الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حيرة

أحمد فاروق عباس

2022 / 8 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


لم تحتج قضية في العالم العربي والعالم الإسلامي وفي مصر إلى جمع كل موارد الفكر وحكمة العقل وشجاعة الإرادة مثل قضية فلسطين ..

كما لم تصبح قضية في العالم كله بصعوبة قضية فلسطين علي قلب وعقل وروح مصر وعالمها العربي ، وكل الشعوب الصغيرة والضعيفة ..

كانت قضية فلسطين منذ البدايات أمام خيارين : خيار الحرب والصدام مع المشروع الإسرائيلي ووراءه امبراطوريات الغرب الكبري ، تمده بأسباب الحياة وبالقوة ، وخيار الصلح يحاول إيقاف ذلك المشروع شديد العدوانية بوسائل السياسة ، بعد أن فشلت وسائل الحرب ، وتوسع الإسرائيليون بواسطتها أضعاف مساحتها ..

المعضلة أن العرب جربوا طريق الحرب ، وجربوا طريق السلام ولم تنته المشكلة .. وأصبحت تطل على الجميع بخيارات أحلاها شديد المرارة .

وربما كان إلقاء نظرة سريعة على كل من طريق الحرب مع إسرائيل وطريق السلام معها واجبا ، لمحاولة رؤية ضوء ولو بسيط للمستقبل ينير العقول ويمكن البناء عليه ..

أولا : طريق الحرب ..
١ - تصادم العرب مع إسرائيل حربا في عام ١٩٤٨ (في العهد الملكي في مصر ) وعام ١٩٥٦ وعام ١٩٦٧ وعام ١٩٧٣ وعام ١٩٨٢ ...
وكانت محصلة تلك الحروب هو : ضياع أغلب فلسطين في الحرب الأولي ( ١٩٤٨ ) ، وضياع سيناء والجولان والضفة الغربية في الحرب الثالثة ( ١٩٦٧ ) ، وتحرير مصر وسوريا جزءا من أراضيهم فى الحرب الرابعة ( ١٩٧٣ ) ، ودخول إسرائيل لأول مرة في تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى إلي قلب عاصمة عربية هي بيروت في الحرب الخامسة ( ١٩٨٢ ) .
وبغض النظر عن الأسباب وأين كان الخطأ ، فقد كانت هذه هي قصة الصدام بين العرب وإسرائيل حربا .

٢ - من زاوية تاريخية ، كانت أسباب ذلك واضحة ، فمصر - والعرب معها - كانوا وقتها دولا ناشئة في مجتمع الدول ، لم تجرب الصراع في الغابة الدولية حربا أو سلما ، بعد أن فرض عليها الأتراك العثمانيين ٤٠٠ سنة من الاحتلال المباشر ، نسيت فيها مصر وباقي العرب أمور الحرب والسياسة والصراع ، وتركوها للأتراك يقومون بكل ذلك نيابة عنهم ، وعندما احتاجت مصر بعد استقلالها إلي هذه الأمور لم تجد أمامها تجربة تسعف أو خبرة تشفى ، ومع ضعف الأتراك طوال القرن ١٩ احتلت إنجلترا مصر لمدة ٧٠ عاما طويلة ، وفرضت عليها التراجع والتأخر ونمطا معينا من التنمية قائما علي اساس أن مصر بلدا زراعيا ويجب أن يظل كذلك ، كما فرضوا عليها إقامة جيش صغير يصلح للمراسم وتأدية التحية لضيوف مصر أكثر منه جيشا حديثا ترتكن عليه مصر في صراع المصير الذي فرض عليها ..

وعندما تولى زمام مصر أبناءها عام ١٩٥٢ ، كان الوحش الإسرائيلي قد اكتمل ظهوره ، مستعدا ومتحفزا ، وقبل أن تمر ٢٠ سنة على مولده كان يمتلك أقصى ما توصلت إليه ترسانات الغرب من السلاح الحديث ، وفوقه سلاحا نوويا كعامل ردع أخير ونهائى ..

٣ - لم تكن إسرائيل بمفردها طبعا فى تجربة الحرب مع العرب ، فوراءها كانت امبراطوريات الغرب كلها ، فقد ساعدتها الإمبراطورية البريطانية على إقامة دولتها ، بالخداع تارة وبالقوة تارة أخرى ، وساعدتها الإمبراطورية الفرنسية في الخمسينات بإنشاء المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونة ، وتكفلت الإمبراطورية الأمريكية بالباقى حتى الآن ، رعاية بالسلاح والمال والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا ..

