الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ظل آخر للمدينة52

محمود شقير

2022 / 8 / 27
الادب والفن


نتابع أخبار الحرب، من مذياع في بيت أحد أبناء عمومتي: الجيش المصري يتمكن من اجتياز خط بارليف.
نسمع أصوات سيارات تجتاز الشارع المحاذي للبيت. صاحب البيت يسارع إلى مفتاح الكهرباء، يطفئ النور. سيارات الجيش تتوقف في ساحة بئرنا الغربية (أسميناها كذلك تمييزاً لها عن بئرنا التي تقع أمام بيتنا بالذات، ولم نطلق عليها اسماً، أما البئر الأخرى التي حفرها عمي الدرويش، فإنه لم يتمها لسبب أو لآخر، فظلت كذلك حتى جاء حمارنا ذات يوم، يرعى العشب من حول فوهتها الواسعة المغطاة بلوح من الزينكو، فلما مشى فوقها، لم تحتمل جرمه الثقيل، فسقط في البئر، ما اضطر أبي وأعمامي إلى استخدام السلالم والحبال لإخراجه وهو محطم الأطراف، بادي الإعياء، فأشفقت عليه حدّ البكاء، ولم يلبث أن مات)، ينطلق الجنود منها صوب بيتنا. بعد نصف ساعة تقريباً، يغادرون المكان.
أعود إلى البيت فأجد أهلي في حالة من الفزع. يخبرونني أن الجنود ورجال المخابرات فتشوا البيت، واستولوا على جواز سفري، ثم تركوا لي أمراً خطياً، حينما لم يعثروا علي، بالمثول بين أيديهم صباح اليوم التالي. كنت أخشى أن يداهموا البيت مرة أخرى. اتجهت إلى بيت العم عايد الذي يقع في منحدر وعر غير بعيد عن بيتنا. فتحت لي الباب زوجة عمي، تمام (لم ترزق سوى بثلاث بنات، وحينما رزقت بمولود ذكر، كانت معنية بأخذه إلى الفتّاح كلما ألم به مرض. كان الفتاح يعالجه بأدعية كثيرة، وأحجبة تشبكها زوجة عمي على كتف الطفل بدبوس. حذرها الفتاح من مغبة الذهاب بالطفل إلى أي طبيب، لأن ذلك سيفسد مفعول أدعيته والأحجبة، فأذعنت لكلامه. وذات مرة مرض الطفل مرضاً شديداً، فلم تذهب به إلى أي طبيب إلى أن مات، فترك ذلك في نفسها حزناً ظلل حياتها طوال سنوات).
نمت في بيت عمي حتى الصباح، ثم غادرته في ساعة مبكرة إلى القدس، ومنها اتجهت إلى نابلس. قصدت بيت أحد أعضاء الحزب، بقيت فيه وقتاً. جاء عربي عواد، مسؤول الحزب الأول في الأرض المحتلة، وكان يتنقل هو الآخر سراً بعد أن جاء الجنود لاعتقاله ليلاً، ولم يعثروا عليه في البيت.
مضينا معاً نصعد طريقاً في جبل جيرزيم، دخلنا شارعاً تنهض على حافته بيوت متلاصقة، انعطفنا نحو اليمين، وسرنا في طريق جانبية مسافة عشرين متراً، وقفنا أمام باب حديدي مغلق، في طرفه العلوي طاقتان صغيرتان. كانت إحدى الطاقتين مفتوحة، فلم نعد بحاجة إلى قرع الباب الذي انشق بسرعة. وجدتني وجهاً لوجه أمام عبد الله السرياني الذي اختفى من وجه المحتلين منذ العام 1968، إثر المظاهرة التي قمنا بتنظيمها انطلاقاً من الحرم الشريف بعد صلاة الجمعة، فلم يعد عبد الله إلى القدس بعد ذلك، ولم يخرج من البيت السري إلا إلى السجن حينما ألقي القبض عليه العام 1974.
