الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جدل الثقافة والعولمة (*)

عبدالله تركماني

2022 / 8 / 24
العولمة وتطورات العالم المعاصر


يدفعني إلى إعادة نشر هذه المحاضرة التي أعددتها منذ 22 عاماً، مع إجراء بعض التعديلات لربط الماضي المنظور بحاضرنا العربي البائس، الذي تمزقه الهويات والخصوصيات الثقافية، وتهدده " الهويات القاتلة ".
منذ بداية تسعينيات القرن الماضي أصبحت العولمة الإطار المرجعي لأغلب الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وبرزت تساؤلات مشروعة عن طبيعتها، وعن حقائقها وأوهامها، وعن فرصها ومخاطرها، وعن كيفية التعامل مع تداعياتها.
ولكنّ قراءات هذه الظاهرة اختلفت باختلاف مواقع المفكرين ومناهجهم التحليلية وخلفياتهم الأيديولوجية، لكنها أجمعت على أنّ العولمة هي نسق فكري وأسلوب عمل يتسم بشمولية لا تقبل التجزئة بين ما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي. إنها منظومة متكاملة يوحدها منطق السوق، وتؤطرها استراتيجية تتأسس على تنميط السياسة والثقافة والمجتمعات بشكل عام.
ويبدو لنا أنّ المهمَّ هو تقصّي مضمون ما يحدث في عالم اليوم، خصوصاً وأنّ الظاهرة في حالة سيولة، ومن أهم تعاريف العولمة يمكن أن نذكر:
- اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش. فالعولمة، بهذا المعنى، تشير إلى "وعي وإحساس الأفراد في كل مكان بأنّ العالم ينكمش، ويتقلص، ويقترب من بعضه بعضاً. إدراك العالم لمثل هذه الحركة يعني أنّ العولمة قد أصبحت حقيقة حياتية معاشة في الواقع وفــي الوعي" .
- مرحلة جديدة من مراحل بروز وتطور الحداثة، تتكثف فيها العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي، حيث يحدث تلاحم غير قابل للفصل بين الداخل والخارج، ويتم فيها ربط المحلي والعالمي بروابط اقتصادية وثقافية وإنسانية .
- هي حقبة التحوّل الرأسمالي العميق للإنسانية جمعاء، في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها، وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غيــــــر المتكافئ .
وفي الواقع، فإنّ تعريف العولمة هو أمر شائك، وتوجد صعوبات كبرى أمام القبول بتعريف واحد ومحدد لهذه الظاهرة ذات المضمون الديناميكي الذي يشير إلى عملية مستمرة من التحوّل والتغيير " إنّ الظاهرة ما تزال بصدد التبلور، ولم تتحدد معالمها بصفة واضحة ونهائية، وهي محل جدل في عقر دارها بين مختلف تيارات النخبة، وليس هنالك من يستطيع اليوم التكهن بمستقبل هذا المشروع الكوني الجديد " .
وفي هذا السياق، يدور نقاش كثيف حول الثقافة والعولمة، وتبرز أسئلة وإشكاليات كثيرة: هل من الممكن الجمع بين المصطلحين؟ هل تقبل الثقافة أن تصبح عالمية أم تظل غير مؤهلة لهذه الخاصية؟
لا شك بأنّ الخطاب الثقافي، في ظل ما تشهده المجتمعات المعاصرة من تحديات وتحوّلات، هو خطاب الأزمة. ولعلَّ أحد أهم ملامح هذه الأزمة تكمن في محاولة التعرف على عناصر ومكوّنات ثقافة العولمة وأدواتها الوظيفية، وكذلك ما تنطوي عليه " عولمة الثقافة " من قضايا، مثل: الثقافة الوطنية، الهوية الحضارية، الخصوصية القومية. وهنا تثار تساؤلات هامة منها: ثقافة العولمة أم عولمة الثقافة؟ هل سوف تنتج العولمة ثقافة جديدة خاصة بها؟ وهل ستقوم الحضارة الإنسانية الجديدة على تنوّع روافدها الحضارية أم سيفرض نموذج حضاري واحد؟ هل نحن إزاء عملية تثاقف، بما تعنيه من إصغاء متبادل من سائر الثقافات إلى بعضها، أم إزاء عنف ثقافي مفروض بقوة المال والسلاح؟
وهنا تبرز أهمية الوعي النقدي بالعولمة والخصوصية الحضارية في آن واحد، بحيث لا يتوجه فعل المساءلة إلى اتجاه واحد بل إلى اتجاهين اثنين، وذلك بقصد مناقشة قضايا العولمة بالصراحة نفسها التي تناقَش بها قضايا الهوية الحضارية. ولعلنا نتمثل ما دعا إليه المهاتما غاندي حين قال " لا أريد لبيتي أن تحيط به الأسوار من كل جانب إلى أن تسدَّ نوافذه، وإنما أريد بيتا تهبُّ عليه بحرية تامة رياح ثقافات الدنيا بأسرها، لكن دون أن تقتلعني إحداها من الأرض ". وتبدو أهمية هذه الحكمة الهندية فيما إذا أدركنا الدور البارز للثقافة في تشكيل المجتمع الكوني الموحد في القرن الواحد والعشرين.