٤ - حتى بعد أن توقفت مصر عن إتباع طريق الحرب مع إسرائيل بعد ١٩٧٩ ، كانت سوريا مازلت في الساحة وأيضا العراق ، كما دخلت الساحة إيران بعد التغيرات التى حدثت فيها عام ١٩٧٩ ، كما زاد عليهم تركيا بعد عام ٢٠٠٢ وتولى اردوغان والإسلاميين السلطة فيها .. والآن وبعد أكثر من ٤٠ عاما لم تستطع سورية ، ولا العراق قبل ١٩٩٠ ( غزو ثم حرب الكويت ) ولا الداخلين الجدد - إيران ثم تركيا - فعل شئ في موضوع الصدام بالحرب مع إسرائيل ..

٥ - كان الرهان على إيران الإسلامية أو تركيا الإسلامية في إقامة جهد إسلامى يساند الجهد العربي فى التصدى للمشروع الإسرائيلى جريا وراء السراب ، فقد استغلت الدولتين فلسطين وقضيتها كسلاح لاكتساب المشروعية لمشروعهما ، فقد كان كلاهما مشروعا لخلق النفوذ في العالم العربي الضعيف أكثر منه مشروعا لضم قوتهما إلى قوة العرب ، وتكوين جبهة عربية - إسلامية تجرب مرة أخرى القوة والحرب مع إسرائيل بعد أن تعبت مصر ، كان ما حدث هو العكس ، فقد انشغلت إيران بتكوين جيوب لها في العالم العربي ، فى لبنان واليمن والبحرين والعراق ، ثم الصدام مع السعودية - وليس إسرائيل - فى شراء النفوذ فى الشرق العربي ..
وكانت إيران من الذكاء أن رفعت شعارات تحرير فلسطين ، تجمع بها الأنصار بدون أن يكلفها ذلك شئ سوى رش الأموال علي حماس والجهاد الإسلامي فى فلسطين وحزب الله فى لبنان وبغض النظر عن أطنان الكلام ، وباستثناء مواجهة محدودة لحزب الله مع إسرائيل فى صيف ٢٠٠٦ ، لم تفعل إيران واذرعها وما تسميه محور المقاومة شئ ذو بال للقضية الفلسطينية ، ومازلت جبهة حزب الله مع إسرائيل هادئة منذ ١٦ عاما ..

٦ - وفى داخل فلسطين لم تستطع المنظمات اليسارية ( الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين ) ولا المنظمات الإسلامية ( حماس والجهاد الإسلامي ) ولا المنظمة الأم " فتح " الوصول لشئ فى خيار الصدام والحرب مع إسرائيل ..
وللحقيقة والأمانة لم يكن من المنتظر من هذه المنظمات الوقوف أمام إسرائيل بمفردها ، وكان من الظلم تحميلها عبء التصدي لمشروع بهذه القوة والانتصار عليه ..

٧ - لم تقدم تركيا الاردوغانية - باعتبارها قوة إسلامية أرادت أن تجرب حظها فى قضية فلسطين - شئ لخيار الحرب مع إسرائيل ، ولم يكن ذلك منطقيا منذ البداية ، فعلاقات تركيا السياسية والاقتصادية بل والعسكرية مع إسرائيل معروفة للجميع وتتطور كل يوم ، وقصارى ما فعلته تركيا هو تبنى حماس سياسيا - وربما ما هو أكثر - وتبنى الإخوان المسلمين ، وهؤلاء يصدق فيهم القول المأثور " إذا كان هؤلاء هم اصدقاءك .. فما حاجتك إذن إلى أعداء " !!

والنتيجة ...
أن خيار الحرب مع المشروع الإسرائيلي فشل فى مجرد ايقاف تمدده وتوسعه ، وليس فى إنهاءه أو حتى حصره فى نطاق محدود ، وقد جربت ذلك الخيار مصر وسوريا ، بينما رفع آخرون شعار الحرب والموت لأسرائيل - كإيران وتركيا - ومازال الجميع في انتظار أن ينزل الشعار من دنيا الأحلام إلى أرض الواقع ... ويبدو أن الإنتظار سيطول .

ثانيا : خيار السلام ..
وقد سلكته مصر عام ١٩٧٧ واكتمل عام ١٩٧٩ ، وكانت أسباب مصر لذلك الآتى :
١ أن المشروع الصهيونى قد توسع وتمدد بصورة غير طبيعية بعد تجربة أربعة حروب معه ، وأنه فى عالم هذه ظروفه ، بالإضافة إلى ظروف إقليم الشرق الاوسط ، وظروف مصر ذاتها ، فلابد من تجربة طريق آخر يوقف المشروع الصهيوني الجامح المعزز بقوة الغرب كله من التوسع جنوبا وشمالا وشرقا ، انتظارا لفرص أخرى ربما يمكن فيها الرجوع إلى السلاح ، فأسرائيل ومشروعها العدوانى ليست دولة طبيعية حتى يمكن الارتكان إلى علاقات طبيعية طويلة معها ، وربما كان - من وجهة نظر مصر - إيقاف القتال مع إسرائيل داعيا لبناء العرب لأنفسهم اقتصاديا وحضاريا انتظارا لجولات أخري مع إسرائيل ، وفى النهاية هى استراحة محارب وجد أن الظروف كلها حوله غير مواتية ..

