الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مسافات وأشياء أخرى

فوز حمزة

2022 / 8 / 29
الادب والفن


الصدفة جمعتني به في حفل لإحدى صديقاتي وكان قريبًا لزوج تلك الصديقة .. ما إن عرفتني به حتى بادرني بسؤال:
- هل أعرفكِ من قبل ؟
أجبته وأنا أتفرس في ملامح وجهه:
- لا اعتقد .. فأنا لا أنسى وجهًا قابلته أبدًا !!
زمَّ شفتيه وفتح عينيه دلالة على الإعجاب ثم دعاني للجلوس قربه ..
بدا طوال السهرة هادئًا متزنًا قليل الكلام .. يرسل نظراته نحوي كلما سنحت له الفرصة ويبتسم إن أنا بادلته النظرات .. شعرت به يراقبني وفرحت بتلك المراقبة فانشغلت عن الجميع به .. في نهاية السهرة تبادلنا أرقام الهواتف وأصبحنا أصدقاء في العالم الافتراضي لنتبادل بعدها الأحاديث العادية عبر الماسنجر والواتس آب .. عرفت أنه مهندس معماري مطلق ولديه ابنة وعرف أني مراسلة صحفية لم يسبق لها الزواج .
..............................................
وهو يضع فنجان القهوة أمامي قال لي العم كامل:
- هناك يا ست ليلى من ترك لك باقة زهور و طلب مني إيصالها لك بعد أن يغادر ..
لولا اسمي المدون أسفل البطاقة وعبارة: هل أعرفكِ من قبل المكتوبة في أعلاها لشككت إنها لي .. ابتسمت وأنا أتذكر سؤاله ليلة الحفل ..
لم أخبره بأمر الباقة ربما لاحتفظ بتلك الهالة التي رسمتها الزهور حول صورته في قلبي .. ربما هناك سبب آخر .. لا أدري !!
مر أسبوعًا قبل أن نتفق على اللقاء في مقهى على ضفاف نهر دجلة .. رائحة القهوة مع هدير الأمواج التي بدت غير عابئة بما يعترينا ومنظر النوارس على صفحة الماء جعلني أشعر أن البدايات لن تكون إلا سعيدة.
الأحاديث كانت تدور عني أما هو فلم يبدو مكترثًا بالحديث عن نفسه .. إذ وصف حياته بإنها خالية من الإثارة تسير على وتيرة واحدة .. فزادني ذلك شوقًا لمعرفة هذا الرجل الذي بدا لي كحدث من الأحداث الغامضة التي علي فك شيفرتها.
مرت شهور ستة .. التقينا بعدها مرات عديدة وفي كل مرة يتأكد لي شعور الحب الذي أكنه له أما هو فيزداد غموضًا كأني سقطت في بئر ليس لها قرار ولولا الزهور التي تصلني منه كل أسبوع .. لقلت إنه رجل آخر ..
فكرت في مصارحته لكن خجل الأنثى الكامن في داخلي سرعان ما يقفز ليقف شاخصًا أمام عيني ليحول بيني وبين تنفيذ ما فكرت فيه حتى جاء اليوم الذي انتدبتني الصحيفة التي أكتب فيها للسفر إلى دولة مجاورة لتغطية حدث ما ..
وهو يبدي أسفه لغيابي .. انتهزت الفرصة لأطلب منه مرافقتي .. فجاءني صوته مستغربًا:
- كيف ذلك وأنتِ الآن في المطار تستعدين لصعود الطيارة ؟!
استجمعت شجاعتي التي لن تكون إلى جانبي في وقت آخر لأقول له:
- أقصد أن ترافقني بالصوت والصورة من خلال الهاتف ..
مرت ثوان كانت ثقيلة على قلبي قبل أن يرد:
- ولماذا أنا بالذات ؟
قلت له وقد وضعني سؤاله عند مفترق طرق:
- لا آتمن أحدًا غيرك ..
رد عليّ بسؤال غبي مبطن بالذكاء مرة ثانية:
- أعرف .. لكن لماذا أنا ؟
- أشعر بالراحة معك واطمئن لك وأريد استشارتك بأمور عدة تخصني ..
كنت أريد أخباره إني أحبه .. لكنها وقفت في منتصف المسافة بين قلبي و عقلي .. أتاني صوته ليحسم حيرتي بعدم أخباره:
- وإذا لم أجد الوقت الكافي لكِ ؟
- حينها دعني وشأني ..
جناح الطائرة الأيمن كانت آخر صورة أرسلها له قبل تحويل الهاتف على وضعية الطيران ..
