الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدروس والعبر بعد أكبر إفلاس مصرفي في التاريخ الأميركي

محمد العزاوي
اكاديمي وباحث في مجالات ادارة الاعمال والشؤون الجامعية

(Mohammed Alazzawi)

2022 / 8 / 13
العولمة وتطورات العالم المعاصر


عقد ونصف على انهيار مصرف ليمان براذرز Lehman Brothers
استذكرت الحوارات مع الاخ سعادة السفير الدكتور عبد السلام محمد خميس (ليبيا) التي جمعتنا في البحرين قبل خمسة عشرة عاماً ( عندما كان طالباً يحضر لشهادة الدكتوراه)، واستمرت لقاءاتنا في الامارات والاردن وليبيا، ناقشنا فيها أسباب الازمة المالية العالمية عام 2008، وأسباب إفلاس مصرف ليمان براذرز Lehman Brothers وهل يمكن أن تكون المؤامرة إحدى سيناريوهاتها. وكان نهايتها أن أشرفت على إطروحتة للدكتوراه التي حاول فيها الاجابة على ذلك السؤال والتي حاز نتيجتها على شهادتي دكتوراه في العلوم المصرفية والاقتصاد من المغرب وهولندا، ونشر بحثنا المشترك (2012) الموسوم دور الرقابة المالية والمصرفية في التنبؤ بالانهيار المصرفي الذي تستند هذه المقالة لمعطياته.
بداية المؤامرة
تستعيد الأوساط المالية العالمية الذكرى السنوية الخامسة العاشرة لإفلاس مصرف "ليمان براذرز" الأميركي في أيلول/ سبتمبر 2008 والذي أدخل العالم في أسوأ أزمة اقتصادية منذ ثلاثينات القرن الماضي
وفقا لرؤانا أثار إفلاس مصرف ليمان براذرز الذي يعتبر رابع أكبر مصرف استثماري في الولايات المتحدة تساؤلات كثيرة . فقد تزامنت مجموعة من الأسباب في خسارة الاستثمارات المصرفية ، تمثلت بمنح القروض عالية المخاطر و الرهون أو الضمانات العقارية التي أخذت على ذوي الدخل المتدني أو الدخل المحدود والفقراء, إضافةً إلى التمادي في كيانات الاستدانة المفرطة، والتركيز على دعم القطاعات المتقلبة مثل قطاع العقارات، و فوق كل ذلك الجشع، وسوء التخطيط طويل المدى للعواقب المالية مع انعدام النظرة الثاقبة نحو تبني مفهوم الاستدامة، إلى جانب العديد من الظواهر الحاسمة الأخرى، مثل تحجيم الالتزامات القانونية الإلزامية.
ورغم إن معدل كفاية رأس المال لهذا المصرف كانت الأعلى مقارنة بغيره من المصارف الكبرى طوال السنوات التي سبقت الأزمة المالية وإعلان إفلاسه . ورغم إن المصرف كان ملتزما بتطبيق مقررات اتفاق (بازل II) ، بل أن مؤشرات التزامه كانت أعلى من باقي المصارف بقرابة %50. كل هذا يثير تساؤل رئيسي، لماذا أفلس؟ وما هو دور الرقابة المالية والمصرفية في الكشف عن مخاطر الانهيار المصرفي؟
وقد حاولنا أنا والصديق الدكتور عبد السلام محمد خميس (ليبيا) في حواراتنا التي جمعتنا في البحرين والامارات والاردن وليبيا، أن هناك ضرورة للاجابة على مجموعة أسئلة وكما يلي:
1. مـا مدى التزام المصرف بمعايير المحاسبة والمراجعة الدولية؟
2. هـل تتسم القوائم المالية المنشورة الخاصة بالمصرف بالإفصاح والشفافية الكافيين؟
3. هل التزم المصرف بمعايير الرقابة المصرفية وبشكل خاص مؤشرات كفاية رأس المال؟
4. كيـف يمكن الاستفادة من تجربة المصرف في التحوط من المخاطر المصاحبة للاستثمار والأزمات المالية؟