٢ - أن الحرب مع إسرائيل طويلة ، وتحتاج إلى بناء اقتصادي أقوى بعشرات المرات مما هو متاح لمصر ، فالحرب في النهاية تكلفة مادية ، والأهم انها تحتاج إلى بناء مجتمع عصري قادر على التعامل مع صراع طويل ومعقد وذو تقلبات شديدة ..

٣ - أن معضلة مصر الكبرى هى السلاح ، فالحليف الأهم لها وهو الاتحاد السوفيتي مصمم أن يعطيهم انواع معينة من السلاح يحددها هو ، أغلبها دفاعي وليس سلاحا هجوميا ، ومن يقرأ تاريخ الفترة من ١٩٦٧ - ١٩٧٣ سيعرف بالدليل القاطع كيف اراقت مصر - فى عهد الرئيس عبد الناصر وبعده الرئيس السادات - ماء وجهها مع السوفييت طلبا لسلاح متقدم تغرف إسرائيل مثله - وأكثر منه تطورا - كما تشاء من المخازن الأمريكية .

.. لهذه الأسباب أوقفت مصر صراعها - بالحرب - مع إسرائيل ؛ ولجأت إلى صراع السياسة .. وإلى حين .

ربما لم يفهم العرب مقصد مصر من تغيير اتجاه حركتها ، وكان أن حدثت الفرقة ، وفى بداية التسعينات تكفلت التطورات الجديدة والمتغيرات الدولية - إنهيار حليف العرب الوحيد من القوي الكبري وهم السوفييت - والمتغيرات الإقليمية ( غزو العراق للكويت وضرب العراق وخروج قوته من معادلة القوة العربية ) تكفل كل ذلك باقناع باقى العرب بتجربة طريق الصلح مع إسرائيل ، واستمرت المفاوضات فى التسعينات ، وكان أهم محطاتها الآتى :
أ - توقيع إتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين كمقدمة يمكن البناء عليها .
ب - قطعت المفاوضات بين سوريا وإسرائيل اشواطا متقدمة ، وكانت على وشك توقيع إتفاق سلام نهائى .
ج - توصلت الأردن مع إسرائيل إلى إتفاقية وادى عربة .

.. وفجأة امتلأت السماء بالغيوم ، وتغير الجو ؛ ورفع صوت الرصاص وظهرت الدماء بعد أن كان الجو كله يعبق بأناشيد السلام !!
* تلكأ الإسرائيليون فجأة على طريق التسوية ، وخافوا من طريق للسلام ينهى ما يجمعهم معا ، ويجعلهم متحدين أمام خطر خارجي ، ويفتح الباب واسعا أمام ظهور تناقضات إسرائيل الداخلية ، وهى لمن لا يعرف تناقضات هائلة يغطى عليها وقوفهم معا أمام تحدي البقاء ، فإذا لم يجد الإسرائيليون ما يوحدهم ويجمع كلمتهم أمام عدو خارجى فمن الممكن أن يتفتت المجتمع الإسرائيلي كله إلى أشلاء وبدون حروب ..
وكان أن قتل الإسرائيليون اسحق رابين ذات يوم من عام ١٩٩٥ ، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من توقيع إتفاق سلام مع سوريا واستكمال الطريق مع الفلسطينيين ..

د - تكفلت حركتا حماس والجهاد الإسلامي بالباقى ، ومن يرجع إلى تاريخ تلك الأيام من منتصف التسعينات سيعرف أن إيران بعد أن وجدت أن سوريا تضيع من بين يديها بالصلح مع إسرائيل ، كما أن دعاواها للدخول إلى قلب العرب وارضهم من باب فلسطين يوشك أن يغلق ، فجأة وبايحاء ايرانى تذكرت حماس والجهاد العمليات الاستشهادية ، وكان أن حدثت عدة عمليات فى أواخر عام ١٩٩٥ وأوائل عام ١٩٩٦ جعلت الإسرائيليون ينصرفون عن شيمون بيريز الضعيف من وجهة نظرهم إلى نيتانياهو القوى ، وقد حدث أن وجد نيتانياهو - وهو صهيونى شديد التطرف - نفسه رئيسا لوزراء إسرائيل فى منتصف عام ١٩٩٦ ، وانتهى عمليا البحث عن السلام من وقتها وحتى الآن باستثناء محاولتين :