مرت الأيام السبعة .. لم نفترق فيها إلا وقت العمل في المؤتمر ووقت دخولي للاستحمام .. كان يبدي إعجابه بالصور التي أرسلها له ومقاطع الفيديو التي حرصت فيها على إظهار كل ما هو جميل في تلك البلاد .. وما حصل في تلك الأمسية التي كنت قد قضيتها في واحدة من أحلى المنتزهات في ذلك البلد الذي يسحر بما ميزه به الله من طبيعة كانت الأروع ..
كنت عائدة إلى الفندق وفي حركة فوجئت بها من قبل أحد العاملين وهو يمد يده إلي في وردة حمراء .. فدخلت مسرعة وكان هو معي على الخط كالمعتاد فجن جنونه وأزعجه قبولي وأخذي للوردة .. فكم كنت فرحة بذلك الجنون .. لم أكن أدري إنه بكل هذا النزق من الغيرة ..
حملت الوردة بيدي وهو يشاهدني وقد القيت بها أمام عينه في سلة النفايات فرفض وطالبني بإلقائها من النافذة وقد فعلت وأنا أشعر بسعادة غمرت كل كياني .
صوته كانت له مهمة الإبقاء على توازني وسعادتي ..
قاربت الأيام السبعة على الانتهاء .. بالرغم من أني سأقابله ثانية إلا أنني كنت أريد لهذا الخيط غير المرئي الذي يربط بيني وبينه البقاء متوهجًا يغذي الأحلام التي أجدها تعويضًا بعد أن يسرقني النوم منه.
أريد أن أحيا تلك الحكاية كل يوم .. إنها حكاية الواقع والحلم والخيال ..
سبع باقات من الزهور وجدتها على مكتبي تشكو الوحدة والإهمال .. بعضها ذبل من الانتظار بينما الأمل ما زال يراود البعض الآخر .. احتضنتها وبدأت استنشق عبيرها حتى تلك التي ودعت الحياة كأني اعتذر لها وأطلب المغفرة .
ما يحدث في داخلي .. لا يعلم به أحد ..
عشية الليلة التي سأقابله في نهارها .. انتابني قلق عظيم .. كيف سأنظر في عينيه بعد الفراق .. ربما سيبدو صوتي مختلفًا أو يجدني امرأة أخرى بعد السفر .. فكرت في تأجيل اللقاء لكني وجدت نفسي لا أقوى على اتخاذ هكذا قرار .. فما أحمله من تساؤلات غير الهدايا التي جلبتها له كافية لتصور لي أنني في الساعة الرابعة عصرًا ستنعطف حياتي وتتخذ مسارًا آخر ..
ما زال وجهه يشوبه مسحة حزن عميق إلا أن ابتسامة عينيه حينما رأني وفرحته بلقائي أخبروني إن لي في قلبه شيئًا كبيرًا .
في تلك اللحظة المسروقة من الزمن استفاقت الأنثى داخلي تحاول التحرر من قيودها تستعد للانطلاق بعد أن كانت حبيسة داخل ذلك الكيان المسمى امرأة فقلت له بينما عينيّ تحاول أن لا تهرب من نظرات عينيه:
- أنا أحبك ..
لم يكن صمتًا الذي ساد بيننا واقنعت نفسي أن نظراته تلك ليس وليدة الحيرة والمفاجأة بل رحت أبعد من ذلك حين أوهمت نفسي بأنني سمعته يردد .. وأنا أيضًا أحبك ..
وددت لحظتها أن يعود بي الزمن بضع ثوان إلى الوراء .. قبل أن تولد تلك الكلمة العرجاء من بين شفاهي وأنا أرى تحيره وانشغاله في البحث عن معان تفسر ما به .. قال لي بعد أن مال بجسده إلى الأمام محاولًا التخفيف من وطئة ما سيقوله:
- أنتِ رائعة بكل المقاييس .. لكن ..
لكن !! يالها من كلمة حسمت كل شيء وتركتني كمن تهرول في صحراء حافية القدمين وقت الظهيرة ..
انفرجت شفتاه ليضع بينهما سيجارته التي شاركته الحيرة بينما نظراته راحت صوب النهر كأنه يستجدي الكلمات التي عجز هو في إيجادها لتصف مشاعره .
وأنا أنظر إلى متسولة في الشارع .. سألته:
- والزهور التي كنت ترسلها ؟!
دارت عيناه في الفراغ قبل أن يقول:
- أية زهور ؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيلم عن حياة -مايكل جاكسون-.. والبطل ابن شقيقه


.. طاليس المغربي.. لماذا أغضب الفنان الكوميدي المغربيات؟




.. تفاعلكم : الفنان الكبير ياسر العظمة يشن حربا على باب الحارة


.. ما بين الحزن الطاغي والفرح الغامر .. تشكل الموسيقى الكردية أ




.. هكذا تحدت مصورة الأفلام السودانية عفراء سعد الصور النمطية