I- ثقافة العولمة: الأدوات والمظاهر والتأثيرات
شهد عقد التسعينيات مناقشات خصبة وجادة حول دور الثقافة ومستقبلها في ظل العولمة، بوصفها قضية تتصل بسائر نشاطات الإنسان ومستقبله، وبالطريقة المنشودة لتعامله مع ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. فإلى جانب المفكرين والمثقفين شاركت المنظمات الدولية المعنية مشاركة فعالة في استجلاء جوانب هذه القضية، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو التي طورت اهتمامها بقضية الثقافة، وخصصت العقد الأخير من القرن العشرين لمسألة التنمية الثقافية، ووضعت برامج ونظمت ندوات من أجل التنمية الثقافية في مواجهة المستقبل.
وهكذا، يشهد العالم مرحلة إعادة نظر جذرية في قضية الثقافة، بل إعادة اعتبار لها من زاوية استراتيجيات المستقبل، خاصة وأنّ التطورات الجارية تبشّر بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادي والتقدم التكنولوجي، ومراكز البث الإلكتروني. فكان من نتيجة تلك التطورات أن انتشرت مصطلحات جديدة "مجتمع المعلومات " و " مجتمع الاستهلاك " و " ما بعد الحداثة " و " ما بعد المجتمع الصناعي ".
إنّ العولمة ترتبط أشدَّ الارتباط بالثورة العلمية والمعلوماتية الجديدة، التي تمثل أحد أهم معالم اللحظة الحضارية الراهنة، بحيث يمكن القول: إنّ العولمة والثورة العلمية والتكنولوجية هما وجهان لا ينفصلان لسياق تاريخي وحضاري واحد. لقد تحوّل العلم والثورات العلمية إلى قوة من القوى الكاسحة التي تصنع الأحداث وتشكل المستقبل وتعيد ترتيب أولويات الدول والمجتمعات والأفراد. فمن يمتلك هذه القوة ويحسن توظيف نتائجها، يمتلك مصيره، ويعرف كيف يتدبر شؤونه، ويتمكن من التأثير في الآخرين.
وبذلك ستتميز ثقافة القرن الواحد والعشرين بالانتقال من الفطري إلى المكتسب، ومن البسيط إلى المعقد، ومن التقليد إلى التجديد. وفي إطار كل ذلك سوف تترسخ ثقافة الفكر النقدي، الذي لا يسلّم بقضية إلا إذا اقتنع بعقلانيتها. ولكنّ ذلك سيتم في ظل تراجع الثقافة المكتوبة إلى حدٍّ بعيد، لأنها ليست من الأدوات الوظيفية لثقافة العولمة. أي أنّ الصورة هي المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد، وهذا في أساس شعبيتها وتداولها الجماهيري الواسع، بل هذا في أساس خطورتها في الوقت نفسه.
غير أنه ينبغي ألا يرسخ في الأذهان أنّ تكوين مجتمع المعلومات الكوني عملية هينة، ذلك أنه تقف دونه تحديات عظمى ينبغي مواجهتها: أولها، المعركة الدائرة حول " ديمقراطية المعلومات " التي هي الشرط الموضوعي الذي لا بدَّ من توافره لتفادي الشمولية والسلطوية، بما يتيح للمواطن المساهمة المباشرة في عملية صنع القرار على كل المستويات المحلية والحكومية والكونية. وثانيها، تنمية الذكاء الكوني، بما يعني القدرة التكيفية للمواطنين على مواجهة الظروف الكونية المتغيرة بسرعة.
