الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رحلة في مذكرات هاشم محمد عبد الله

قحطان محمد صالح الهيتي

2022 / 8 / 27
الادب والفن


ابدأ من حيث انتهى الدكتور هاشم في مقدمته، اذ قال:" أيها الانسان، أنا احبك"، فأقول له: أيها الرائع انا احبك، لأنك صدقت فيما كتبت.

حمل الكتاب عنوانين الأول مذكرات طبيب، والثاني يوميات طبيب، والكتاب من القطع الصغير جاء بـ(125) صفحة، تضمن مقدمة موجزة ولكنها معبرة، فضلا عن (78) مذكرة حملت عنوانين مختلفة. سأكتب عن هذه المذكرات على وفق تسلسلها ومسمياتها، وربما يتوه القارئ فيما كتبت.

يبدأ الدكتور هاشم مذكراته بمرحلة الماجستير التي خلص منها بحكمة معبرة هي: أن الطبيب الكفء عليه أن يكون إنسانا أولا في التعامل مع الحالات المرضية، وثانيا أن يتحرى الدقة في التشخيص...". وفي جولته قال:" إن أحجام اليافطات وشكلها ونوعها لا تدل على حجم الطبيب واختصاصه وخبرته الطبية، بل هي مجرد أداة استدلال لوجوده في مكان ما لتسهل على المريض العثور على الاختصاص المطلوب لمراجعته في الحالات المرضية".

وكتب عن الحب، وعن متغيراته، وكيف يكون بين المراهقة والنضوج. ويحدثنا عن الكتاب واهميته وكيف انه بدأ القراءة وهو في الابتدائية، وكيف بدأ الاستعارة من مكتبة هيت العامة ويختم ما كتب بقوله:" ان تورث ابنك العقل اهم من أن تورثه المال". وهذه حكمة.

وفي فلسفة السياسة يفلسف لنا مفاهيم يجهلها الكثيرون، في زمن أصبحت فيه السياسة تجارة الفاشلين. وفي أخطاء التربية يرصد لنا حالة التوحد التي كثرت في زمننا بسبب عدم مراعاة الام لواجبها وانشغالها عنه، وتركه ساعات امام شاشة التلفاز او لاهيا بالموبايل دون ان تتركه يعيش أيامه كما عشناها.

ويرجع بنا ساخرا الى أيام الزمن الجميل الذي لم يكن جميلا كما يتوقعه قارئ العنوان، بل كان زمنا قبيحا، وليس أقبح منه الا زماننا الذي نعيشه. ويقول عن الحرب بانها القانون اللاطبيعي في الحياة.

وفي حكاية فيلية يُسطر لنا مأساة عائلة ظُلمت من النظام الحاكم بتهمة تتنافى مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الانسان، لا لجريمة ارتكبتها، بل لحقد دفين في قلب حاكم لا يعرف الرأفة.

ويضرب لنا مثلا في رعاية ابنته سانيا لتوأمها وكيف اثبتت أن لها قلب أم مُحب، ثم ينقلنا الى حيث فراش عمته وكيف انه عرضها على استاذه الذي شخص مرضها بفقر الدم وكيف خلصها من هذا المرض بوصفه لها امبولة واحدة كل شهر، واراد بهذه الحكاية ان يقول لنا بأن التشخيص هو الأساس لا كثرة الأدوية.

ويصف لنا فرحة التي لم تفرح بزواج مبكر بسبب تعنت شقيقها الذي جعلها خادمة لزوجته الى ان فاتها قطار الزواج، وبعد وفاته تزوجت برجل أكبر منها،

ولم تجد عنده الفرحة. ويحدثنا عن ذكورية المجتمع وعن نزوة الرجل الذي يرغب بالزواج من ثانية اشترطت عليه ان يطلق زوجته الأولى فكان لها ما ارادت، وبدأت معاناة الأطفال مع الزوجة الثانية، ولم يكتفِ بهذا بل انه حرم امهم من مشاهدتهم، وهذه مأساة الكثير من الأمهات المطلقات. وفي صورة معاكسة لهذه القصة فان هناك من الإباء من ترك حضانة أبنائه لوالدتهم دون ان ينفق عليهم رغم انه ميسور الحال ويتقاضى راتبا من الدولة.