المخاطر المصرفية وآثارها
يمكن القول إن أهـم اﻟﻤﺨاطر المصرفية هي تلك التي أشارت إليها مقـررات (بازل (II. أمـا بقيـة اﻟﻤـﺨاطر فلا تـدخل في حـساب مـعدل كـفـاية رأس المال (بدران، 2005، ص: 9). ولأن للمصارف خصائص فريدة، فإنها تتعرض أيضاً لمخاطر فريدة، وهي الأنواع الأربعة الأهم من وجهة نظر لجنة بازل، والشائع عرضها في التقارير السنوية للمصارف، وهي: مخاطر السـوق، مخاطر الائـتمان، مـخاطر السيـولة، والمخاطر التشغيلية (Wang, 2007, PP. 10).
الدروس والعبر من إفلاس بنك ليمان براذرز
عاد بنك الاستثمار العالمي ليمان براذرز من وقوعه تحت طائلة قانون الحماية من الإفلاس ليتخلص من وصايته, فبعد ثلاث سنوات ونصف من وقوعه تحت طائلة قانون الحماية من الإفلاس, عقب انهياره في أيلول ( سبتمبر) 2008, تخلص "ليمان براذرز" من تلك الوصاية, وهي الخطوة التي تعني أن لديه الحرية في بيع أصوله المتبقية وتوزيع الأموال على الدائنين.
أعلن البنك عن بدء توزيع نحو 65 مليار دولار على الدائنين في نيسان (ابريل) 2012. وعلى الرغم من هذه الخطوة القانونية, إلا أنها لا تعني توقف البنك الاستثماري تماما عن نشاطه, بل إنه سيواصل عملياته .
وصار لدى البنك سيولة بحدود 18 مليار دولار. ولدى البنك الآن القدرة على منح الدائنين مبلغا يتراوح بين 12 إلى 14.7 مليار دولار في البداية, لكن ذلك يتوقف على مقدار السيولة التي يحتاج إليها للحفاظ على احتياطي في المطالبات المتنازع عليها.
وجدير بالذكر إن ديون البنك بلغت 613 مليار دولار, في الوقت الذي هز بسقوطه المؤسسات العالمية الكبرى, وزاد من وطأة الأزمة المالية العالمية والخسائر المرتبطة بالرهن العقاري و أن عملية بيع الأصول سوف تستمر حتى نهاية عام 2014 بهدف جمع 65 مليار دولار بالمقارنة مع المطالبات التي تصل إلى 370 مليار دولار.
وأصبح من المفيد حصر المعالجات الرئيسة للمحافظة على النظام المالي والحفاظ على النمو الاقتصادي والتي يمكن إجمالها بما يلي: (رينجاسامي، ديسمبر 2011 )
1. أن إفلاس ليمان براذرز أشعل سلسلة من الأحداث ذات التأثير السلبي المباشر على النظام المصرفي والمالي. فقد بدأ الضعف بالظهور على العديد من أنشطة الاستثمارات في المصارف التجارية ،و اتسمت بمظاهر الضعف في استثماراتها، و انخفاض أسواق البورصة العالمية إلى مستويات متدنية ،مما شغل المستثمرين والأفراد والمصرفيين والحكومات في جميع أنحاء العالم .
2. لتخطي آثار الأزمة لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا قيادياً إذ لجأت إلى اتخاذ تدابير الإنقاذ في لإرجاع الاقتصاد العالمي إلى طريق التنمية.
3. حاولت بعض المؤسسات المالية الأخرى إنعاش الاقتصاد وإرجاعه إلى سابق عهده, فقامت بتعديل معاييرها وشروط معاملاتها المالية و غيرت ظروف تعاملاتها, إلى جانب حوكمة بعض الكيانات المالية من قبل حكومتها الأم أو من خلال دمج أعمال المصارف الصغيرة معاً.
4. مارست الحكومات في أنحاء العالم ضغطها على مؤسساتها المالية لإقناعها بالبقاء والثبات وعدم التأثر بانهيار ليمان براذرز، انطلاقا من إمكانية الاقتصاد العالمي للعودة إلى مساره الطبيعي و انحسار الأزمة المالية.