أما بالنسبة لإعلام العولمة فإنّ سلطانه قد عم العالم، إذ هناك مئات من الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض مُرسلة إشارات لاسلكية تدعو إلى العولمة. فبواسطة الصور على شاشات أجهزة التلفزيون، تتوحد الأحلام، وتتدغدغ الأماني، وتتحرك الأفعال.
وبذلك فهو سلطة تكنولوجية ذات منظومات معقدة، لا تلتزم بالحدود الوطنية للدول، وإنما تطرح حدوداً فضائية غير مرئية، ترسمها شبكات اتصالية معلوماتية على أسس سياسية واقتصادية وفكرية وثقافية، لتقيم عالماً من " دون دولة ومن دون أمّة ومن دون وطن "، هو عالم المؤسسات والشبكات التي تتمركز وتعمل تحت أمرة منظمات ذات طبيعة خاصة، وشركات متعددة الجنسيات، يتسم مضمونه بالعالمية والتوحد على رغم تنوّع رسائله التي تُبثُّ عبر وسائل تتخطى حواجز الزمان والمكان واللغة، لتخاطب مستهلكين متعددي المشارب والعقائد والرغبات والأهواء.
وهكذا فإنّ النفوذ الذي يتمتع به إعلام العولمة لم يعد خافياً على أحد، سواء أكان ذلك الأمر بالنسبة للشعوب أم الحكومات، إذ استطاع أن يجبر حكومات الدول على الاهتمام بقضايا ومشكلات ظلت، إلى وقت قريب، بعيدة عن دائرة اهتماماتها، كقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومشاكل الأقليات القومية والدينية. كما استطاع العمل على تحويل المجتمعات والبيئات الداخلية للدول إلى مجتمعات وبيئات عالمية، وهو أمر أثر في السياسات الداخلية وصانعيها في الدول المختلفة. وأخيراً، وليس آخراً، استطاع أن يكفل محيطاً ثقافياً واسعاً، ونظرة أشمل إلى العالم، وعمقاً في الاتصال الإنساني عبر رسائله المبسّطة في عالم مليء بالتعقيدات، والأهم من ذلك أنه استطاع الدفع بالإنسان خطوات واسعة في طريق السلوك الاستهلاكي.
وبذلك من المتوقع أن تنمو قيَم الديمقراطية وحرية الرأي، والمشاركة الفعلية في الحياة السياسية، وتحلَّ محل الانفراد والاستئثار بالحكم وتركيز السلطة في أيدي نخبة سياسية قليلة العدد تحتكر لنفسها كل مظاهر وفوائد السيادة وتعمل على كبت الرأي الآخر في سبيل المحافظة على مكاسبها. وفي ظروف العولمة الجديدة لم تعد الديمقراطية مجرد مطلب ترفعه هذه الفئة أو تلك من القوى الاجتماعية والسياسية، ولا مجرد دعوة ثقافية تُعقد لها الندوات والملتقيات، ولا هي سياسة تتوخاها الدول العظمى لاعتبارات استراتيجية ثقافية وأمنية فحسب، بل هي كلُّ ذلك وتمثّل، فوق ذلك كله، مصلحة وطنية وقومية جامعة. فيها تستقر أوضاع الدول، وعن طريقها يقوم التعاون والتكامل بينها .
ومن جهة أخرى، فإنّ التغيير سيطال أسس العمل نفسها، ذلك أنّ العمل في أي حقل كان سيتوقف على إدارة المعلومات والتصرف بها عبر الأدمغة الاصطناعية ووسائل الإعلامية. ولذا سنشهد ولادة فاعل بشري جديد هو الإنسان الذي ينتمي إلى عمّال المعرفة (ذوي الياقات البيضاء) الذين يردمون الهوة بين العمل الذهني والعمل اليدوي، إذ لا فاعلية في العمل من غير معرفة قوامها الاختصاص والقدرة على قراءة رموز الشاشات، مما سيطرح مفهوماً جديداً هو " العمالة المعرفية ".
ومهما كان أمر الحركات الفكرية المختلفة، بما فيها حركة " ما بعد الحداثة " التي قد لا تعنينا كثيراً في العالم العربي على اعتبار أننا لم ننخرط في عمق الحداثة أصلاً ، فمن المؤكد أنّ تنمية منظومة تكنولوجيا المعلومات ودمجها العضوي في مؤسساتنا التعليمية ومجتمعاتنا تشكل حاجة ملحة في عصر العولمة. مع العلم أنّ هذه المنظومة تحمل في طياتها قيماً معرفية وثقافية هامة، إنها القيم المتصلة بالحاضر والمستقبل، إنها المنهج النقدي الذي يستفزُّ ركوننا إلى المسلمات الموجودة، ويحثنا على مراجعتها وإعادة النظر فيها.