- الأولى حاولها بيل كلينتون فى الوقت الضائع من رئاسته عام ٢٠٠٠ ، ولم تصل إلى شئ ، وتوزعت المسئولية وقتها عمن هو مسئول عن ضياع الفرصة .
- والثانية حاولها القطريون والأتراك عامى ٢٠٠٨ و ٢٠٠٩ عندما عملت قطر وسيطا فى التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وعمل الأتراك كوسطاء في التفاوض بين سوريا وإسرائيل ، ربما كمحاولة أخيرة قبل سنوات الاضطرابات الكبري عام ٢٠١١ وما بعده ، والتى أودت بأوطان عربية كاملة فى أتون النار والدم ، ومازلت فى تلك المتاهات لم تخرج منها سليمة ..

.. وفى سنوات الهول بعد ٢٠١١ نسى الجميع فلسطين وإسرائيل والحرب والسلام ، وانشغل الجميع بالطوفان علي أبوابه ، وكان ذلك طبيعيا ، فمن ذلك الذي لديه الوقت والطاقة للتفكير في فلسطين وفى إسرائيل والعلاقة معها - حربا أو سلما - وبلاده نفسها ووجودها ذاته أصبح لأول محل تساؤل ، كان ذلك شبيها برثاء أحمد شوقى للمنفلوطي ، الذي توفى يوم محاولة اغتيال زعيم الأمة سعد زغلول ، وهلع الأمة كلها على زعيمها المحبوب ونسيانها للاديب الكبير :

أخترت يوم الهول يوم وداع ... ونعاك في عصف الرياح الناعى
من مات في فزع القيامة لم يجد ... قدم تشيع أو حفاوة ساعى
وفى هذه الظروف الممتازة لهم أطلق ترامب ونتنياهو خطتهم التلفزيونية للسلام ..
والمعضلة الكبري الان أن العرب جربوا طريق الحرب ولم يصلوا إلى شئ ، وجربوا طريق السلام ولم يصلوا - باستثناء مصر - إلى شئ ، وما كان يمكن فعله أمس بمخاطر يمكن تحملها يصعب فعله اليوم بعد أصبحت التكاليف اضعافا مضاعفة ( وأقصد طريق السلام ) ..

وبالتالي .. ما العمل ؟
حيرة ... وحيرة شديدة ، بعد أن أصبحت الطرق كلها فى منتهى الصعوبة ..
أعرف أن هناك من سيقول أنه لابد للعرب أن يتحدوا ، أو أن الحكام العرب صفتهم كذا وكذا ، وأنه يجب علينا فعل كيت وكيت ، وهى وصفات جاهزة ، تريح المتكلم وربما المستمع بدون أن يظهر على الارض منها شئ .

.. ربما هى أكثر مرحلة يحتاج فيها العرب وأصدقائهم من حولهم - إذا كانوا صادقين - لذكاؤهم وليس لحناجرهم ، وإلى عقولهم وليس لعواطفهم ، وأن تستجمع نخبهم الفكرية والسياسية إرادتها وتبحث وتنقب ، لعل طريقا جديدا يظهر ، ولعلهم يصلون إلى شئ يفتح أمامهم قبسا يؤدى غدا أو حتى بعد الغد إلى طريق يمكن السير فيه ..

وأول المطلوب أن ينهى الفلسطينيين انقسامهم ويطالعوا العالم بوجه واحد ، وأن تترك المنظمات الفلسطينية فكرة الانضمام إلى المحاور الإقليمية ، تلك السياسة التى أوردت القضية الفلسطينية موارد التهلكة ، وأن يقوم الفلسطينيون ووراءهم العرب وأصدقائهم فى العالم الواسع بجهد سياسي متصل ، تجعل قضيتهم حية في ضمير العالم كله ، انتظارا لتغير الظروف المحيطة بهم ، وحتى يأتى المستقبل - والزمن لا يستقر على حال - بأمل أو بفرصة ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خالد عمر يوسف: الاتفاق الإطاري خطوة في اتجاه المسار الديمقرا


.. ميقاتي يتمسك بعقد اجتماع الحكومة رغم الانتقادات




.. دعوات بتونس لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الدواء | #النافذة


.. عبد الفتاح البرهان: القوى الموقعة على الاتفاق الإطاري ستنشئ




.. مهرجان شعبي في أربيل للعسل والمأكولات الكردية التقليدية التي