وفيما اسماه بـ(كعدة العيد) يصف لنا كيف تكون أيام العيد تجديدا للحزن عوضا عن ان تكون أيام فرح، ثم ينقل لنا صورة عن عادة خاطئة في ان لا دور لمعجون الاسنان في إزالة الطبقة الجرثومية وان علينا الا نصدق ما يُكتب على تلك العلب من عبارات غايتها تجارية.

وعن الحال التي وصل اليها البلد فيما يخص حملة الشهادات العليا وعدم الاستفادة من علمهم يروي حكايته التي يريد منها وضع حملة هذه الشهادات في المكان المناسب لهم لا ان يصبح حامل الماجستير في اللغة الإنكليزية بائعا للملابس، ولا حامل الدكتوراه في التاريخ بائعا للأجهزة الكهربائية.

ويذكر لنا الخيانة الزوجية، وعن رجل اتهم زوجته بسرقته لتعطي أهلها والحقيقة غير ذلك ولكنها نزعة عدوانية من اجل ابراز عضلاته. وعن المسكينة ام البنات وما تعانيه من زوجها ومن مجتمعها غير الواعي الذي يريد أولاده ذكورا ليشدد بهم ازره وانه يكره البنات ناسياً ان امه وزوجته واخته (بنات). ليس هذا فقط بل ان بعض الأجداد يهتمون بأبناء الابن أكثر من اهتمامهم بأبناء البنت، اذ ان للأحفاد من جهة الابن مكانة اعلى من مكانة الاحفاد من جهة البنت.

ويستغرب الكاتب من الشعوذة التي يمارسها السحرة والدجالين، وكيف أنها تلقى اهتماما لدى الكثير من الحاصلين على شهادات علمية وممن يعدون أنفسهم متنورين.

وفي قصة غريبة، ولكنها أصبحت اليوم شائعة يروي لنا ما حدث له مع تلك الاربعينية التي استوقفته وتوسلت اليه ان يوصلها الى منطقة قريبة من المنطقة التي كان يقصدها. تلك المرأة التي تغيرت ملامحها فثارت عليه وهددته بالفضيحة بعد ان علمت انه طبيب، فرضخ لها ولبى طلبها مرغما خوفا من ان تدعي عليه بأمور تدخله في متاهات هو في غنى عنها.

وعن النسيب الذي يُعده ُاهل الزوجة غريبا، فيحرمون اختهم من حقها الشرعي في الميراث وهذا التصرف منافٍ لمبادئ الشريعة الإسلامية ولقانون الأحوال الشخصية الذي اعطى لكل وريث نصابه من التركة.

ويعود لنا الى الخيانة الزوجية، وحكاية الشربت الذي قدمته الزوجة لزوجها بعد ان وضعت فيه مادة مخدرة لتقضي ليلة حمراء مع عشيقها وكيف وصل الحال بالزوج الذي لم يجد له مكانا سوى مشفى الامراض العقلية. ولأنه متخصص بأمراض اللثة والاسنان والفم يبين لنا أسباب رائحة الفم الكريهة.

وعن مقارنة الام بين ولديها بان أحدهم (يفتهم) والأخر (دجه دبنك) ينصح بعدم التعامل مع الأبناء بهذا الأسلوب، بل أن على الإباء والامهات ان ينظروا الى أبنائهم نظرة واحدة في رعاية الذكي للمحافظة على ذكائه، ورعاية الـ(دجه دبنك) بالآخذ بيده وحثه على السعي لتطوير نفسه، والقول له أنك متفوق كاخيك.

