الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


گارو الارمني اقدم مصور في البصرة

عبد الرؤوف الشريفي
كاتب.

(Abdul Rauf Al-shuraifi)

2022 / 8 / 13
سيرة ذاتية


ايها السفاح تستطيع ان تقتلني بسهولة, لكن لن تشعرني بالهزيمة لآني سأظل منتصبا كالصليب. ولن تمحو ظلك الأسود من ذاكرة شعبي الابدي.

الشاهد الاخير

في شارع سينما الاطلس الذي لم يعد مزدحما كأيامه الغابرة تستقطب الاعين دون وعي اعلانات كبيرة لأبطال خرافيين يهزئون بالموت ولا يعرفون الهزيمة, وحسناوات بقطعتي قماش في لحظة اغواء مع عشيق جريء ووسيم, كلمة او اثنتان بالخط الكبير لاسم الفيلم الذي تعرضه السينما في العشار. لكن من يحفل بالمحل الصغير المواجه للسينما! وقد انتصبت بموازاة اطار الباب قطعة خشبية بيضاء صغيرة كتب عليها بالأسود ’تصوير گارو’.

ومن خلال الواجهة الزجاجية تدرك الرغبة بالترتيب والاناقة. على الجدران صور مؤطرة لخريجين, عرسان, اطفال دون الخامسة, وليد لعام, وجوه نضرة من الريف, واخرى تقاوم اليأس وحوافر الدهور, ضباط بأنواط للقتل دونما قضية, وجوه اتفقت على الابتسام او التظاهر بالحزم والفخامة, نظرات تشي بالبساطة او تحتفي المكر والوقاحة, عزة مفتعلة وكبرياء اخرق, واعين اخرى غير معبرة مجرد فتحتين اعلى الوجه.
لج المحل الصغير. فهو لا ينبئك عن قدمه وان الافا ولجته. اخذوا معهم صورهم الجميلة الصقيلة تاركين للمصور نيجاتيف اسود لحياة عراقية فاجعة.
على اليسار باب يودي الى قاعة التصوير. والى اليمين, طاولة مرتبة يربض خلفها رجل اشيب ابيض الروح مسالم حليق الذقن حسن الهندام لم تثمله الشيخوخة, بعد ان اجتاز الثمانين فهو ما زال بعافية وذاكرة طيبة. ويلتمع في خنصره الايسر خاتم الزواج الذهبي. انه يعشق الحياة. يجلس بجانبه كهل اربعيني بملامح شبيهة, يبدو انه نجله.
تعرفت الى اخر رواد التصوير في البصرة اسمه كرابيت. ويختصر الى( گارو). ومعناه باللغة الارمنية "دليل". واسم والده هارتيون. وتعني صعود او ارتقاء مأخوذة من ارتقاء المسيح الى السماء. اما اخيكيان فهو لقب العائلة.
ولد گارو في كم الارمن -العباسية- حالياً عام ١٩٢٣ ولفظة "كم" اذت اصل انكليزي camp وتعني معسكر او تجمع وقد اطلقها الانكليز على بعض احياء البصرة بعد احتلال العراق عام ١٩١٤ ومنها صريفة كم, وجاينا كم, سكنه الصينيون العاملون مع القوات البريطانية آنذاك، وفي الشهر السادس, من تلك السنة اصاب البصرة وباء الملاريا الذي فتك بها. فمضت العائلة الى بغداد حيث دخل المدرسة هناك في باب الشيخ. وكان من عادة الارمن ان يرسلوا ابناءهم في العطلة الصيفية ان يتعلموا وكان من عادة الارمن ان يرسلوا ابناءهم في العطلة الصيفية ان يتعلموا مهنة تفيدهم في المستقبل، فأرسل گارو الى محل لميكانيك السيارات، ولكن انى لهذا الفتى المغرم في الرسم ان يتكيف مع الصامولات وزيوت المحركات وزعيقها. وهل يقدر ان يستبدل قلم التلوين الخشبي الصغير بمفك البراغي الفظ انه عالم لا يتقنه بل لا يحبه فترك العمل.
فاتجه بعدها للعمل في محل التصوير, وتلك كانت امنيته فشجعه والداه، فعمل صبياً عند مصور الملك فيصل الاول المصور عبدالرحمن صاحب تصوير "الاهالي" اواخر العشرينات، كان گارو ينظف المحل. ولكنه كان ولعاً بمعرفه ما يدور. فكان يدخل مع العمال الى غرفة التحميض ليشهد العمل. بعد ذلك انتقل للعمل مع المصور ارامكونيان صاحب استوديو الصباح. وقد تعجب لإتقان گارو المهنة، فقد تم تصوير زبون بصورة رائعة مع غياب المصور. ثم عمل بعدها لعدة سنين مع مصور ارشاك. وفي هذا الوقت وقعت انتفاضة الوثبة عام ١٩٤٧ فاخذ گارو كاميرته وذهب ليصور التظاهرات، ولم يكن سياسياً لكنه فناناً. وبعدها قرر ان يفتح محلاً له في شارع السعدون لكن الحظ لم يحالفه ورغم قلة زبائن فقد كان يعمل "الرتوش" في منزله لمصورين اخرين.
