الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المصروفات السرية

أحمد فاروق عباس

2022 / 8 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


أثناء مرورى في شارع قصر العينى منذ فترة لبعض المهام ، وجدت أمامى دار روز اليوسف ومكتبتها ، فقررت الدخول إلى المكتبة ..
تجولت بداخلها واشتريت منها الجزء الأول من أعداد مجلة الصرخة ، وهى مجلة أصدرتها روزاليوسف عام ١٩٣٠ بعدما أغلقت حكومة إسماعيل صدقى مجلتها الاصلية (روزاليوسف) ..
والمجلد الذي يحتوى على مجلة الصرخة أصدرته دار روزاليوسف عام ٢٠١٣ ، لإتاحة تراثها القديم أمام أجيال جديدة لم تعاصره ..
رجعت إلى المنزل ، وليلاً تصفحت بسرعة أعداد المجلة القديمة ..
المهم .. وجدت فى أعداد مجلة الصرخة إشارات متعددة لما كان يطلق عليه " المصروفات السرية " وهى الأموال التي كانت تعطيها حكومات ما قبل ١٩٥٢ للصحفيين تشترى بها ولاؤهم ، ومن الأمثلة المذكورة فى المجلة الآتى :
- مبلغ خمسة آلاف جنيه ( أسعار عام ١٩٣٠ ، وهى ربما تساوى نصف مليون جنيه الآن ) من الحكومة للأهرام لمساندة الحكومة وسياستها فى موضوع الدستور الجديد ، الذى أصدره إسماعيل صدقى فى ذلك العام !!

- أحد الصحفيين ومالكى الصحف القدامى ، واسمه سليمان فوزى ، ذكر بنفسه أنه اخذ هو وصحيفته مبلغ خمسة آلاف جنيه من الحكومة ، وبرغم ذلك فهو يشكو أن المبلغ بالكاد يغطى خسائر صحيفته !!
- أن جملة ما انفقته حكومة إسماعيل صدقى لشراء الصحفيين حتى نهاية أكتوبر ١٩٣٠ هو واحد وثلاثون ألف جنيه ، وأن الوزارة طلبت فتح اعتمادات جديدة إضافية لهذا البند !!

خطر ببالى تقليد مازال مستمراً في الصحافة والحياة العامة المصرية حتى الآن ، هو استهجان أو الكلام عن شراء الحكومة " المصرية " للصحفيين " المصريين " واتهامها واتهامهم معها بأشنع الصفات ، ولكن لا يجرؤ أحد - ولو بمجرد الهمس - على الكلام عن شراء الحكومة الأمريكية أو الحكومة البريطانية أو السعودية أو التركية أو حتى الإسرائيلية لصحفيين " مصريين " !!
ويمر الجميع مرور الكرام على حكايات لا تنتهى فى هذا الشأن !!
١ - لا يتكلم أحد أن صحيفة كاملة - كصحيفة المقطم وطاقم صحفييها - كانت هى الناطقة بلسان الاحتلال الانجليزى لمصر ، وأنها كانت تأخذ أموالها ومرتبات محرريها من الخزانة البريطانية !! وأعداد صحيفة المقطم أصبحت متاحة الآن على الانترنت ، وقراءة بعض أعدادها تصيب الإنسان بالغثيان !!

٢ - لا يذكر أحد أن واحداً من أكبر الصحفيين المصريين - هو الأستاذ مصطفى أمين - أنشأ أخبار اليوم عام ١٩٤٤ بمساندة ودعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية ، وحتى عندما ضبط متلبساً بعد ٢٠ سنة بالتجسس لمصلحة أمريكا - فى صيف ١٩٦٥ - وسجن ٩ سنوات ، وجد - ويجد حتى الآن - من يدافع عنه ويحاول تبرئته !!

٣ - أن صحفيين وكتاب مصريين كانوا " متفهمين " لسياسات إسرائيل مثل الكاتب على سالم والدكتور عبد العظيم رمضان !!