وإزاء متغيّرات هذا الزمان الثقافي الكوني لا بدَّ من توظيف التعليم في إطار ما تموج به ثقافة العولمة من ثورات وقوى معرفية أرستها المنجزات العلمية والتكنولوجية، وما أفرزته من نظم المعلوماتية وشبكة الاتصالات والفضائيات. وفي الواقع، لم يعد ثمة سقف في التنوّع والسرعة والقدرة على نمو البحث العلمي، حيث يتأكد يوماً بعد يوم أنّ المعرفة، وليس مجرد توافر الموارد الطبيعية أو الأسلحة، هي القوة الحقيقية.
وهنا يبرز السؤال عن أبعاد التحرك المستقبلي نحو امتلاك ناصية العلم والمعرفة في عصر العولمة؟ إذ تظل مقولة التعليم هو الحل، في مواجهة التحديات الكونية، صحيحة. لأنه هو الذي يتمكن من الإسهام في تنمية بشرية كفيلة ببعث الحيوية والتجدد في مجتمعاتنا .
وهكذا، فإنّ مظاهر العولمة كلها تشير إلى أنّ الإنسانية تتجه نحو ثقافة عالمية ومشتركة، فلم تعد منظمة اليونسكو تتردد في الحديث عن أخلاقيات عالمية جديدة، ففي تقريرها عن " التنوّع البشري الخلاّق " دعوة واضحة إلى عولمة تتسم بوحدة وتنوّع الثقافة الإنسانية معاً. وقد أصبح الشعور بوحدة هذا الكوكب حقيقة وليس مجرد أمنيات، سواء أكان ذلك من خلال سرعة التعرف عما يجري في العالم، أو الإحساس بمشكلات قد تتجاوز حدود الدول مثل الإرهاب والمخدرات والأوبئة والجريمة المنظمة وغيرها.
إنّ العالم صار مترابطاً بصورة عضوية، بحيث أنّ ما يحدث في أي بقعة فيه يؤثر في جميع بقاعه الأخرى مهما تباعدت المسافات، أو تنافرت الثقافات، أو اتسعت فجوة التطور والرفاهية والنمو. فكأن الشؤون العالمية قد أخذت تقترب من المعنى الاجتماعي لتعبير " القرية العالمية " أو " القرية الإلكترونية العالمية "، الدالِّ على عمق الروابط وشدة الاعتماد المتبادَل ومدى الحاجة إلى التضامن بين سكان كل بلاد العالم لدفع الكوارث عنه وتقريب الآمال الكبيرة إليه .
ولكن ثمة اتجاهات في الغرب تعمل على تعطيل هذا الميل نحو ثقافة عالمية قائمة على التنوّع البشري الخلاّق، ومن ذلك فكرة " صراع الحضارات " التي أطلقها صموئيل هنتغتون والتي تتناقض مع فكرة العولمة التي يُفترض فيها أن تقوم على التنميط أو التوحيد الثقافي.
وكذلك ثمة خطر يهدد ثقافة العولمة يتمثل في تسليع الثقافة، إذ يخضع الإنتاج الثقافي إلى متطلبات قوانين السوق، أي هاجس الربح، مما قد يفقر الإبداع الفكري والذوق العام، ويسد في المجال أمام المواهب المجدِّدة. إضافة إلى قيامها بعملية تسطيح الوعي، واختراق الهوية الثقافية للأفراد والجماعات والأمم. إنها ثقافة إعلامية، سمعية وبصرية، تصنع الذوق الاستهلاكي اقتصادياً، والرأي العام سياسياً.
II- عولمة الثقافة: الأهداف والنتائج
بداية يجدر بنا أن نميّز بين تعبيرَي " عولمة الثقافة " و " العولمة الثقافية "، ففي حين أنّ الأول ينطوي على تنميط ثقافات العالم طبقاً لنموذج عالمي واحد، بل أمريكي واحد، فإنّ الثاني ينطوي على عملية التثاقف التي تساعد على الحوار البنّاء بين الثقافات والحضارات المختلفة.