في عام ١٩٥٢ قرر العودة الى البصرة فقد علماه والداه روعه الحياة بين اناس طيبين يحترمون الجار ويساعدونه ولا يعرفون التمييز، فالبصرة احتضنت الزهاد المتهتكين، المعتزلة والقرامطة السكارى والمتصوفة، والعملاء والارذال وحتى البعثيين.
فافتتح محلا للتصوير قبالة سينما الوطني في الطابق الثاني لمنزل يملكه مسيحي, لان الاضاءة آنذاك كانت تعتمد على ضوء الشمس. اذ عادة ما يكون السقف مفتوحا الى السماء ومغلفا بزجاج مطلي بالأبيض. ويتم التحكم بدرجة الإضاءة باستخدام الستائر.
لكنه بعد سنتين, عاد الى بغداد لان العائلة لم تعد تحتمل حرارة الجو والشرجي الرطب الخانق وعصارة التمر. بيد ان حنينه للبصرة سرعان ما تأجج, فقرر العودة للبصرة بعد ثلاث سنوات ليفتتح محله الذين ما يزال العمل فيه لأكثر من اربعين سنة.
وفي عام ١٩٨٦ اثناء في القصف على البصرة في الحرب مع ايران نقل كامل ارشيف التصوير عند اقارب له في بغداد. لكن جميع الارشيف تلف سبب عدم الاهتمام. فضاعت عشرات الالاف من النيجاتيف لوزراء وقادة عسكريين، لأطباء وسياسيين وسواهم. لقد فقد للابد ارشيفه كما فقد اهله واحبته.
ان في حياة كل منا جانب يضج بالفجيعة وفي ذاكرة هذا الرجل مليونا قتيل ومليونا مشرد. هم ضحايا الشعب الارمني على يد الاتراك في مجازر فضيعة عام ١٩١٥. وما زال الاتراك ينفون ارتكابها تماما كأصحاب المقابر الجماعية.
في هذه المجزرة التي لم يشهدها گارو لأنه لم يكن قد ولد بعد قتل اخوته الثلاثة وفرار ابوه مع الناجين متخفيا, فقد كان الاهالي والفلاحون الاتراك يقومون بقتل العديد منهم بإيعاز من الحكومة حتى عبر الحدود التركية العراقية. ووصل الموصل. غير ان العراق لم يكن ملجا ٱمنا فحسب، بل وجدوه وطنا يهبهم الدفء والمحبة. وهذا ما جعل گارو يبكي لما ٱل اليه العراق من خراب حاضر.
وكان موقف العرب والعراقيين موقفا مشرفا فقد تقاسموا مع الناجين رغيف الخبز. فيما اوعز الشريف حسين بن علي الى مساعديه (بالمحافظة على ابناء الطائفة الارمنية وتساعدوهم في كل امورهم وتحافظون عليهم كما تحافظون على انفسكم واموالكم وابنائكم وتسهلون كل ما يحتاج ن اليه في ظعنهم واقامتهم فانهم اهل ذمة المسلمين).
وهكذا تشرد الارمن في المنافي والاصقاع بعيدا عن ربى ارمينيا وازقتها والذكريات عن الحارات والكنائس ومدافن الاسلاف وعن كل الصداقات والعشيقات.
ان احتفاء جمعية المصورين في البصرة مؤخرا بالسيد كرابيت هارتيون هو عرفانا لهذا الرجل الذي احب البصرة والتصوير. فاخلص لهما. لكن الامر برمته لا يعدو عن مصور امد الله في عمره الى الثمانين. ولم يجترح العظائم. او يأت بجديد. فماذا اذن؟
ان للأمر وجهة اخرى. فهذا الرجل قد عرف نفسه باكرا ولم يته بين الطرق. بل اختار لنفسه سبيلا قضى حياته سالكا فيه. فدأب, واخلص, ونجح على خلاف الاخرين الذين نعت شكسبير احدهم قائلا ’فيه كل احد, لكنه لا احد’.
والاهم, ان الاقدار قضت عليه ان يكون من جيل ما بعد الفجيعة ليذكر العالم بمجزرة لم يشهدها بعينه, لكنه تجرعها من صدر امه الهاربة, من الحزن الشفيف في حدقتي ابيه, ومن حكايا ليالي الشتاء الباردة كبرودة الجثث التي جزرت دون خطيئة. فترتسم انام ناظريه الدامعتين البنادق الطويلة الصدئة وهي تفرغ سم احشائها على صدور الجميلات وشفاه القساوسة المتبتلة على جباه الشباب وعلى الامهات, بذكر الرب وعلى المسيح الذي حمل كل الخطايا. فيسقط الجميع في حفلة الزفاف الدموي. فتردد الريح حشرجات الاحتضار والانين الاخير موسيقى جنائزية تهيم في الافاق.
عدسة گارو لم تزل تلتقط الصور الجميلة الصقيلة. وهو يستقبل الزبائن بوجه باسم دون ان يعرفوا ان هذا البصري المسالم الانيق يحمل في قلبه مليون صليب دام وليس واحدا خشبيا فحسب.