مكثت في هذا البيت مدة أسبوع لم أغادره إلى الخارج لحظة واحدة. بقي عربي عواد معنا عدة ساعات، ثم خرج. أما عبد الله، فقد كان يخرج في ساعات محددة ثم يعود، ليلازم البيت لا يخرج منه، ولا يدع أحداً من الجيران يشك في شيء غير عادي من حوله. كانت امرأة شابة تخرج كل صباح لنشر غسيلها في الباحة القريبة، فلا تشعر بوجودنا، لأننا نتصرف بحذر شديد داخل البيت.
بعد أسبوع، انتقلت إلى مدينة البيرة للإقامة في بيت سري آخر، بقيت فيه إلى أن توقفت الحرب. أثناء إقامتي في هذا البيت قرأت عدة كتب، أحضرها أحد قياديي الحزب من البيرة، كان يأتي لتفقد أحوالي مرة كل يومين، من بينها كتاب "الحركة الاشتراكية في مصر" للدكتور رفعت السعيد. صاحب البيت الذي أقمت فيه عجوز يمشي على قدمين واهنتين ينز منهما الدم، وكان وحيداً معذباً يقضي وقته جالساً في أحد أركان غرفته يتحدث مع نفسه بصوت عال، وطوال ساعات الليل لم يكن يجرؤ على إشعال النور، استجابة لتعليمات قوات الاحتلال التي أمرت الناس منذ ابتدأت الحرب، بأن يطلوا مصابيح الكهرباء في بيوتهم بألوان غامقة لأسباب تتعلق بالأمن. لم يقم بطلاء المصابيح، فاستعاض عن ذلك بعدم إضاءتها. كان يصرخ محتجاً كلما أضأت مصباح غرفتي لكي أقرأ شيئاً، فأضطر إلى تغطية المصباح بكيس ورقي يقلل من تسرب الضوء إلى الخارج.
غادرت البيت السري ذات مساء عائداً إلى بيتي. أقلتني سيارة أجرة إلى جبل المكبر، فوصلته بعد المساء، لم أشأ أن أجعل السيارة تهبط إلى آخر الشارع حتى لا ألفت انتباه أحد (كانت السيارات التي تصل الجبل شحيحة آنذاك). هبطت من قمة الجبل مسرعاً، انعطفت نحو الشارع المؤدي إلى "بير المشمشة"، سرت فيه مسافة قليلة، ثم صعدت نحو الحجاب الصخري المتاخم لأرضنا التي نسميها "السوط".
كان البيت يربض على مرتفع من الأرض في الظلمة، شعرت بشوق غامر نحوه وأنا أقترب منه. إنه وطني الأصغر الذي شهد كل التقلبات التي عشتها وعاشتها العائلة. كان يحنو علي كلما عدت إليه حزيناً مجرحاً من قسوة الزمان، وكان يشاركني فرحي كلما أصبت نجاحاً (من عتبته خرجت أخواتي الخمس إلى بيوت أزواجهن، ومن عتبته خرجت أختي أمينة إلى برودة القبر بعد أن أودى بها زواجها الذي لم يدم سوى عام واحد. عدنا بها من مستشفى الهوسبيس بعد العصر بقليل، وسجيناها في البيت حتى صباح اليوم التالي، كانت لدينا رغبة في استبقائها بيننا ليلة أخيرة، وكأننا نعتذر لها عن المصير الذي صنعناه لها بأيدينا. في صباح اليوم التالي نظمنا لها جنازة لائقة. حينما تحرك موكب الجنازة، أخرج عمي الكبير مسدسه، وأطلق عدة عيارات نارية، ما أضفى مزيداً من المهابة على جنازة الشابة المتوفاة، ردد الرجال بصوت عال: لا إله إلا الله، دايم باقي وجه الله، وارتفعت أصوات النساء بالندب والعويل).
ولم يعد بيني وبين البيت سوى بضع خطوات.
(أخبرتني الصحافية الأمريكية ج. مانديل أنها بكت وهي تقترب منه ذات ظهيرة.