وإذا كانت العولمة الاقتصادية واضحة كل الوضوح فإنّ العولمة الثقافية ليست بالوضوح نفسه، فالعالم ما زال بعيداً عن أن يكون معولماً عولمة ثقافية. ذلك أنّ دول العالم، التي تتدافع وتتنافس للأخذ بسلع ومنتجات وخدمات العولمة الاقتصادية، تبدو أقل اندفاعاً وإقبالاً وأكثر تردداً وتمهلاً في اندفاعها نحو مفاهيم وقيم وأفكار العولمة الثقافية. ولكن، رغم هذا الموقف المتردد والتخوف الملحوظ، فإنّ الحياة الثقافية تظهر ميلاً واستعداداً واضحين للعولمة، ويعود ذلك إلى " أنّ الأفكار والقيم والمفاهيم والقناعات تحمل في أحشائها دائماً بذور العولمة، بمعنى الانتشار الحر من دون قيود، والانتقال العابر للحدود، والتوسع على الصعيد العالمي " .
إنّ عملية التثاقف و" الانصهار " في الثقافة الكونية تتم ضمن صيرورة جدلية معقدة، ولكنّ " الانصهار " يمثل مكسباً ثميناً للثقافات الوطنية من جهة، وللعولمة الثقافية من جهة ثانية. وينبغي ألا نخلط بين ما تقدمه العولمة الثقافية من مكاسب لتقدّم البشرية وبين استغلالها سياسياً من طرف القوى الدولية المهيمنة. إذ إنّ السعي من أجل تقارب الحضارات وربط الثقافات وتعزيز الهوية العالمية، وربما أيضاً خلق عالم بلا حدود ثقافية، هو مجرد وجه واحد من الوجوه العديدة لـ "عولمة الثقافة". ذلك أنه بقدر ما أنّ التوجه العام هو نحو تقارب الثقافات والحضارات، فإنّ "عولمة الثقافة" يمكن لها أن تتجه نحو صراع الحضارات، ونحو الهيمنة الثقافية لثقافة واحدة على سائر الثقافات، ونحو نشر الثقافة الاستهلاكية وجعلها الثقافة الأكثر رواجاً على الصعيد العالمي. إنّ " عولمة الثقافة " التي تمهد الطريق لترابط المناطق الثقافية بإمكانها أيضاً أن ترسّخ انقسام العالم إلى مناطق حضارية مغلقة، قابلة للمواجهة مع بعضها.
إننا لا ننكر أنّ للعولمة الثقافية جوانب سلبية بالنسبة لثقافات الشعوب المتأخرة اقتصادياً وتقنياً وثقافياً، ولكنّ مقاومة هذه الجوانب السلبية يجب أن تتم ضمن معركة داخلية تخوضها شعوب عالم الجنوب ضد الظلم والاستبداد والرداءة السياسية والثقافية، ومن أجل الحريات العامة، والديمقراطية والإبداع.
III- الهوية والخصوصيات الثقافية وضرورة تجسيد التنوّع البشري
يكاد سؤال الهوية يكون الهاجس الوحيد الثابت في أية مقاربة لسيرورة " عولمة الثقافة "، خاصة أنها أدخلت العالم في تفاعلات ومواجهات لم يعرفها من قبل، بسبب إسقاطها المستمر لحدود الزمان والمكان. لذلك أصبحت الشعوب والدول والثقافات أكثر حاجة للبحث عن شروط ومواصفات تؤكد اختلافها وتمايزها، بقصد تكوين علاقة واضحة بين الأنا والآخر.
إنّ أشد ما يقلق البعض في قضية العولمة هو ما لها من آثار على الهوية والخصوصيات الثقافية، وهو قلق له ما يبرره في ظل ما نراه من محاولات قوى الهيمنة الاقتصادية تنميط سلوكيات البشر وثقافتهم في المجتمعات كافة وإخضاعها لنظام قيم وأنماط سلوك سائدة في حضارة استهلاكية. إذ يحمل فيض الأفكار والمعلومات والصور والقيَم القادمة إلى كثير من المجتمعات إمكانية تفجّر أزمة الهوية، التي أصبحت من المسائل الرئيسية التي تواجه التفكير الإنساني على المستوى العالمي. وفي سياق هذه الأزمة تنبعث العصبيات القبلية والطائفية والمذهبية والقومية الضيقة، وتزداد الرغبة في البحث عن الجذور وحماية الخصوصية.