تنويه من الكاتب

*توفي گارو في 2009 . ورحل ابنه الى اميركا كما سمعت .

* نشرت هذا التحقيق في صحيفة ’البصرة’ الناطقة باسم مجلس المحافظة في عددها الاول في تشرين الاول 2004, وكنت وقتها من مؤسسيها ومحرريها. وبعد سنوات من مغادرتي الصحيفة, قرات التحقيق مرة اخرى في مجلة ’البصرة’ بالعدد الاول الصادر في كانون الاول 2011 . وقد اعده مصور فوتوغرافي بإضافة تغييرات عاجلة لإضفاء لمسته الخاصة على التحقيق. ولم ابال بالسرقة الصغيرة لان الناشر لابد انه قد اعجب بالتحقيق, فتبناه في اول فرصة, ونشره ثانية باسمه. وساهم في اشاعة المحبة وجمال التحقيق, كل فشكرا لذائقته الجميلة, مع الاشارة الى ان تعديلاته للنص لم تكن موائمة, بل ربما اضرت بجمال اللغة وروح النص.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إطلاق استراتيجية وطنية للملكية الفكرية.. و200 عام على فك رمو


.. ما هي أبرز الحروب التي خاضها الجيش الروسي منذ 30 عاما؟


.. منذ الإطاحة بالفاشية حتى المرحلة الراهنة.. ما مسار الانتخابا




.. كاميرا الجزيرة تنقل أحوال الناس في جنوب خاركيف بعد الانسحاب


.. الاتحاد الروسي.. كيف تغيرت مساحته ودوله عبر الزمن؟