ومن الظواهر التي أبرزها ظاهرة المرأة المتخفية باسم مستعار وصورة وهمية عندما تكتب في مواقع التواصل الاجتماعي خوفا من المجتمع الذي تتصدى له مطالبة بالمساواة، وهنا تجب الإجابة عن سؤال: كيف لخائفة ان تطلب حقا؟

ويقول لنا بإن "الانثى وطن لمن لا وطن له..." وينتقد التعليم ويبن لنا حال التعليم الجامعي اليوم. ويخوض غمار الامتحانات، فيحدثنا عن العوائل التي تدخل هذه المعركة من اجل ان يتفوق ابناؤهم، ويقول بأنه "مطالبة غير مقبولة بيولوجيا"، وان على أباء اليوم ان يكونوا كآباء الامس هدفهم ان يتعلم ابناؤهم وان يتفوقوا بلا معارك.

وعن عقوق الوالدين يروي لنا ما يفعله بعض الأبناء مع والدهم الكادح الذي عمل وجدًّ وكدح ليربيهم، وحين يكبر ويتقاعد ينسون أن لهم أباً. وعن السرقة يقول:" من يسرق دجاجة سيسرق بعيرا". وينتقد التسول الذي صار ظاهرة متفشية في كل مدن العراق دون ان تلتفت الدولة لهذه الظاهرة. وعن أسس التربية المدرسية يقول:" إن العصا لا تربي شخصيات ضعيفة فاقدة للثقة"، ويجب على كل مدرسة ان تستشعر أساليب التعنيف والترهيب التي يمارسها بعض المعلمين والمدرسين فيها.

وينبه النساء الى خطورة عمليات التجميل التي صارت هوسا عند بعضهنًّ بسبب دعايات الأطباء والأفكار التي تطرحها شركات التجميل بحثا عن التجارة لا بحثا عن الكمال والجمال، ويقول ان الجمال ليس بالجمال الجسدي، بل هو جمال الفكر والسلوك والتعامل الإنساني الجميل. وينتقد الطقوس والمراسيم والأعراف السائدة اليوم في الزواج كونها تتنافى مع جوهر الدين الإسلامي والمنطق القويم.

وينقلنا الى الضياع الذي ضاع في دوامته العراقيون بين الحوارات والتنظيرات والنقاشات والصراعات التي انتهت بالعراق الى ما هو عليه اليوم، داعيا الى ان الوطن أكبر وأغلى من كل المسميات. وفي العمر وحقيقته يطلب من المرأة ان تكون فخورة بعمرها وان لا تُنكره، وان لا تيأس بعد الأربعين.

وعما جرى له في مدرسة الطبابة العسكرية يروي لنا حكاية العريف الامي الذي يقود كوكبة من الأطباء ولا يعرف سوى الايعاز بـ(استعد واسترح). وبعد أن يقول في الهرج والمرج بان المُغيَّب في سوق السياسة اليوم هو الشعل العراقي، ويدعو قائلا:" لك الله يا عراق".

وفي خريف العمر يوصي بان يكون الانسان "فاعلا... منتجا للسعادة والامل". وأن تكون أعياده صادقة لا كاذبه، فالعيد عنده أن يرى شارعا معبدا ومشفى قيد الانشاء، وان يلتقي صديقا وان يشتري لأطفاله ما يحبون، وان يُسعدً معوزا...وان يرى الرضا في وجه امه وابيه. ويقول في المبادرة إن:" التقدير قد يكون بكلمة او ابتسامة او تلويحه باليد تعبيرا عن الامتنان".

ويحدثنا عن الامام علي عليه السلام قائلا: ان بيته في الكوفة بلا حراس وليس عنده حماية وبنادق، وانه رسول الفقراء والصلاح وانه برئ مما يفعله من يدعي انه من اتباعه.