ولكن تثار هنا بعض التساؤلات والتي تحتاج الى إجابات واضحة وهي كما يلي:
• هل أثمرت المحاولات في معالجة مشكلات الأزمة؟
• هل ساهمت في تحقيق النتائج المنشودة؟
• هل أصبح الاستثمار أكثر أمناً؟
• هل زادت عوائد الاستثمار؟
• هل استطاع المستثمرون استعادة ثقتهم بالمؤسسات المالية ؟
• هل تعافى الاقتصاد العالمي وتمكن من معالجة مشكلات ؟
ولكن ما هي الإجابات لهذه التساؤلات وكيف يمكن التهيؤ للمرحلة القادمة: (رينجاسامي، ديسمبر 2011 )
1. أن إفلاس وانهيار بنك ليمان كان بمثابة جرس التنبيه للمؤسسات المالية الأخرى والمستثمرين. حيث ينبغي على المصرفيين أن يدركوا طبيعة مخاطر القروض المرتفعة, ومخاطر التركيز على القطاعات المتقلبة, والانتباه إلى الرهون العقارية ذات الجودة غير المضمونة، أو الإفراط في الاستدانة ومسائل التعدي على الميزانيات العمومية للمصارف.
2. الحاجة لإتباع القواعد والتشريعات المالية الصارمة والواضحة التي يحددها بازل 2 BASEL II والتي ستساعد على تجاوز أي نوعٍ من أنواع الأزمات ذات الاحتمالية المنخفضة في إمكانية حدوثها غير أنها تسبب كساداً كبيراً في حالة حدوثها.
3. الحاجة الى إتباع النظام المصرفي الأكثر أماناً ومرونةً ، والذي ما يزال محدودأً ولا يتقبل العودة إلى نظام الإقراض خوفاً من تحسبه لخسارة الأموال بسبب حدوث الهزات الاقتصادية المحتملة.
الدروس والعبر
إفلاس بنك ليمان براذرز وكفاية رأس المال :
1. على الرغم من أن مصرف ليمان براذرز كان الأعلى من حيث درجات تقويم كفاية رأس المال خلال السنوات التي سبقت الازمة وكذلك جودة الأصول، إلا أنه كان الأدنى في السيولة وهي التي تركز الأساس في قدرة المصرف على مواجهة الأزمة المالية، وهو ما لم يحدث، فإن كان يصنف بأنه رابع أكبر مصارف الولايات المتحدة إلا أنه لجأ لمحكمة الإفلاس الأمريكية منتصف أيلول 2008 عقب فشل الجهود التي بذلت من الإدارة لإنقاذه. ولعل أهم أسباب ذلك الإفلاس كان توسعه غير المحدود في القروض العقارية.
2. بالغ مصرف ليمان براذرز في ممارسة النشاط الاستثماري بأموال الغير بشكل يفوق المصارف نفسها.
3. إن المغالاة في منح الائتمان من جانب مصرف ليمان براذرز لتحقيق أقصى قدر ممكن من الأرباح حال دون اعتماد تلك التوجيهات والمبادئ سابقة الذكر فضلاً عن أسباب خارجية أخرى
إفلاس بنك ليمان براذرز والرقابة المصرفية
1. لم يخضع المصرف باعـتباره أحـد مصارف الاستثمار الأمريكية لرقابة المصرف الاتحادي الفيدرالي، مما أدى إلى تجاوز أرقام ما قدمه من قروض أضعاف رأس ماله، دون مراعاة للمخاطر الناجمة عن ذلك، طمعاً في الحصول على مزيد من الأرباح قصيرة الأجل؛ والتي تتحدد مكافآت الإدارة على أساسها.
2. عدم ملائمة الموجودات للمطلوبات نتيجة التوسع في منح القروض في المصرف والتحرر المالي المتسارع وغير الحذر الذي أدى إلى حدوث الأزمة .
3. ضعف النظام المحاسبي، والرقابي، والتنظيمي، وتدني مستويات الإفصاح عن المعلومات خصوصاً فيما يتعلق بالديون المعدومة ونسبتها في المحفظة الائتمانية للمصرف. وضعف مواطنة الشركات وغياب المدونات الأخلاقية.