ومن المؤكد أنّ هاجس الهوية والخصوصية الثقافية نابع مما تعانيه ثقافات دول عالم الجنوب من ضعف أو خضوع للثقافات الأخرى في عالم الشمال، ولعلَّ ذلك يعود أساساً إلى التبعية الثقافية، بما تمثله من علاقة غير متكافئة وسطوة معنوية للثقافات السائدة .
على أنّ بعض الدراسات تحاول التركيز على تاريخية ونسبية الهوية وعدم الإقرار بثباتها، مما يجعلها مرنة قد تتعايش أو تقتبس من ثقافات أخرى، بل قد تساعدها عوامل التقارب وسقوط الحواجز على تفاعل إيجابي وخلاّق مع العولمة. لذلك، قد يكون السؤال ليس كيف نقاوم العولمة ونحمي أنفسنا منها، إنما كيف نعيش عالمنا الراهن بواقعية ودون تناقضات وتأزم وبلا إحساس بعقدة نقص أو خوف؟ كما أنّ بعض المقاربات ترى أنّ العولمة لا تهدد الهوية بالفناء أو التذويب، بل تعيد تشكيلها أو حتى تطويرها لتتكيف مع الحاضر، فالإنسان يتجه نحو إمكانية أن يعيش بهويات متعددة، دون أن يفقد أصالته القومية .
وعلى هذا الأساس يتكون مفهوم جديد للحضارة العالمية، فالعالم لم يعش وحدته في أيَّة لحظة من تاريخه كما يعيشها اليوم في ظل ثقافة العولمة. غير أنّ هذه الوحدة تبقى مهددة بالصراع إذا لم تأخذ بعين الاعتبار التعبير الحر للثقافات المتعددة واحترامها المتبادل. وفي هذا السياق، يشكل مفهوم " تعدد الثقافات " إطاراً للرد على حاجتين متزامنتين ولكن مختلفتين تماماً : الأولى، الانعتاق النفسي في المجتمعات المستعمَرة سابقاً من الاستلاب والتبعية للثقافة الغربية، أو بالأحرى التعويض عن هذه التبعية وذاك الاستلاب بتأكيد استقلالية ثقافية مفقودة وربما العمل على إيجادها. والثانية، هي الانعتاق في المجتمعات الغربية السائدة من المسؤولية الأدبية تجاه المصير المزري الذي لاقاه ويلاقيه عالم الجنوب النامي، والتحلل من عقدة الذنب الاستعمارية السابقة.
وفي القرن الحادي والعشرين تواجه البشرية خيارات مختلفة: إما إعادة إنتاج نظام الهيمنة القديم تحت شعار النظام العالمي الجديد، أو خلق نظام ما بعد الهيمنة والذي سيستمد مضمونه من البحث عن أرضية مشتركة بين التقاليد المكوّنة للحضارة الإنسانية. وتتمثل هذه الأرضية المشتركة بـ:
(أ)- الاعتراف المتبادَل بالتقاليد المميّزة للحضارات الإنسانية المتعددة.
(ب)- تجاوز نقطة الاعتراف المتبادَل والاتجاه نحو تقبّل التفاعل بين الهويات الثقافية المتعددة والتي تسمح بالتعايش بين مختلف التقاليد الحضارية.
ومن أجل الوصول إلى أرضية مشتركة لحوار الحضارات ينبغي على مثقفي الحضارات التاريخية المختلفة أن يلعبوا دوراً نشطاً، من أجل تطبيق وتفعيل الحوار بصورة خلاقة. وتبدو أهمية هذا الدور بعد أن أفضت التطورات العميقة في تكنولوجيا الاتصال إلى حقيقة أنّ المجتمعات قد صارت تتصل ببعضها البعض بدرجة مدهشة ومتعاظمة من الكثافة. لقد صار من الممكن أن ينتقل الناس وأفكارهم والمعلومات الصادرة منهم أو عنهم في اللحظة نفسها التي يفكرون فيها أو يمارسون عملية الإنتاج الفكري إلى كل مكان في العالم.