وعنده ان الرياضة التي كانت متعة وبهجة صارت اليوم تجارة. وفي حكاية النشرة الجدارية التي اسمها (الثقافة) يصف لنا موقف احد المدرسين من حكمة العدد الي وضعوها كونها كانت مختارة من قول الثائر جيفارا وهي "لا يهمني متى وأين اموت ما دام هناك طفل من بعدي يحمل بندقية" وعلى الرغم من أنهم قصدوا في ذلك نضال الشعب الفلسطيني، إلا أن هذه الحكمة اغضبت الكثير لا لبلاغتها، بل لان قائلها جيفارا الشيوعي، ورفعوا النشرة ولم يعيدوها الا بعد ان وضعوا قولا لصدام حسين(نائب الرئيس آنذاك) الى جانب مقولة جيفارا، بعدها قال لنا: هكذا كان جيلنا منغمسا في النضال والثقافة والتحصيل العلمي.

وعمن أحب ولم يَبحْ بحبه لمن أحب كونه من مجتمع لم يعلمه الجرأة والشجاعة في البوح، حكى لنا حكاية صديقه الجامعي الذي أحب من جانب واحد.

وفي المداهمة، يحدثنا عما جرى له من قبل عصابة إرهابية طلبا لدعمها ماديا، ولكنه رفض ذلك، ثم ينقلنا الى النفاق الديني والانتخابات التي ويلا على العراقيين.

ويعود الى الوصايا الطبية تحت عنوان المريض ليس دُمية، وأن على الطبيب ان يبدأ الفحص السريري قبل الاطلاع على ما يحمله المريض من اشعة طبية، ثم يصور لنا محاولة اغتياله بسكين من قبل صبي طائش طمعا بالمال وكيف خابت تلك المحاولة.

وعن الوفاء يروي لنا قصته مع استاذه الدكتور خالد ميرزا، وعن فقر الشاب الذي يريد ان يتزوج، وحين يتقدم لخطبة البنت يكون قرار الأم الرفض لأن الزواج عندها تجارة. ويروي لنا ما جرى له في المطار بسبب تشابه الأسماء.
عَشِق المؤلف امرأة واحدة دون كل النساء، لأنه وجد عندها الحبَّ كلَه، وتلك المعشوقة كانت جدته، ولم تكن واحدة من ليلات العاشقين. ويسرد لنا حكايات عن الطفولة وحروب الرجل والمرأة والبعثة وعيد العمال الى ان يصل الى النضال، فيسطر لنا ما يناضل من اجله وقد أوجز كل ما كان يريد قوله بقوله:" اناضل من اجل ان يسود الحب والسلام والبناء المدني" ثم يحدثنا عن الموظف الشريف.. الذي لا يعرقل معاملاتك.. الذي يستقبلك باحترام ويودعك بأدب، ويختمها بقوله الشرف سلوك، والدين سلوك، والمبادئ سلوك. ويختم مذكراته بالبساطة التي كانت سعادة.

هذه هي رحلتي في مذكرات الدكتور هاشم محمد عبد الله، لقد كانت رحلة ممتعة وجدت فيها الكثير مما عشته وعانيت منه مثلما عانى، ولكنه الصبر الذي هو مفتاح الفرج الذي كان مفتاحا لنصل الى ما نحن عليه اليوم، ومع متعتي بما قرأت، تمنيت لو ان الكاتب وضع فهرسا لمذكراته، وتمنيت لو انه اعتمد في كتابتها على وفق تسلسلها الزمني مؤرخا أيامها. وأتمنى أن يستمر الكاتب بالكتابة وألا يقف عند هذه المذكرات، كونه يملك من المعرفة والثقافة الكثير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف أثر الشعراوي على عالم الفن؟


.. الفرح اللى حضره كل النجوم.. عمرو دياب وتامر حسنى بيغنوا سوا




.. الفنان السوري هاني شاهين: -أنا ومدامتي عايشين عالزعتر والزيت


.. -إذا بدك تحكي فلازم تحكي الحقيقة-.. اليوتيوبر يمان نجار يردّ




.. الموسيقار نادر عباسى: أنا ضد منع أى شخص من الغناء وانتشار ال