٤ - أن صحفاً جديدة نشأت بوحى - وربما أكثر من الوحى - أمريكى ، مع الهبوط الأمريكى القوى على السياسة المصرية بعد إعلان مشروع الشرق الأوسط الكبير فى فبراير ٢٠٠٤ ، ويذكر جو السياسة المصرية فى هذا الإطار صحفاً مثل المصري اليوم ( التى صدرت في يونيو ٢٠٠٤ ) ، ونهضة مصر ، وبعدها بسنوات صدرت الشروق ( فبراير ٢٠٠٩ ) مع الموجة الأمريكية الجديدة للعب في الشئون المصرية ، مع دخول باراك أوباما البيت الأبيض فى يناير ٢٠٠٩ ، واستعداداً للربيع العربي !!

- أن إعلاميين وكتاب مصريين تفتح لهم المخابرات التركية والمخابرات القطرية القنوات الفضائية ، والمواقع الإلكترونية ، ودور النشر ، ويتلقون أموالهم من تلك الجهات بدون أن يطرف لهم جفن ، ويبرون ذلك لأنفسهم ولغيرهم بانهم بذلك يبحثون عن الديموقراطية الضائعة في مصر ، وكأن المخابرات التركية والمخابرات القطرية ستسلمهم تلك الديموقراطية تسليم مفتاح ، وما عليهم سوى النزول بها الى مصر ، يجلسون هم على مقاعد السلطة ، وتذهب المخابرات التركية والمخابرات القطرية إلى حال سبيلها ، قانعة بالحسنات والثواب التى ستأخذه من رب العالمين ، بدون أن يكون لها فى مصر غرض أو مطمع !!

لا يتحدث أحد عن ذلك ولا يذكره ، ولكن يذكر فقط أن الحكومة المصرية تشترى صحفيين مصريين ، وهو حقيقى بالمناسبة ..
ولكن الأمر بالنسبة للحكومة الأمريكية أو البريطانية أو التركية أو غيرهم يبدو أنه أصبح حق لهم في مصر لا يجادلهم فيه أحد !!!!

... وفى نفس السياق الكلام عن اللفظ الجديد ، الذى دخل قاموس السياسة المصرية فى الخمس سنوات الأخيرة ، وهو لفظ " التطبيل " وهو يستخدم لاستهجان من يقف مع الرئيس السيسي فقط أو الحكومة المصرية عموماً ، وتخويفه ورميه بأشنع الصفات حتى لا يكرر تلك الخطيئة بعد ذلك ، وجعله يتوقف خوفاً أو راحة للدماغ !!
لكن أن يدافع أحد أو " يطبل " لدولة أخرى فلا يستحق لوم أحد !! وبالتالي أصبح فى مقدورك " التطبيل " لاردوغان مثلا او لحاكم قطر الأمير تميم دون أن يتهمك أحد بشئ !!

وخلاصة القول ..
- المصروفات السرية " مستهجنة " لو جاءت من الحكومة المصرية لصحفيين أو إعلاميين مصريين ، لكنها " جريمة " لو جاءت من حكومة أجنبية لصحفيين مصريين ..
- النفاق للحكومة المصرية أو التطبيل لها بالحق والباطل "مستهجن" أيضاً ، ولكن هو " عار " على من يمارس ذلك النفاق أو التطبيل لحكومة دولة أجنبية ..

لكن أن يتغير الزمن ، ويصبح " التطبيل " للدولة المصرية مستهجناً ، بينما " التطبيل " للدولة التركية مثلا أو القطرية شئ عادى ، فهو مما يدخل في باب العجائب !!
ويصبح استحسان سياسة عبد الفتاح السيسي تطبيلا ، بينما استحسان سياسة اردوغان أو تميم بن حمد شيئاً عادياً فهو يدخل في باب الغرائب !!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حريات دينية: لماذا أبقت واشنطن على الجزائر -تحت المراقبة-؟


.. السودان.. توقيع اتفاق يمهد لفترة انتقالية مدنية بين مجلس الس




.. مصادر سكاي نيوز عربية: تركيا تكثف قصفها المدفعي على مواقع قو


.. ترامب يدعو لإنهاء مواد ولوائح دستورية لإعادة النظر في نتائج




.. كوريا الشمالية تطلق أكثر من 130 قذيفة مدفعية بعد تدريبات عسك