لقد بدأت فكرة " الحوار بين الحضارات " تنتشر وتتطور بموازاة فكرة " صراع الحضارات " وفي مواجهتها، وكان أول من تلقفها المنظمات الثقافية الدولية. ففي مواجهة الصراعات المتزايدة حول مفاهيم الهوية وأيديولوجياتها، تكتسب أفكار الحوار والتنوّع البشري الخلاق، التي تبنتها منظمة اليونسكو، جمهوراً متزايداً في أوساط النخب الثقافية والسياسية، باعتبارها تهدف إلى احترام الاختلاف بوصفه سبيلاً للاتفاق، وتأكيد أنه ما من أمل في سلام البشرية إذا ما ظلت حضارة من الحضارات أو ثقافة من الثقافات أو أمة من الأمم تمارس قهراً سياسياً أو فكرياً على غيرها من الحضارات أو الثقافات أو الأمم، بدعوى أنّ الطبيعة والتاريخ ميزاها على غيرها بما لا يمتلكه سواها. فمستقبل البشرية مرهون بالاحترام المتبادل، والتخلّي عن رواسب التمييز العرقي أو التعصب المذهبي، والتسليم بأنّ إنكار الخصائص الثقافية أو الحضارية لشعب من الشعوب إنما هو نفي لكرامة هذا الشعب وكرامة الإنسانية جمعاء.
ويترتب على ذلك الإسهام في تأصيل نوع واعد من الأخلاق الإنسانية التي تجمع بين الشعوب بعيداً عن احتمالات الاستغلال والتمييز، والبحث عن إمكانات تأصيل الأبعاد المدنية للمجتمعات المختلفة، بما يؤكد التفاعل لا الصراع، والتسامح لا التعصب. كما تسعى تلك النزعة إلى أن تستبدل بالحركة وحيدة الاتجاه لرأسمال الشركات متعدية ومتعددة الجنسية حركة مغايرة من الاعتماد المتبادل، الذي ترعاه منظمات دولية لا تسعى إلى زيادة الفقراء فقراً والأغنياء غنىً.
ولا يفارق الوعي بهذه النزعة منطق المساءلة الذي يضع لوازم العولمة موضع البحث، كاشفاً عن إمكاناتها واحتمالاتها المتعارضة، لا من المنظور الذي يرى بعداً واحداً من الظاهرة، وإنما من المنظور الذي يلمح التناقض داخل الظاهرة نفسها، ومن ثم يكشف عن إمكانات أن تنقلب بعض الوسائل على غاياتها الأولية، فتؤدي وظائف مغايرة ومناقضة في حالات دالة. فلا شك في أنّ ثورة المعلومات وتقدم تقنيات الاتصال، الملازمة لعمليات العولمة، يمكن أن تؤدي إلى نقيض الهيمنة لو تم توظيفها بعيداً عن الاستغلال، ومن ثم إدراكها وإخضاعها لشروط مغايرة من علاقات الاعتماد المتبادل للتنوّع البشري الخلاق .
وفي هذا السياق، يبدو ضرورياً طرح السؤال التالي: كيف يمكن أن نجنّب الحوار خطر التحوّل إلى وسيلة للتغطية عن الأسباب الحقيقية للصراعات الدولية، بل خطر إعادة إنتاجها في الوقت نفسه من خلال تمثّلها وتصويرها على أنها نزاعات هوية وتعبير عن الحروب الثقافية؟
إنّ التقارب بين الجماعات لا يتحقق من خلال التقريب بين مذاهبها أو منظومات قيَمها أو مرجعياتها الثقافية الخاصة، ولا يتحقق - بالتالي- من خلال إضعاف ما تشعر أنه يمثل خصوصيتها، وإنما يتم ذلك التقارب بين الجماعات من خلال توسيع دائرة مشاركتها في مرجعيات إضافية، وتحريرها - من ثمَّ - من حتمية الاعتماد المطلق والأحادي على مرجعياتها الثقافية التاريخية. وهذا يعني إيجاد فرص أكبر لتنويع هذه المرجعيات، بحيث يبدو الانفتاح على الآخر إثراء للنفس لا إفقاراً لها.
كما يصح التساؤل عن مدى إخفاء الحديث عن " حوار الحضارات " حقيقة ما تتعرض له معظم ثقافات العالم من انسحاق وتهديد بالتفكك والدمار نتيجة للصعود الكاسح للثقافة الأميركية، نتيجة سيطرتها على شبكات العولمة الرئيسية. وحقيقة واقع أنّ الصراعات التي تجري في العالم ذات مصدر واحد هو التنافس على الموارد المادية والمعنوية. ولا يجدي الحوار في إزالة أسباب الصراع إذا بقي ذلك الحوار يدور في إطار التقريب بين الثقافات وتعريف كل جماعة بهوية الجماعة الأخرى. ولا قيمة له إلا إذا انتقل من كونه حواراً بين الثقافات أو الحضارات إلى حوار بين الجماعات على إعادة توزيع الموارد المادية والمعنوية، بما يستجيب للحد الأدنى من معنى العدالة كما تنشده الأغلبية الساحقة مـن البشرية .
