياسية ، ومع مجئ الحكام وذهابهم ..

- لقد كان المجتمع وليس السلطة هو من أعترض على حق نجيب محفوظ في كتابة ما يريد ، والتعبير الحر والسلمي عن رأيه فى رواية " أولاد حارتنا " وفرض إيقاف نشرها في الأهرام عام ١٩٥٩ ، وفرض عدم نشرها فى مصر حتي وفاته عام ٢٠٠٦ ..
وفى حين سمحت السلطة بنشر روايات تنتقدها بصورة مباشرة كرواية ثرثرة على النيل ، لم تستطع الوقوف أمام صوت المجتمع الذى يطالب بمنع أولاد حارتنا ..

- وكان أحد أفراد المجتمع هو من حاول ذبح نجيب محفوظ بالسكين في شيخوخته ذات يوم من عام ١٩٩٤ اعتراضا على رجل قال وكتب كلمة ، ولم يرفع سلاحا أو يؤذي أحدا ..

- لقد كان المجتمع وليس السلطة هو من أعترض على حق نصر حامد أبو زيد فى التفكير والتعبير الحر عن رأيه ، ورفضت ترقيته في جامعة القاهرة ، وحكم عليه بتطليق زوجته ،ثم فرض عليه الهجرة من بلاده ، وعاش مغتربا عن أهله وبلده حتى وفاته ..

وفى التجارب الأخيرة كان لبعض المنظمات السياسية - وخاصة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية - الصوت الأعلى فى المنع وردع المخالفين ..
وهنا يتهم بعض الناس الأزهر ، ولا يلاحظ أحد أن المنتسبين لتيارات الإسلام السياسي داخل الأزهر هم من يرفعون صوتهم بالتحدى ، لقد كان بعض المنتسبين لكلية دار العلوم بجامعة القاهرة - وليس جامعة الأزهر - هو من كتب التقرير الشهير ضد الدكتور نصر حامد أبو زيد ، والذى قاد الحوادث فيما بعد إلى تكفيره وهجرته ..

- وفى الوقت الذي كانت تقمع فيه آراء مفكرين كبار ، كانت كتب التكفير أو التطرف تطبع وتنشر من أكبر دور النشر ، كطبع دار الشروق ( وهى دار نشر خاصة ) لكتب سيد قطب والقرضاوي وسليم العوا وعبد المنعم أبو الفتوح على سبيل المثال ..

- وفى الوقت الذي تصدت فيه الدولة للافكار الماركسية واليسارية بل والليبرالية فى بعض المراحل التاريخية ، كان أغلب المجتمع مؤيدا للسلطة في ذلك ، بل وسابقا لها فى أغلب الأحيان ..

ينسى أغلب الناس أن من جعل الديموقراطية ممكنة في الغرب شخصيات مثل جون لوك وفولتير وديدرو ومونتسكيو وديكارت وهيوم ومئات غيرهم ...
فهم من وسعوا باب حرية الرأي والتعبير ، وفتحوا المجال العام للاراء والأفكار الجديدة ، ما جعل أمام المجتمع تعدد فى وجهات النظر ، وبالتالي عندما جاء وقت الحريات السياسية كان المجتمع مستعدا ومتقبلا ، وقادرا علي فرز الآراء وصحة الاختيار ..

.. أي أن المجتمع أولا هو من يتعلم قيم التسامح وقبول الرأى الآخر ، والرد عليه بالرأي وليس بالمنع أو بالقوة ، وعندما يتعلم المجتمع ذلك ويطبقه فى حياته اليومية تأتي الديموقراطية كنتاج طبيعي فى مجتمع مستعد لها .

.. أما ما حدث عندنا فهو عكس كل تجارب الديموقراطية في العالم ، حيث المجتمع اغلبه منغلق وشديد التعصب ، والقوى السياسية الظاهرة على السطح ترفع المقدس الديني كشعار تصل بواسطته إلي مقاعد السلطة ، وهو أمر جديد علي كل تجارب الديموقراطية في العالم شرقا وغربا ، حيث الدين فى تلك المجتمعات في مكانته العالية ، أما أمور الدولة والسلطة فحق الإجتهاد فيها متاح للجميع ، بدون ادعاء عصمة لأحد أو لتيار ، واعتباره ظل آلله على الأرض ..

.. وبدلا من الكلمة الشهيرة بأنه " لا كهنوت فى الإسلام " أصبحت بعض تيارات الإسلام السياسي هي الكهنوت الجديد في الإسلام ، فهي الواسطة بين العبد وخالقه ، والانضمام لها والإلتزام بتعاليمها أصبح هو طريق الجنة ، ومن يقف ضدها استحق اللعنة وغضب الله ..

وفي هذه الأجواء الهستيرية يطالبون بديموقراطية يمارسون فيها سلطتهم الدينية التى بنوها خلال عقود ، علي جماهير جاهلة ما وراء التقي الظاهر من أهداف غير بريئة ، بل ومن مطالب لقوي دولية كبري وجدت فى هذه التيارات ضالتها للسيطرة علي شعوب مستعدة أن تمشي وراء أي دجال يقول قال الله وقال الرسول ...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيطتاليا تتجه نحو اليمين • فرانس 24 / FRANCE 24


.. عاصفة تضيء سماء الليل فوق جزيرة مينوركا في إسبانيا


.. أمريكا: سنفرض عقوبات إضافية على موسكو إذا استمرت الاستفتاءات




.. صباح العربية| احذر.. الجلوس لساعات طويلة في العمل يضر بالصحة


.. بتقنية الواقع المعزز.. -غريندايزر- يظهر في -صباح العربية-