جاءت من بلادها سائحة، ثم استقرت في القدس وعملت سنوات عدة في ملحق صحيفة الفجر الصادر باللغة الانجليزية، وكانت لها مواقف سياسية مؤيدة للشعب الفلسطيني، تدلل عليها كتاباتها وحساسيتها المفرطة التي تجعل الدموع تطفر من عينيها لدى تعرضها لأقل انفعال. جاءت إلى عمان مرة، فتعرفت عليها، ثم أخذت تتعاطف مع قضيتي الشخصية باعتباري مبعداً من وطني. اقترحتْ ذات مرة على صديقة لها من القدس، أن تصحبها إلى جبل المكبر لرؤية البيت الذي عشت فيه. اقتربتا من البيت، ولم تستطع ج. مانديل الاقتراب أكثر، فابتعدت، وابتعدت معها صديقتها.
قالت لي: شعرت بأن البيت ناقص، لأن ثمة غياباً موحشاً يعتريه، وقالت إنها لم تحتمل الموقف، فآثرت أن تبتعد عن البيت).
وها أنذا أقترب من البيت. ارتبك أبي وارتبكت أمي وزوجتي، واعترتهم الدهشة حينما رأوني، إذ لم يكونوا يعرفون شيئاً عن مكان إقامتي طوال الأسابيع الماضية. أصابهم فرح مشوب بالقلق، لكنهم أخذوا يتلفتون بخشية عبر باب البيت، نحو الظلمة التي تتكاثف في الخارج. كانت أمي هي أكثر أفراد الأسرة حذراً، أذناها تصغيان لكل نأمة في الخارج، فهي تخشى أن يباغتني الجنود فيلقوا القبض علي.
عدت إلى ممارسة حياتي في القدس متوخياً الحذر إلى حد ما. وصرت بين الحين والآخر أذهب ومعي حسيب النشاشيبي (أحد كوادر الحزب في المدينة) وأصدقاء آخرون إلى بيت الدكتور خليل البديري، للاستماع إليه وهو يتحدث عن فكرة الدولة الفلسطينية. ثم نغادر إلى مقر فرقة بلالين. كانت الفرقة بعد نجاح مهرجانها المسرحي الذي أقيم في قاعة بلدية رام الله ، تشعر بمزيد من الثقة، وقد أخذ وطنيون مرموقون، ورؤساء بلديات، ومثقفون بارزون، يساندونها ويترددون على مقرها.
وكنا، أنا والصحافي المقدسي غسان طهبوب، نكثر من التردد على الفندق الوطني في شارع الزهراء للقاء بعض الوطنيين ممن داوموا على الجلوس في صالته، أو في شرفته المطلة على الشارع. كان المرحوم المحامي عبد المحسن أبو ميزر من أبرز الشخصيات الوطنية التي تتردد على ذلك المكان، وكذلك المهندس إبراهيم الدقاق. وقد انخرط عدد غير قليل من هؤلاء الوطنيين المستقلين في الجبهة الوطنية الفلسطينية وأصبحوا أعضاء في قيادتها المركزية. وشرعت الجبهة في إصدار صحيفة سرية اسمها "فلسطين" كنت أحد أعضاء هيئة تحريرها، وقد كلفت إلى جانب ذلك بنقل مواد الجريدة إلى الحزب، تمهيداً لطباعتها في مطبعته السرية، ولتوزيعها في كل أرجاء البلاد.
يتبع...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رحيل الممثل البريطاني برنارد هيل عن عمر 79 عاماً


.. فيلم السرب يتخطى 8 ملايين جنيه في شباك التذاكر خلال 4 أيام ع




.. الفنان محمد عبده يكشف عبر برنامج -تفاعلكم- أنه يتلقى الكيماو


.. حوار من المسافة صفر | الفنان نداء ابو مراد | 2024-05-05




.. الشاعر كامل فرحان: الدين هو نفسه الشعر