إفلاس بنك ليمان براذرز ودور الحكومة
1. كشفت الأزمة المالية 2008 عن تخلي النظام الرأسمالي عن العمود الفقري لهذا النظام، وهو عدم تدخل الدولة في النظام الاقتصادي ليس ذلك فحسب، بل كيله بمكيالين حيث قامت الحكومة بدعم بعض الجهات، مثلما قامت في منتصف أيلول 2008 بدعم شركة AIG أكبر شركات التأمين في العالم، في حين تركت جهات أخرى تتعرض للانهيار، مثل مصرف ليمان براذرز ، الأمر الذي قاد الكثيرين إلى عدم استبعاد ما يعرف بنظرية المؤامرة، لأنهم نجحوا في إنقاذ بير ستيرنز Bear Stearns و إيه أي جي AIG ، و لم يفعلوا ذلك مع ليمان براذرز. كما واجهت الحكومة انتقادات لاذعة لتضحيتها بليمان براذرز وإنقاذها مصارف أخرى مثل غولدمان ساكس The Goldman Sachs.
2. أن دافعي الضرائب في الولايات المتحدة الأمريكية لا يقبلون استخدام أموالهم في دعم المؤسسات المالية التي يراقبون تصرفاتها، والتي يمكن وصفها في بعض الأحيان بأنها مستفزة نتيجة للمبالغ الضخمة التي يحصل عليها أعضاء مجلس الإدارة والإدارة العليا بما يعتبر تبذيرا، وبالتالي عندما تواجه مثل هذه المؤسسات أزمة، لا يكون هناك تعاطف تجاهها، وهنا تحرص الحكومة على عدم الإقدام على خطوات تسحب جزءا من رصيدها لدى المواطنين، وهو ما حدث عندما تركت الدولة ليمان براذرز يسقط، ويطالب بتطبيق الفصل الحادي عشر الخاص بالإفلاس. و خضع دعم الحكومة لـ AIG لظروف طبيعة عمل هذه الشركة حيث أن غالبية عملائها صناديق تقاعد، وهو ما يمس نسبة كبيرة من المواطنين، وهو سبب كاف لدعمها، والحيلولة دون انهيارها.
3. إن الأزمة المالية هي نتيجة وليست سببا، وبالتالي لمعالجة الأزمة والخروج منها، يجب معالجة الأسباب التي قادت إليها، وقد كان نهج العديد من الدول والحكومات السعي إلى معالجة الآثار الناجمة عن الأزمة المالية تاركة الأسباب، وهو ما ساعد على تكرار الأزمات واستمرار انعكاساتها لفترة أطول من الزمن.
إفلاس بنك ليمان براذرز والعمليات المصرفية
1. أدت الأزمة إلى زيادة تكلفة الاقتراض، كما قللت من توافر الائتمان سواء من خلال القنوات التقليدية للإقراض، أو من خلال التوريق على حد سواء.
2. أدت الأزمة المالية إلى تراكم خسائر الرهن العقاري، و اضطراب النظام المالي الدولي، وخسارة في الأوراق المالية المهيكلة، وتقلص نفوذ المؤسسات المالية، وازدياد الطلب على الأصول السائلة، ونقص السيولة المالية، وهو ما أدى في النهاية لعدم التوسع في عمليات الائتمان.
3. يعتبر تركيز الإقراض التقليدي في مجالات معينة كالعقارات التجارية، مصدراً مشتركاً للمشاكل الرئيسة للائتمان المصرفي في جميع أنحاء العالم، وذلك لأن جل أموال المصارف التجارية هي ودائع تحت الطلب (قصيرة الأجل)، وبالتالي فإن توظيفها في استثمارات طويلة الأمد كالتمويل العقاري كان سبباً لحدوث الانهيار المصرفي.
4. السعي وراء الربح والتوسع السريع في أي طريق في ظل منافسة شرسة بين المؤسسات المالية الكبرى، فارتفعت نسبة الإقراض مقارنة بحجم الودائع فكان من الطبيعي أن تظهر بوادر التعثر وانخفاض نسبة السيولة.
5. تجاوز مبادئ أساسية لأصول التمويل المصرفي وهو جدارة العملاء والقدرة على السداد والموازنة بين المخاطر والربحية والعمل على الحفاظ على الاستقرار والاستمرارية.
6. تشجيع البيع على المكشوف والمشتقات ونحوها من المعاملات (الصفرية) وهي المعاملات تناقض الأسس الأخلاقية للتعامل بين الناس وتجعل النشاط الاقتصادي ميدانا للمقامرة والميسر تحت اسم تداول الأصول المالية، لا محللا للعطاء المتبادل والجهد المشترك كما أرادته الفطرة السوية.
إفلاس بنك ليمان براذرز والنزاهة والشفافية
1. كشف إفلاس بنك ليمان براذرز عن سيادة الأنانية والطمع، ومحاولة الربح السريع من خلال علاقات غير عادلة في تجاهل تام للأثر الكبير الذي سيقع على المجتمع الإنساني.
2. تفشي معالم الفساد في الأزمة المالية في سلوك الأفراد والمؤسسات الاقتصادية في عدة مجالات منها تقدير قيمة الضمانات التي يتم بموجبها تقديم القروض ودور الرشاوي والمصالح المتبادلة في اتخاذ القرارات بمنح التمويل التصنيف والرقابة ودراسات الجدوى.

المصدر:
محمد العزاوي وعبد السلام خميس ، دور الرقابة المالية والمصرفية في التنبؤ بالانهيار المصرفي بنك ليمان براذرز Lehman Brothersالأمريكي نموذجا، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الرابع لكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية جامعة العلوم التطبيقية الخاصة، عمان – الأردن 2012.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منذ الإطاحة بالفاشية حتى المرحلة الراهنة.. ما مسار الانتخابا


.. كاميرا الجزيرة تنقل أحوال الناس في جنوب خاركيف بعد الانسحاب


.. الاتحاد الروسي.. كيف تغيرت مساحته ودوله عبر الزمن؟




.. مقتحمو المصارف في لبنان يثيرون جدلا بين الشعب والسلطات


.. فؤاد عودة: حركة 5 نجوم يحصل على نحو 13,5 من أصوات الناخبين ف