ومن أجل أن يتوفر هذا الحد الأدنى، لابدَّ أن يكون الحوار ذا غلبة في العلاقات الداخلية داخل كل مجتمع. فعلاقات الحوار، التي تنطوي على التعددية وعلى الاعتراف بالآخر والتسليم بضرورة التداول السلمي للسلطة، وما يقتضيه ذلك كله من حياة ديمقراطية وعلاقات تتسم بالشفافية، يجب أن تكون هي المقولة المحتملة والمهيمنة على الصراعات الداخلية ونزاعات المجتمع الذاتية.
إنّ المعركة الحقيقية لا تكمن في مواجهة العولمة كعملية تاريخية، وإنما ينبغي أن تكون ضد نسق القيم السائد، الذي هو في الواقع إعادة إنتاج لنظام الهيمنة القديم. وهنا، على وجه التحديد، ينبغي تحديد طبيعة المعركة في النضال العالمي للقضاء على ازدواجية المعايير في تطبيق حقوق الإنسان، وإتاحة الفرصة للنخب الفكرية والسياسية لكي تبدع طرقها في ممارسة الديمقراطية طبقاً لمعايير الشرعة العالمية لحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق تبرز أهمية المجتمع المدني العالمي، المتكوّن من مجموعات من الناشطين الذين يفكرون بشكل عالمي، ويؤمنون بوحدة الجنس البشري وترابط مصيره، وينشدون الضغط على صانعي السياسة لإنتاج سياسات مواتية للسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والثقافية المتوازنة لكل الشعوب، مع احترام التعددية الثقافية والحضارية في الوقت نفسه. مما يثبت أنّ المعركة ضد التأثيرات السلبية للعولمة هي معركة شعوب العالم جميعها، معركة كل القوى التقدمية والديمقراطية، وكل هيئات ومنظمات ونقابات المجتمع المدني العالمي.
ومن المؤكد أنها ليست معركة ضد العولمة، التي هي ظاهرة موضوعية تاريخية متقدمة في التاريخ الإنساني، ولكنها معركة ضد الهيمنة لمصلحة عدد محدود من الدول والشركات الكبرى، من أجل تحويل هذه العولمة المتوحشة إلى عولمة إنسانية، تسودها المشروعية الدولية والتضامن العالمي والديمقراطية واحترام حقوق الدول بتنوع خصوصياتها الثقافية وهوياتها القومية، واختيار طرقها الخاصة للتنمية.
ولا شك أنّ الفجوة التاريخية بين الغرب، الذي أقلع نحو الحداثة منذ القرن السادس عشر، وانخرط فيها منذ القرن الثامن عشر (الإصلاح الديني، والثورة العلمية، والثورة الصناعية، وفلسفة الأنوار، والثورة الديمقراطية الحديثة...)، وبين شعوب عالم الجنوب التي فاتها قطار التحديث، جعلت مهام المثقفين مختلفة. ففي حين أنّ المثقف الغربي منغمس في تحديث الحداثة، فإنّ مثقف عالم الجنوب ما زال يحاول إدخال الحداثة إلى بلاده.
(*) في الأصل محاضرة ألقيت في إطار دورة أيلول/سبتمبر 2000 لـ" معهد الدراسات الدولية - جمعية الدراسات الدولية " بتونس. كما نُشرت في مجلة " الحياة الثقافية " الصادرة عن وزارة الثقافة التونسية، في العدد (120) لشهر كانون الأول/ديسمبر 2000.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيندي شو: المنطاد خرج عن السيطرة بسبب الرياح فوق هذه المنطقة


.. تحذيرات دولية وعراقية من نزوح سكان نينوى خلال العقد المقبل ب




.. ميدفيديف: إذا هاجمت كييف القرم ستتحول باقي أوكرانيا إلى رماد


.. البرتغال تعلن عزمها إرسال دبابات من طراز {ليوبارد 2} إلى أوك




.. السودان..دقلو يرحب بالبيان الختامي لمؤتمر جوبا للسلام ويؤكد